ما علاقة مبارك بالثورة؟ منذ اللحظة الأولى وإجابة هذا السؤال تبدو واضحة للعيان إلا من اختار العمى بصرًا لعقله.

بدايةً، من يظن أن الثورة قامت لإطاحة مبارك ونظامه فهو لم يفهم معنى الحراك الثوري، ولم يرد -من البداية- للثورة نجاحًا، ولو أنفقنا كل هذه السنوات والدماء انتظارًا لمحاكمة نظام تم عزله لكان الأيسر أن نقتل أنفسنا بأنفسنا.

الثورات -في أصلها- ليس هدفها السامي تغيير أشخاص ولا أنظمة، بل تسمو إلى تغيير أفكار وواقع، تنشد المستقبل ولا تمحي الماضي بل تبني عليه، ولم تكن أبدًا «عيش- حرية- عدالة اجتماعية» أسماء لأشخاص نريد توظيفهم وربط ياسمين الثورة حول أعناقهم، أيضًا لم تكن أنظمة نريدها حاكمة، كذلك الفساد لم يكن مبارك ونظامه بل أفكاره وأفكار نظامه، وأقوى الأدلة على ضعف الأشخاص في مقابل قوة الأفكار هو أن كل ما بذله نظام مبارك لم يكبح جماح الفكر الثوري، ولم يجفف منابع التحرر، بل أفلح أن زكّاها، إذن أين الخلل؟

الخلل عندنا، لا تتعجب، لست متفلسفًا ولا محايدًا ولا متبرئًا من المسؤولية، كلنا سعينا وراء كلمات جوفاء اعتقدناها ثورة، وغفلنا سهوًا وعمدًا عن الأفكار، من منا لم يشارك في بالوعة المصطلحات التي «طفحت» أثناء الثورة: «محاكمة مبارك، الفلول، الدولة العميقة، رموز النظام… إلخ»، من منا وقف متسائلاً: لماذا نثور؟ ومن منا يقف الآن ليتساءل بعد فوات الأوان: لماذا التشخيص؟ الثورة لم تكن نظامًا ولا أشخاصًا أردنا إحلالهم مكان مبارك وأشخاصه، ماذا عن الفكرة؟

والآن أجبني: ماذا كان سيحدث لو حكمت الثورة وغيّرت النظام والأفكار وحصل مبارك على البراءة في عهدها- هل كنت تطعن حينها في الحكم وفي نزاهة الثورة، أم كنت ستنكّل بمبارك تحت مسمى المحاكمات الثورية؟ لم رضيت كل هذه السنوات أن تنفّذ الأمر الأبله: «بُص العصفورة، محاكمة القرن»، وغفلت عن أمر الصيد والصياد؟ ظللت على حالك تنظر للعصافير «حق الشهداء، فساد القضاء، البراءة للجميع، قتل الثوار… إلخ»، حتى قام الصياد بضرب كل العصافير بحجر واحد، للأسف أنت هذا الحجر، والصياد يجلس على العرش، وأنت وعصافيرك احتضنتكم القضبان.

ونهاية، استمر في التساؤل، واجهد في البحث عن الإجابة: «مبارك براءة فمن الذي قتل الثوار؟»، استمر في قطع أغصان الفساد، وبعد أن تخور قواك ستجد أن الجذر هو الأولى بالبتر لا الأغصان، مبارك ونظامه أغصان وفروع، ومن بعدهم أغصان أخرى وما زلنا نهدر وقتًا ودمًا في بترهم.

وأخيرًا، أجب عن سؤالي الأخير علّك تفهم ما أريده: هل ذكّرتك براءة مبارك بأن الثورة لم تكتمل والبذرة لم تنمُ بعد؟ أو بطريقة عكسية: لو حصل مبارك على الإعدام هل كنت ستفكر في ثورة أم كنت ستكتب فرحا «#الثورة_انتصرت»؟ ثم تذكر بعدها أن هذا أكبر إنجازات الثورة بإعدام رأس النظام، وتنسى وتتناسى أن رأس الأفعى وجسدها وكل بني جنسها لو أُبيدوا عن بكرات آبائهم فالسم لن يبرح الأرض، بل قد يُحدث ذلك خللاً في نظام الكون، فالسم والترياق لا بد أن يبقيا.

وأما بعد..

راجع عقلك ومزّق الغمام عن ناظريك، ولا تجعل الثورة شخصًا يريد أن يقتل شخصًا أو ينتظر حكمًا بإدانته، إنما هي فكرة، والأفكار لا تتقاتل، ولا تسفك دمًا، ولا تُزهق روحًا.

براءة مبارك لا تعني هزيمة ولا طعنة للثورة؛ فلم تزل في النفوس الشرارات، ولم يكن مبارك مشعلها ولا مطفئها. رحل مبارك وجاء مبارك آخر، لكن الثورة لم ترحل، كن واثقًا أن إعدام مبارك يقتل الثورة ولا يحييها. شكرًا سيدي الرئيس الأسبق جعلتني أكتب وأتذكر دائمًا «#الثورة_فكرة_والأفكار_لا_تموت».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك