Array ( [0] => Array ( [_id] => Array ( [$oid] => 5d5cd4be0ffd4a032c591347 ) [ID] => 219091 [post_content] =>

يقال إنما الحب للحبيب الأولِ، لكنني أقول إنما الحب للحبيب الأجملِ، فكما هي الموصل مدينتي الأولى، لكن إسطنبول مدينتي الأجمل.

كلنا يسمع عن سحر هذه المدينة وجمالها، وربما أغلب الناس تأتي صيفًا لزيارتها وقضاء الصيف فيها من أوربا وآسيا، لكن من يسكنها فقط يعلم ما بداخلها بشكل أكبر، ويعلم السر وراء التعلق بها. أذكر أول يوم وصلت فيه إلى إسطنبول حينما استقبلني أحد الأصدقاء، قلت له أريد أن أزور البحر الآن فقال لي: «طيب ارتاح وبعدين»، قلت له لا، أريد الآن، بعد رحلة لثلاثة عشر يومًا، وفعلًا ذهبنا إلى ساحل بحر مرمرة في الوقت نفسه، لأرى تلك الحرية التي لا حدود لها كامتداد البحر، والتي لم نعشها في بلداننا.

خلال يومين من وصولي، ذهبت إلى أحد المهرجانات الطلابية التركية- العربية حيث كان الرئيس الطيب أردوغان حاضرًا، فبعد انتهاء الحفل استأذنت من أحد الطلبة الأتراك بأخذ العلم التركي منه لألتقط صورة، فما كان من التركي إلا أن قال لي العلم لك، كان هذا أول علم تركي من أصل أربعة أعلام في شقتي، لأحمله وأعود إلى شقتي، إذ قال لي صديق معي: «هاي بعد أول يوم استغنيت عن العراق»، وإلى الآن العلم موجود في صالة الشقة.

إسطنبول التي عشقتها قبل أن أراها فكنت في الموصل أتابع قناة TRT عربية لأرى أخبارًا وتقارير عنها، وكنت أتابع حالة الطقس اليومي لإسطنبول وأنا في الموصل. إسطنبول المدينة الساحرة التي تأسر قلوب زوارها، فكما يقال إن الذي يزور إسطنبول سيعود لزيارتها مرة أخرى. إسطنبول أشبهها بامرأة فاتنة تمتلك كل مقومات الجمال، لكنها مع ذلك تتزين كل يوم لتواكب التطور. في إسطنبول يمتزج عبق الحضارة العثمانية العريقة مع التطور التكنولوجي والعلمي، إذ إنها تجمع ما بين الشرق والغرب، بل حتى الكثير من العادات نجدها قريبة من عادات العرب وتقاليدهم.

عادة يسمى المغترب بهذا الاسم؛ لأنه قد تغرب عن أهله وبلاده، لكن في إسطنبول لم أشعر بالغربة؛ فغربتي كانت في بلدي وليس هنا، فهنا تشعر بالأمان؛ فأهلها أناس طيبون يحبون العمل والنشاط والنظام. يوجد امرأة تركية مسنة تسكن في الطابق الذي يلينا، فعادة تطرق الباب علينا أنا ورفاقي لكي نساعدها في حمل الأغراض إلى الأعلى، وأحيانًا تأتي وتجلس في الشقة، ففي إحدى المرات قالت: «أنتم مثل أولادي»، شيء جميل عندما نشاهد امرأة تتكلم بهذا الكلام وهي لا تعرفنا سوى لعام أو لعامين. حتى إن أصحاب المحال التركية قد تعلموا الكثير من الكلمات العربية، وهناك كثير من المناطق أهلها يحبون العرب، حتى حدثت زيجات كثيرة بين العرب والأتراك.

