خلال أسابيع معدودة، تغيرت نظرتي لأمور عديدة وتبدلت مواقفي تجاهها، كما ترسخت في عقلي اعتقادات كنت أرددها فقط من باب التفاؤل والتظاهر بالإيجابية، كلما استطعت إليهما سبيلًا.. صراحة، أصبحت أؤمن أكثر من أي وقت مضى، بأن لكل الأشياء في هذه الدنيا جانبًا سلبيًا وآخر إيجابيًا، وبأن حتى تلك التي تبدو في ظاهرها تجسيدًا للسوء والشر، قد تحمل في طياتها شيئًا من الخير وتجر معها كثيرًا من الأشياء الجميلة.

تغيير طفيف ربما حدث على مستوى أفكاري فدفعني لألمس التغيير في سلوكاتي، وأيضًا في الناس من حولي. فلست الوحيدة طبعًا، وهناك الكثيرون مثلي حول العالم ممن تحمسوا لرؤيتهم الجديدة، ولربما انساقوا مثلي مدفوعين بشعور خجول بالامتنان، ورغبة غريبة في تقديم الشكر لمن كان له الفضل في إثارة التغيير.. للحظة وددت أن أقول باسمي ونيابة عن بعضهم: شكرًا كورونا فيروس.

وددت أن أقول شكرًا كورونا، أولًا، لأنك جعلت الأرض تستريح لبرهة، فساعدتها في أن تأخذ نفسًا عميقًا، ورحمتها مؤقتًا من الضغط الكبير الذي كنا نمارسه عليها وعلى باقي الكائنات الحية التي كانت تحاول دون فائدة التعايش معنا، وهي تكافح في معركة بقاء تصير أصعب فأصعب في ظل وجودنا.

وددت أن أقول شكرًا كورونا، لأنك باغتتنا بامتحان مفاجئ، بغض النظر عمن سيهان ومن سيعز على إثره، فهو سيجعلنا نقيم أنفسنا كأفراد وشعوب وأنظمة، فينال كل جزاء عمله، ويحصل نتيجة اختياراته، ويؤذي ثمن اجتهاده أو تعاقسه. شكرًا لأن الاختبار، ولو أنه عسير، فقد كنا في حاجة إليه، وشكرًا، لأنك وإن كنت صارمة في تقييم أدائنا، فإنك أيضًا منصفة، تستهدفين جميع الطبقات وبنفس الطريقة، دون حيز أو تمييز:

شكرًا لأنك، بين ليلة وضحاها، جعلت العالم بأسره يتشارك هما واحدا، ولو لم يتقاسمه بالتساوي. فبفضلك، توحدت غاية الناس ولو اختلفت وسائلهم، وأصبحوا يخوضون حربًا شرسة ضد عدو واحد، يتسابقون متنافسين لمن يقضي عليها أولًا ويلتفون للحظة حول هدف مشترك. حتى وإن لم يؤزر هؤلاء أولئك، على الأفل أحسوا بمأساتهم وتفهموا وضعهم. فشكرًا لأنك حركت قلوب الشرق لتبكي على الغرب، ودفعت بالشمال يتضامن مع الجنوب، وجعلت مختلف المجموعات والطبقات والأديان والألوان تنصهر لتمثل جميعها الإنسان فقط، بغض النظر عن خلفياته ومرجعيته.

شكرًا لأنه بفضلك أدركنا كم نحن كائنات هشة.. فقد استشعرنا ضعفنا ورأينا كيف يمكن أن نتلاشى، جسديًا ونفسيًا، أمام كائن ميكروسكوبي صغير للغاية.. فهمنا أنه مهما امتلكنا من وسائل وموارد تجعلنا نثق في قدراتنا ونتوهم أننا حققنا التقدم وأضحينا أصحاب سلطة وقوة، فإننا سنظل عاجزين مهما بلغنا.. شكرًا لأنه بفضلك أيضًا أدركنا أنه يمكن أن نصير أقوياء حين نتسلح بالعلم والإيمان والأخلاق والمال أيضًا حين نستثمره فيما يفيد.

وددت حقًا أن أقول شكرًا يا كورونا، لأنك حين تسللت بين عادتنا اليومية لم تغير واقعنا فقط، بل غيرتنا نحن أيضا.. شكرًا لأنك وجهت لنا صفعة قوية قادرة على جعلنا نستفيق من غفلة دامت طويلًا. لقد جعلتنا نقدر، فجأة، قيمة كل التفاصيل الصغيرة التي تملأ حياتنا.

وشكرًا لأنك جعلتنا نحس فعلًا بأن حياتنا مهددة على الدوام وبأنها قابلة للتوقف في أية لحظة، فدفعتنا لنعاود النظر في سيرورتها ونطرح الأسئلة بخصوص ما يستحق أن يستمر وما يتوجب أن يتغير فيها.

شكرًا لأنك جعلتنا نتشبث بالحياة حين أصبحنا مهددين بالموت.. بفضلك أصبحنا نعي أن كل يوم جديد هو فرصة لم تمنح لآخرين، وبأن الأمان نعمة لا تقدر بثمن، وبأن طمأنينة القلب تعني أكثر مما كنا نتصور وبأن الحرية رائعة.

شكرًا لأنك دفعت الكثيرين منا للاعتراف بأن تلك الحياة المملة التي كانوا يتذمرون منها ليست بالسوء الذي كانوا يتمثلونه، ولأنك جعلت العديد منا يفطن لكل ما كان في متناوله ولم يعرف قيمته إلى أن حرم منه الآن.

