بعد قرار ترامب، تصدرت قضية القدس وفلسطين محور المشهد السياسي في العالم، وبفضل هذا القرار استعادت الأمة ذاكرتها – بعد محاولات محوها – نحو قضيتها الأولى: قضية القدس.

قرار ترامب ليس وليد اليوم؛ فقد صوّت الكونغرس الأمريكي على الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة إليها، وصرّح عدد من الرؤساء الأمريكيين بنقل السفارة، لكنّهم لم ينفذوا أيًّا من تصريحاتهم.. إنّ القدس منذ القدم تتعرض لمحاولات التهويد وفق نهج معلوم وتخطيط مرسوم، وتهدف السياسة الصهوينة في النهاية إلى هدم المسجد الأقصى، وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه.

ولكن.. لماذا نستبشر خيرًا لمثل هذا القرار ؟

تعتبر فلسطين أرض البركات، فقد وصف الله عزّ وجلّ هذه الأرض بالبركة في خمسة مواضع، فالبركة قانون ثابت لهذه الأرض، وبركتها ليست لها حصرًا، إنّما للعالمين جميعًا.. ونجيناه ولوطًا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين.

لقد شهد التاريخ الإسلامي على هذه الأرض نقاط التحول المفصلية لهذه الأمّة، بل للعالم أجمع، وعلى ثرى هذه الأرض المباركة وضع الحدّ لعددٍ من البغاة الذين هددوا مستقبل الأمّة الإسلامية جمعاء.. لقد هدد الصليبيون المشرق الإسلامي كاملًا، وكان السبب الرئيس الذي شحذ همم المسلمين، وفجّر طاقاتهم لمحاربة الغزو الصليبي، احتلال القدس والأرض المباركة، وبعد هزيمة الصليبيين في معركة حطيّن، وتطهير القدس من دنسهم، بقي الصليبيون على شريط ساحلي من يافا إلى عكا 100 عام!

وعندما اجتاح المغول العالم، كانت هزيمتهم في عين جالوت على هذه الأرض المباركة، ونابليون الذي حاول احتلال المشرق الإسلامي بأكمله كانت هزيمته على هذه الأرض أيضًا، والتحدي الصهيوني المعاصر، والذي يهدد الأمّة الإسلامية جميعًا، سيهزم على هذه الأرض أيضًا، بإذن الله.
كما أنّ يأجوج ومأجوج نهايتهم ستكون على هذه الأرض، ومقتل الدجّال سيكون على هذه الأرض، وستشهد الأمّة آخر خلافة على هذه الأرض أيضًا.
هذه الأرض المباركة للعالمين لها وظيفتها.. إذ إنّها دومًا كانت تحرك الأمّة وتفجّر الطاقات وتسرّع وتبثّ الوعي وتعيد ترتيب الأوراق من جديد وتزيل الغبش والقتام عن عيون الأمة، وهذه الأرض كانت وستكون مبعث الرسالة من جديد.

إنّ هذا القرار – وبفضل هذه الأرض المباركة – أسقط الأقنعة عن وجوه الخائنين والمنافقين والمطبعين، وأظهر لهذه الأمّة مرّة أخرى تواطؤ حكّامها وأنظمتها وخدمتهم لسياسات ومصالح إسرائيل وأمريكا، إذّ إنّ ترامب قبل إعلانه عن هذا القرار اتصل بعدد من عبيده واتباعه من حكّام العرب ليبلغهم لا ليشاورهم بهذا القرار.

لقد قامت السعودية بإطلاق العنان (لمستثقفيها) وإعلامها المدسوس للنيل من الفلسطينين ووطنيتهم، وتحدثوا أيضًا حوّل أحقية اليهود في القدس، وجرى الحديث في بلاد الحرمين عن صفقة القرن، والتي تكرر ذكرها في الوسط السياسي، وعرض ابن سلمان على محمود عبّاس أنّ تكون أبو ديس عاصمة لفلسطين.

كمّا أنّ السعودية تزّج بعددٍ من العلماء الربّانيين الأحرار في سجونها، والذين بالطبع لن يسكتوا عن مثل هذا القرار لو كانوا أحرارا، وتترك المجال لعلماء البلاط الذين يأتمرون بأمر ولي الأمر، ويتكلمون بإشارته، لا ليتحدثوا حول قضية الأمّة المصيرية، وإنما لإثراء حصيلة الأمّة الفقهية في قضايا الجوارب ونواقض الوضوء!

ودعمت السعودية ترامب كونه غير مقبول في الوسط الأمريكي، وأبرمت معه صفقات بقيمة 450 مليار دولار، حتى يَخفت صوت معارضي ترامب في الولايات المتحدة الأمريكية، وتواطأت السعودية مرّة أخرى مع ترامب ليهرب خطوة إلى الأمام، ويصرف النظر عن قضايا الفساد المرفوعة ضدّه بإعلانه هذا القرار.. إنّ السعودية تسعى للتطبيع مع إسرائيل وتجد في أمريكا حليفًا، وتضحي بكرامة الأمّة، ومقدساتها، استعدادًا لحربها المفترضة مع إيران.

سقطت الأقنعة، فردود أفعال الأنظمة العربية المستعبدة من قبل أمريكا وإسرائيل لم تتجاوز الشجب والاستنكار، وهذه الردود لا تجدي فتيلًا، ولا تحيي قتيلًا، ولا تعيد كرامة أمةٍ وُضعت تحت النعال.. لم نسمع عن إجراءات عملية ضدّ الولايات المتحدة، مثل طرد السفراء وفرض عقوبات اقتصادية وغيرها.

سقطت الأقنعة، فغياب عدد من زعماء العرب عن القمة الإسلامية التي عُقدت من أجل القدس كان مخزيًا ومخجلًا، ومخيّبًا للآمال في نفس الوقت الذي حضر فيه الرئيس الفنزويلي مادورو.

شكرًا ترامب، فإنّ مثل هذا القرار ساهم في تبّصير الأمّة مرّة أخرى بتبعية وعبودية وخيانة حكامها، ووجه الأنظار مرّة أخرى لعلماءِ البلاط ودورهم الذي سيلعنه التاريخ في خيانتهم لدينهم حتى تتطهر الفتاوى القادمة من دنس النفاق والسلاطين، ولتعرف الأمّة عمن تأخذ دينها.

شكرًا ترامب، فإنّ مثل هذا القرار ساهم في إشعال فتيل الصحوة الإسلامية، وحركة الشعوب، وتسريع وعيها، وعملها من أجل قضيتها الأولى.. قضية القدس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القدس, ترامب, قرار
عرض التعليقات
تحميل المزيد