من أكثر الأمور التي زادت تعلقي بإسطنبول وتركيا عندما رأيت الناس أيام الانقلاب في 15 يوليو (تموز) 2016، إذ كنت أخرج يوميًّا إلى الشوارع مع الناس وأراهم ينادون بـ

»Tek Vatan Tek Milat Tek bayrak Tek devlet.«

يعني «وطن واحد أمة واحدة راية واحدة دولة واحدة»، وأراهم يحملون العلم؛ بل يعشقون ذلك العلم، فما كان مني إلا أن أخرج معهم وأحمل ذلك العلم، لم أر مثل الشعب التركي في تلاحمه وحبه لوطنه وانتمائه له أثناء تلك الأزمة؛ فالشعب قد وقف في وجه الظلم، وغيّر مجريات الأحداث، وخلّص البلاد من خراب كان قد يحدث.

أمشي في شوارع إسطنبول القديمة في منطقة الفاتح، وأتذكر قول السلطان محمد الفاتح عندما قال: «أيتها القسطنطينية إما أن تأخذيني أو آخذك». أما مساجدها فهذه وحدها حكاية، إذ إنك تشعر بطمأنينة لن تشعرها سوى في الحرم المكي والمدني، وخاصة مساجد السلاطين الأثرية، كمسجد السلطان محمد الفاتح، السلطان سليمان، السلطان أحمد والسلطان سليم الأول.

على الرغم من عدد سكانها الذي يتجاوز العشرين مليون نسمة، لكن تجدهم منظمين بطرقاتهم ووسائل النقل، وكذلك عند مراجعتك إلى دائرة حكومية فتجد الأمور تمشي بسلاسة وكأن سكان المدينة مليون نسمة فقط.

وأما مناخها فكما هو معروف لا تأمن مناخ إسطنبول، ربما تخرج من بيتك والجو مشمس وأنت في الطريق، وإذا بها تتحول الشمس إلى برودة ومطر، وربما ترى الثلوج في منطقة والمنطقة الأخرى تجد الطقس معتدلًا، لذا حاول أن تأخذ معك معطفًا بيدك.

ومن كثرة تعلقي بها أنشأت أنا وأصدقاء معي صفحة تعنى بإسطنبول وإرشاد الوافدين إليها، ونشر معلومات عن المناطق السياحية والأثرية، وكيفية الحصول على سكن، ودليل لطرق المواصلات.

وفيما يخص بعض الأمور الواجبة للعيش في هذه المدينة الكبيرة، يجب حمل حقيبة للظهر معك، تضع بها شاحنًا للجوال، وعلبة مياه، والأهم من ذلك شمسية تقيك حر الشمس، وربما تمطر في أية لحظة.

من الضروري وجود إنترنت معك باستمرار لأنك ربما تواجه مشاكل في التنقل، حاول تنزيل تطبيقات وسائل النقل على جوالك لكي تعرف رقم «الباص» الذي ستركبه للمنطقة المراد الذهاب إليها، وأيضًا من خلال التطبيق يمكنك معرفة ما إذا كان «الباص» يشعل المكيف أم لا، وكذلك يحتوي على شاحن أم لا. افتح حسابًا مصرفيًا لأنك ستشتري 90% من الأشياء من خلاله. تابع الطقس اليومي قبل الخروج. الشعب التركي يعشق الهدوء، فلا تحدث ضوضاءً في السكن أو في المترو. ضع بجيبك ليرات معدنية ستحتاجها فعلًا؛ لأنك عادة عندما ستشتري سيقول لك «بوزوك يوك» أو ستعطيها لفقير على الطريق. إسطنبول كبيرة لذلك تعود على المشي فليكن معك ترانشوز طبي. حاول استغلال وقتك في المواصلات بقراءة كتاب أو السماع، لذا يجب أن يكون معك سماعات للجوال. وعادة ما تكثر الدورات التدريبية والمحافل العالمية فيها لذا حاول أن تشارك فيها لزيادة معرفتك وخبرتك. وعادة ما تجد في «الباص» أشخاصًا قد نفذت بطاقتهم؛ لذا تعاون معهم ربما سيأتي عليك الدور يومًا ما. حاول التقاط الصور في كل مكان، لأن كل شبر بها يعد سياحة. لا تحاول مع الموظف أو البائع إذا قال لك «سيستم يوك». لا تستغرب إذا سألك تركي عن الطريق فيها.

