تبدو البشرية على حافة الانتهاء، لم نعد على قيد الأمل والراحة والسلام. كل شيء يوحي بنهاية درامية للآدمية. لكنها حتمًا لن تكون سوى بداية عصر جديد، بداية لعوالم متماسكة متضامنة، تسند ظهر بعضها بعضًا. فيروس ضئيل بقوة سلاح عظيم، أبان ضعفنا وضعف إنجازات تباهينا بها طوال عقود، وها نحن نرجع إلى نقطة الصفر، نقطة الضعف، ولم يبق لنا سوى البكاء والنواح، وما العيب في الحزن والبكاء؛ فقد قال قديس الكلمات مرة، في عصر السعادة والاطمئنان، إن الإنسان بلا حزن ذكرى إنسان.

لن أتحدث مطولًا عن عظمة الصين الواهية الذي دمرها فيروس، وعن أفول الحب في روما في زمن الكورونا، و عن عجز فرنسا عن تخطي محنة الوباء، سأتحدث عن عظمة بلدي الموسوم بالنامي، أي بلد مصنف في دول العالم الثالث، كيف علم الكثيرين المعنى الحقيقي للتكافل الاجتماعي، والتعاون قصد تخطي الأزمة، سنحكي بفخر عن تضحيات الحكومة التي فقدنا ثقتنا بها من وقت طويل، وعن فاقد الشيء الذي يعطيه دون بخل أو من، عن روح العطاء والكرم الذي عرفنا به دائمًا، وكيف ساهم الشباب عبر مختلف المنصات الرقمية للتوعية والمشاركة بكل روح وطنية في حث الناس على الانخراط معنا في الحرب ضد كوفيد19، سنتجاوز الأزمة ومظاهر وعي الشعب المغربي لن تفارق عقولنا، ولن تكون هذه الفترة العصيبة إلا بداية عصر جديد. أيام لطالما حلمنا بها، ومستوى عال من المسؤولية، وروح مواطنة قوية.

أتنبأ لمغربي الحبيب، بأيام تزهر القلوب، ليس لأننا سنجد اللقاح المضاد، ولا لأننا سنصير أول المصدرين للغاز والبترول وسننعم بالغنى الفاحش، قطعًا لا؛ فهذه الأيام بالضبط أبانت لنا أن المال لا يمدد العمر، ولا يشتري السعادة، ولا يصنع المعجزات، في الوقت نفسه، تيقنا أن المال في مكانه الصحيح والاستثمارات في القطاعات التي تستحق، كالصحة، والتعليم، والتنمية البشرية هو عين العقل والصواب.

ما إن تنتهي هذه الفاجعة، حتى يتحول المغاربة إلى أكثر من مجرد شعب ينتمي إلى الدول غير النامية، لقد نمتنا كورونا فكريًّا ووطنيًّا، لقد صنعت منا في ظرف خمسة أيام من العزلة عن العالم الخارجي، أناسًا واعين بخطورة فيروس الجهل واستحقار العلم وتقديس الفن، وهنا لا أقصد بالفن الشعر والكلاسيكيات والكلام الموزون المقفى. تعلمنا أن سرير إنعاش يستحق أن يستثمر فيه بدلًا من مئات السهرات الغنائية على شواطئ المملكة الطاهرة، لا نحتاج إلى قنوات تسفه العقول بمضامينها وروتينات يومية عيب على من تجرأ مشاركتها، من اليوم فصاعدًا سنرى على اليوتيوب روتينات كيف نستطيع قراءة الكتب بشكل أجود، روتين أطباء وعلماء يضحون من أجل استمرار نبضات هذا الوطن، علماء وكوادر طبية همشناهم وتركنا لشوف تيفي وأمثالها الملعب فارغًا تقاذفوا فيه كرة الجهل يمينًا ويسارًا، نريد للمغرب والمغاربة أن يرجعوا للعلم حرمته، وعظمته ونبله. فلا خير في شعب لا يحترم علماءه.

 سننجو من هذه الأزمة، وسننجو من الجهل والغباء، وسننجو من العلاقة المتوترة التي تجمعنا بمن في يدهم السلطة والقرار، سننجو بفضل جهود الأطباء والعاملين بقطاع الصحة والبحث العلمي، وليس بفضل أصحاب روتيني اليومي وأصحاب الفن العفن، سننجو بفضل إعلام هادف يتحمل على عاتقه مسؤولية إيصال المعلومة بشفافية دون تلفيق وتهويل وإثارة الرعب في نفوس المساكين، سننجو بأمر من الله الذي يختبر الصبر فينا، سنقاوم إلى آخر رمق، وبوادر النجاح كل يوم تظهر أكثر.

والحجر الوقائي في الأخير ما هو إلا فرصة للتصالح مع الذات، والتفكير بشكل أعمق في مستقبل كل واحد منا، فرصة لتجديد علاقتنا مع الكتاب، ومع الشعر، ومع الموسيقى، ومع الأفلام، والطبخ، والرقص، والحب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كورونا
عرض التعليقات
تحميل المزيد