الأمر لا يحتاج مقدمة، لاعب الكرة المصري محمد صلاح (مو صلاح، رمسيس، ملك مصر.. الى آخر الأسماء) ينجح في خلق حالة فريدة من البهجة والمتابعة والترقب لمشاهدة مبارياته مع فريق ليفربول، حالة لم يشهدها الشعب المصري، بل العربي أيضًا لأي لاعب كرة آخر على مدار تاريخه، وأعتقد أني لا أبالغ حين أقول: لم يشهدها الشعب العربي لأية شخصية عامة: سياسية، رياضية، أو فنية، في التاريخ المعاصر، خصوصًا أنه لا يوجد من لا يحبه تقريبًا، بينما وإن وصلت شعبية بعض الزعماء العرب أو الفنانين أقصاها قديمًا؛ فستجد دائمًا قطاعًا لا بأس به من الكارهين، هذا ليس الحال مع محمد صلاح.

محمد صلاح مزيج جميل من لاعب كرة قدم محترف يعمل على تطوير نفسه باستمرار، ويبذل كل جهده وتركيزه في عمله، وهو لعب الكرة، مع ضحكة تدخل القلب، وشخصية متواضعة دمثة الخلق، وفوق كل هذا لا يمتلك توجهات فكرية وسياسية معينة ينشرها، هو فقط يلعب الكرة، ويسجل الأهداف، وهذا ما يجعل الكل يحبه بدون تفكير أو حسابات.

محمد صلاح أصبح للكثير من المصريين مثال النجاح والأمل في وجود مستقبل أحلى وأفضل، قصة الكفاح التى بدأت من قرية مصرية صغيرة، والنجاح في إثبات النفس تطيب القلب، وتوجد السلوى في نفس الرجل الأربعيني الذي يتابعه وقد فاته تحقيق حلم حياته أيًا كان، بينما الشباب والمراهقون ينظرون إليه بعين يملؤها الأمل في الوصول لنجاح قريب من هذا يومًا ما، أما الشيوخ وكبار السن فهم لا ينتظرون منه شيئًا غير إدخال السعادة على قلوبهم التي لا تملك الكثير من العمر القادم، وتتوق الفرحة الصافية بدون التفكير في أي هموم.

بدون مبالغة، فصلاح صنع ما لم ينجح أي شخص في فعله بمنطقتنا الشرق أوسطية التي يكتنف الآسى طرقاتها في ربيع لم يكتمل وتحول إلى عاصفة غابرة، إيجاد السعادة الصافية، وتوحيد اليمين واليسار، والشرق والغرب، على حبه بدون حسابات، وبدون إدراك أن الأمر تجاوز كرة القدم إلى الحاجة الماسة للشعور بالحب والفرحة والفخر من هويتي وجنسيتي وديني، فنحن شعوب نستطيع مشاركة العالم في السعادة، بل وصنعها أيضًا، إذا أتيحت لنا الفرصة.

قد يؤمن البعض أن كرة القدم أفيون الشعوب المعاصرة، وغيرها من الرياضات ذات الشعبية العريضة، لكن حتى وإن صح هذا، فلا يوجد فيه ضرر مادام الأمر لا يتجاوز نطاق المنافسة والحماس بدون أذى للآخرين، قديمًا كانت المسارح الرومانية تمتلئ بمشجعين يشاهدون مصارعات حتى الموت بين العبيد بعضهم البعض، أو ضد وحوش البرية، وكان التهليل والتصفيق يرتفع مع كل دم يراق، فلا بأس على الإطلاق من اهتمام الشعوب بكرة القدم في عصرنا الحديث، ومتابعتها؛ ففي النهاية من طبيعة الإنسان أنه يحتاج تفريغ شحنة من الطاقة والإحساس بفوران الإدرينالين من حين لآخر في متابعة الكرة أو ممارسة الرياضة أو أية هواية أخرى.

ربما لا تكون أعظم لاعبي كرة القدم أو أكثرهم مهارة حتى إن حاولنا إقناع أنفسنا بهذا، لكنك بالتأكيد أفضل مثال وجدناه للاعب مجتهد ناجح يدخل السعادة على قلبنا كل مرة يسجل هدف ويضحك ضحكة تنير وجوهنا وتنتزع صيحات شوارع مصر كلها في آن واحد.

شكرًا محمد صلاح على ما جعلتنا نشعر به وندركه، شكرا على ما فعلته بغض النظر عن نتائج المستقبل التي نتمنى أن تمتعنا لأطول فترة ممكنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد