يتحدث البعض عن أن تحليل النصوص هو أحد ريادات الفيلسوف الفرنسي “رولان بارت”، صاحب الأعمال العديدة التي يرون أنها مؤسسة لهذا المجال، مثل: “التحليل النصي”، “لذة النص”، و”النقد البنيوي للحكاية”، فيما يرى آخرون أنه علمٌ استعمل في فترات أقدم من التاريخ، إذ نراه مثلًا في أعمال لغويين عرب مثل “الجرجاني”، ولعلّني أميل أكثر إلى هذا الرأي. لكن لماذا؟

 

بالنظر إلى كتابٍ مثل “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أم مرذولة”، للعلامة المسلم “أبو الريحان التوحيدي”، وهو العمل المنجز في سنة 423 هجرية، فعند النظر تحديدًا في الأجزاء التي يتناول فيها “البيروني” خصائص اللغة السنسكريتيّة، فضلًا عن عموم الكتاب؛ كتناوله للنصوص المؤسسة للميثولوجيا الهندية، لوجدنا استخدام المؤلف لآلية تحليل النص لوضع اليد على مؤسسات المعتقدات الهندية، والعادات والتقاليد بها، محاولًا تفسيرها عبر هذا العلم.

 

كذلك الحال في العديد من الأعمال التي قدمها العرب الأوائل، ولعلنا لو ضربنا مثالًا كتاب “فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء” لـ”أحمد بن محمد بن عربشاه”، وبخاصة مقدمة الكتاب، لوجدنا فيها منهجًا متطورًا في استخدام التحليل النصي، من حيث تأكيده على أنّ ما يتناوله مخطوطه، هو محاولة لاستخدام اللغة على لسان الحيوان في تقديم الحكمة، واستخلاصها من الموقف المَحْكيّ، وربط العلاقات في مملكة الحيوان على أساسٍ مساوٍ موضوعيًا للعلاقات البشرية.

 

بعد ذلك، يعمد “عربشاه” إلى إدخال معاني القول على أساس هذه المنظومة، وهو ما نعتبره تأكيدٌ على أنّ دلالات عناصر النصوص ووحداته تتخذ معناها بناءً على شكل العلاقات وموقعها منها، وبناءً على الظّرف المقولةٍ فيه.

 

الأمر لا يتوقف عند ذاك؛ فمنظومة التعامل مع الدال والمدلول في اللغة، وارتباط هذا بذاك وفقًا لصورة العلاقات والظروف المحيطة بالنص المقول؛ هي أمرٌ مُؤسسٌ له في البلاغيات العربية المتعددة، ومن ثمّ نراه الآن في مدارس ما بعد الحداثة ومناهجها المختلفة في تناول اللغة والنص بوحداته المتعددة.

 

وأخيرًا، ولترجيح الرأي القائل بامتلاء التراث العربي بأعمال استُخدمت فيها مناهج مختلفة في تحليل النص، نضرب كمثال، كتابَ “هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف”، للشيخ “يوسف الشربيني”، وهو المخطوط الموضوع في القرن الحادي عشر ميلاديًا.

 

أما التحليل النصي، فيقوم على فكرة التعامل مع النص من داخله، كمحاولةٍ لإنطاقه بالمعنى الكامن فيه، عبر تفكيكه ومن ثمّ إعادة إنتاجه بنصٍّ من تصنيفه أو غير ذلك، كأن يعاد إنتاج النص المكتوب بنص مكتوب، أو إعادة إنتاجه بنص بصري، أو بنص سمعبصري.

 

وبعد عملية التجريد في تحليل النص كقطعة منفصلة عن منتجها وعن الظرف والسياق المُنتج فيه، أو الظرف والسياق المُحلل فيه، تعيد عملية إعادة الإنتاج الاعتبار لمنتج النص، من خلال الوصول بالنص الذي تم تحليله تجريديًا إلى داخل المنتج كشخصٍ أو كظرفٍ تاريخي وسياقٍ اجتماعيّ وثقافيّ، الأمر الذي يعدو بالنص من كونه مجرد قطعة منفصلة ومنعزلة، إلى جزءٍ من خطاب متكامل، بمفهوم الخطاب الذي يطرحه الفيلسوف الفرنسي “ميشيل فوكو”.

ولنا مع “الخطاب” في التراث العربي عودٌ بقول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تحقيق, تراث, لغة
عرض التعليقات
تحميل المزيد