عادة ما يعشق الإنسان إنسانًا، لكن ربما تصادفك أماكن تزورها؛ فالكثير أصدقائي وأهلي يقولون لي ألم يحن الوقت للعودة إلى بلدك؟ فكان جوابي سريعًا: وهل يمكن للعاشق أن يترك معشوقته؟

ها أنا الآن في مثل هذه الأيام أدخل عامي الثالث في إسطنبول، وأرى أنني قد ولدت هنا من جديد، فهذه المدينة التي احتضنتنا بكل سلام بعد أن خرجنا من مدننا قسرًا.

[post_title] => إسطنبول.. عشقتها قبل أن أراها [post_type] => opinion [post_date_timestamp] => 1526470751 [author_name] => زيد الطيار [tax_category] => Array ( ) [tax_post_tag] => Array ( [0] => 2071 [1] => 9837 [2] => 69 [3] => 1983 ) [_thumbnail_id] => 219071 [_yoast_wpseo_primary_category] => 0 ) [1] => Array ( [_id] => Array ( [$oid] => 5d5cd4be0ffd4a032c591349 ) [ID] => 219026 [post_content] =>

يسألني أحد الأصدقاء عن رأيي في الحملة التي يخوضها المغاربة هاته الأيام عن مقاطعة المنتوجات التي تحتكر السوق، وفي سؤاله شيء من الاستفهام حول مقاطعة منتوجات بعينها دون أخرى.

إن مقاطعة منتوج دون آخر يا صديقي يتخذ أكثر من معنى: فالمقاطعة يا صديقي سلاح فتاك عبر التاريخ فقد استعملته الشعوب ضد دول إمبريالية انتهت هذه الأخيرة بالدخول في مفاوضات على الاستقلال وخير دليل مقاطعة «غاندي» للمنتوجات البريطانية؛ فالمقاطعة سلاح شعبي فتاك يصيب بشراسة الخصم، بدون خسارة تذكر من الجانب الشعبي.

المقاطعة تغيير جذري لقواعد اللعبة الاقتصادية، فبعد تحرير الأسعار الحكومية، وفشل لجان تقصي الحقائق البرلمانية في ردع شراهة الشركات الاقتصادية الجشعة، هنا تحضر مقاومة الشارع من خلال رفع وعي المواطن وهي المعادلة الأصعب، الأهم في المقاطعة رفع وعي الجماهيري.

هذا الشعب الذي يلهونه في مبادرات للتنمية من خلال تربية أسرة فقيرة للأرانب ، أو بيع الحمص في عربة، في المقابل تجد الشركات الكبرى الجشعة كل تحويلاتهم بالعملة الصعبة، ويأتي أحد مديري هاته الشركات ويصف الشعب بالخونة لأنهم قاطعوا منتوجاته.

والأجمل في ذلك أن الشعب المقاطع أضاف للمعركة وعيًا راقيًا ومشرفًا عندما حافظ على المستوى الأخلاقي الرفيع لموقفه، حين ترفع عن نعت وزير لهم «بالمداويخ» ومدير شركة حليب بخونة الوطن، وبعض الجرائد التابعة «بالاستحمار».

الجدير بالذكر أن هؤلاء بنعوتهم يعبرون عن صدمتهم، يخرجون من «فيلاتهم» المكيفة، ليسبوا ويلعنوا مقاطعين، فاجؤوهم بقدرتهم على التعبئة لقضية عادلة، وقدرتهم عن الدفاع عن موقفهم رغم أنهم غير مسنودين لا بدواوين وزارية، ولا بمكاتب دراسات، ولا بخليات أزمة، ولا بقنوات أو جرائد، لكنهم أغرقوا كل خصومهم بواسطة محمية زوركربيرخ «الفيسبوك» الذي فاض على الواقع

إن استمرار المعركة رهين بأهداف، وجب التذكير بها: أولا تعتبر المقاطعة الحالية فعلًا هادفًا، فهو يركز في معركته على منتوجات ثلاثة، ليس غفلةً عن جشع شركات أخرى، ولكنها استراتيجية لربح معركة وليس لخسارتها. ثانيًا فعل المقاطعة ممتد زمنًا، فالخطة ذكية ومريحة، واختيارات الاقتناء متعددة، والنفَس النضالي الذي غُذيَت به المقاطعة يتجاوز النَّفَس المطلبي الصِّرف. ثالثًا فالمقاطعة تعبر عن الكرامة، فالمقاطعون لا يناضلون من أجل الفتات، ولا الاستجداء الشركات، بل هو تعبير عن التضامن مع أبناء الشعب المُفقَّر، وإدانة للتصريحات اللاأخلاقية لمسؤولين لا مسؤولين. رابعًا وأخيرًا فالمقاطعة تنتشر انتشار النار في الهشيم بين مكونات المجتمع، مما لا شك فيه أن المعركة أصبحت حديث الشارع، ومن المؤكد أنها تربح كل يوم جمهورًا مضافًا، وهو ما ينسجُ مغربَ مواطنةٍ جديد، يتجاوز مؤسسات خرساء بئيسة.

أيها السادة من شروط نجاح المقاطعة يجب أن يحظر طول النفس، واستهداف منتجات بعينها، وعدم التنازل ولو كانت هناك تخفيضات بسيطة، وتوسيع القاعدة الجماهرية ونشر كل ما هو جديد حول الخسائر التي تتكبدها هذه الشركات من أجل رفع معنويات المقاطعين من أجل تشجيعهم على الاستمرار.

فالهدف من المقاطعة هو خلق جو من المنافسة بين الشركات وبالتالي تخفيض الأثمنة ومنع احتكار السوق من طرف شركة واحدة الشيء الذي سيحسن الجودة ويخفض الثمن.

ومن المهم أن نذكر بالأمور التي ستفشل المقاطعة ومن جملتها مقاطعة منتوجات كثيرة أو عدة علامات تجارية لنفس المادة، مثلا مقاطعة جميع منتجي زيت المائدة، لا يمكن أن نتصور ذلك، حيت لا يمكن الاستغناء عن الزيت، لكن يمكن جعل الشركة ذات أكبر حصة تخفض الثمن، وبالتالي تحفيز المنافسة، أما السبب الثاني هو الخروج إلى الشارع في مسيرات أو ما شابه ذلك، وحدوث ذلك سيجر الحملة إلى منعرجات ستفشلها.

المبدأ بسيط، أنت لديك منتوج تقوم ببيعه بثمن ليس مناسبًا لقدرتي الشرائية لن أشتريه، وانتهى الكلام لن تجبرني على شراء علامة تجارية معينة وأنا أرى أن هناك منتوجًا آخر أفضل جودة وأقل تسعرة، ومع العلم أن هذا الأخير علامة تجارية وطنية، وهنا يمكن القول أنني لن أخلف ضررًا في الاقتصاد الوطني كما جاء على حد تعبير مديري الشركات المُقاطعة.

من اليوم فصاعدًا المقاطعة ستصبح سلاحًا اجتماعيًا فتاكًا بعيدًا عن التسييس الحزبي، ويرصد بفعالية القدرة الشرائية مقارنة بغلاء الأسعار، مع اتباع استراتيجية: تركيز معركة، وتعميم الوعي، والصبر وطول النفس.

[post_title] => أرخصوها بالتّرك [post_type] => opinion [post_date_timestamp] => 1526428835 [author_name] => أحمد الشهبي [tax_category] => Array ( [0] => 47 ) [tax_post_tag] => Array ( [0] => 92 ) [_thumbnail_id] => 218983 [_yoast_wpseo_primary_category] => 47 ) )