شكرًا لأنك كسرت رتابة روتيننا وأخرجتنا من منطقة الراحة فأجبرتنا على خوض تجربة قاسية ستلقن دروسا كثيرة لمن يعتبر.. لقد جعلت البعض يجرب قليلًا من الخوف والقلق اللذين يطبعان حياة من يعيشون الحرب، بعد رؤية الدبابات وأجهزة الأمن وسياراتها تجوب الشوارع الخالية بحثًا عن مخالفي حالة الطوارئ، وجعلت البعض يأخذ نبذة عن حياة السجناء بعد مرور أيام على بقائه حبيس البيت، وجعلت البعض يحسون بالمشردين والفقراء عندما أصبحوا يتقشفون على ما يملكون داخل البيت، تفاديا للحاجة إلى مغادرة البيت قصد التبضع، وجعلت كثيرين، بفضل مواقف مختلفة جلها حزين، يحسون بأشخاص وفئات أخرى لم يعيروها الاهتمام من قبل أو أخطأوا تقدير معاناتها.

شكرًا لأنه، بفضل ما سبق، حركت مشاعر الرحمة ودفعت بكثير من الناس إلى التضامن والتعاون مع فئات مهمشة وضعيفة ومعوزة.. جعلت الكثيرين يقومون بمؤازرة آخرين ويطلقون مبادرات جماعية أو شخصية حركت مشاعر من استفاد منها وحتى من شاهد وقعها ودعمها أو نوه بها.

وددت أن أقول شكرًا كورونا، لأنك وإن باعدت الناس فقد قربتهم، فدفعتهم ليتواصلوا حول المهم والأساسي فقط، وأجبرتهم على تجنب الأحاديث السخيفة واللقاءات التي لا معنى لها، في المقابل، حفزت الاتصال بهدف الاطمئنان والسؤال عن الأحوال والتعبير عن المشاعر وتقديم الاعترافات وطلب الصفح والسعي للتصالح. دفعت بالناس ليضعوا الحسابات جانبًا وليركزوا على قيمة العلاقات.

وددت أن أقول شكرًا كورونا لأنك قربت أيضا بين البشر وتلك القوة العظمى الخفية. فجعلت من يؤمنون بالله يزدادون إيمانًا وتعلقًا به، مدركين لعظمته ومستشعرين لطفه، كما حركت في غير المؤمنين، لا محالة، ذلك الجانب الروحاني الذي دفعهم لمباشرة طقوسهم الخاصة والتضرع بطريقتهم الخاصة.

وددت أن أقول شكرًا كورونا، لأنك جعلتنا ندرك قيمة العالم، والباحث، والطبيب، والممرض، والمعلم، ورجل الأمن، وعامل النظافة، وغيرهم من الجنود المجندين بأسحلة لا تشبه الأسلحة التقليدية، فيحاربون بها، كل بطريقته، ويقفون في الجبهة الأمامية بشجاعة وبسالة تجعل منهم أبطالًا وتجعل منا جمهورًا أدرك أخيرًا من هم النجوم الحقيقيون الذين يستحقون أن نصفق لهم بحرارة وننثر عليهم الورود.. فتحية طيبة وإنحناءة احترام وتقدير لكل الأبطال حول العالم، ممن ضحوا بحياتهم ووقتهم وجهدهم ليساهموا في جعل حياة الآخرين أفضل، سواء خلال هذه الجائحة أو خلال الأوقات الأخرى، بما فيهم أولئك الذين يظهرون لنا وأولئك الذين نجهلهم أو ننساهم غالبًا.

علاقة بالموضوع، وددت أن أشكر كورونا أيضًا وبشكل خاص لأنها جعلتنا نعاود مراجعة أولوياتنا وانتقاد اختياراتنا.. وددت أن أقول شكرًا كورونا لأن جعلتنا ندرك أن الوعي يحسم مصير الأمم، وأن رجل علم يستطيع أن يدمر أكثر مما يدمره عسكري مسلح، وأن مستشفى مجهزًا في مدينة صغيرة أهم بمئات المرات من أكبر مركز تجاري على المستوى القاري.

وددت أن أشكر كورونا كذلك لأن الأرقام المتعلقة بعدد الوفيات لم تعد أرقامًا فقط، وأصبحت تحركنا، بل تزعزعنا على عكس المعتاد. أصبحنا ندرك أن كل رقم يضاف إلى لائحة الموتى يشكل خسارة كبيرة بعدما اعتدنا أن نمر على خبر وفاة 20 شخصًا في الأيام العادية كما نمر على خبر وفاة 40 شخصًا أو حتى 80، متجاوبين مع الخبر ببرودة غير معقولة.. أصبحنا أخيرًا نشعر بفداحة خسارة روح واحدة ونتوقف أمامها طويلًا.

وددت أن أشكر كورونا على أشياء كثيرة أخرى رحت أعددها بيني وبين نفسي، ولكني لم أستسغ في النهاية التعبير عن الشكر بشكل واثق ولا صريح: ذلك أنني توقفت حين تذكرت بأن فيروس كورونا بلاء. جائحة أصابت العالم وألحقت الأذى هنا وهناك، ففجعت الكثيرين وحصدت الأرواح وشتتت الناس وآلمت الأجساد وعذبت القلوب.

وددت أن أشكرك يا كورونا لأنك لقنتنا دروسًا ولا زلت تفعلين، لكن الثمن الذي قدمناه كان غاليًا جدًا، ولست متيقنة إن كان يجوز أن أفتخر بما تعلمناه مقابل ما أديناه. ينتابني الشك حول ما إذا كانت حقًا صفقتنا هذه رابحة.. لذلك سأكتفي بالقول بأنني وددت أن أشكرك يا كورونا، ولكن!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

شكراً, كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد