أثناء دراستي الفسيولوجي في الصف الثاني بكلية الطب، شد انتباهي معلومة أن هناك نبضات عصبية مستمرة نابعة من المخ تحافظ على حالة من الانقباض البسيط داخل العضلات، وحفظ ما يسمى «muscle tone» للعضلات، وأن هذا التون غير مرتبط بقوة العضلة وحجمها بقدر ما هو مرتبط بقوة هذه النبضات واستجابة العضلة لها، وذلك للحفاظ على الوضع المنتصب للجسد، فمثلًا عضلات الجزء الأمامي المسئول عن انحناء الجسم أقوى وأسمك في النسيج من عضلات الظهر والرقبة الخلفية المسئولة عن انتصاب الجسد واستقامته، ولكن «muscle tone» لعضلات الظهر والرقبة، والنابع من هذه النبضات العصبية النابعة من المخ «أكبر»، وهو ما يفسر الوضع المنتصب المقاوم للجاذبية الأرضية للفرد الناضج الذي لا نجده لدى الأطفال الرضع، ولدى البشر في طور الشيخوخة المتأخرة، إذ إنه مرتبط بتمام نمو وصحة المخ المسئول عن ضخ مثل هذه النبضات بالأساس، وهكذا سنجد أن كل البشر كاملى النمو والوعي مجبولون على مقاومة الجاذبية.

لو مددنا هذا الخط على استقامته نجد أن الحياة البشرية ما هي إلا وجود حيوي مقاوم، سلاحه الأساسي هو «الوعي»، فالموظف المستكين خلف مكتب صغير في أحد أركان غرفة متربة بمبنى حكومى من ثلاثة أدوار يتابع عمره يمر أمامه عينيه حتى يذوي وينتهي، هو أيضًا كائن مقاوم، فمجرد استطاعته الوقوف والذهاب إلى العمل والاستمرار فيه لتوفير الحد الأدنى لقدرته وأسرته على الحياة هو فعل من أفعال المقاومة الحيوية.

فالمقاومة لا تقتصر على مقاومة الاستعمار ومقاومة النظام، فنحن كائنات بيولوجية مقاومة بالأساس منذ النشأة والتطور، وكل فعل نقوم به بداية من الأكل والشرب وحتى الصعود للقمر هو أحد أفعال هذه المقاومة، فنحن نقاوم الجاذبية الأرضية، ونقاوم كل العوامل التي تعوق سير حياتنا.

وبالتالي فلا داعي لتعالي السياسيين على غير المسيسين لنفورهم من الشكل الذي يرونه للمقاومة، فكل ما يمارسه هؤلاء هو في التحليل الأخير أحد أفعال المقاومة الحيوية، ولو كانت بشكل فردي.

ولكن النقطة التي يجب أن يبدأ عندها السياسيون وكل مهتم بالشأن العامة في وعي هؤلاء هي: لماذا إذن تتقاطع سبل المقاومة بين البشر؟ وما الذي قد يؤدي بالبعض إلى إضعاف وأحيانًا سحق مقاومة الآخرين؟! وهل يعود هذا إلى طبيعة الإنسان وفطرته؟! أم يعود إلى طبيعة النظام الذي يعيش فيه هذا الإنسان الذي يمارس فعل المقاومة بالفطرة؟! ولو كان العيب في النظام، فمن الذي خلق هذا النظام؟ وهل يمكن تغييره؟!

لنضرب مثالًا بمجموعة من البشر يتقاتلون وينصبون لبعضهم المكائد والفخاخ للاستمرار في وظيفة ما بعد أن أعلن صاحب الشركة عدم حاجته سوى لفرد واحد لشغلها، وذلك بحجة الحفاظ على أرباح الشركة، في الوهلة الأولى ستراهم مجموعة من الحيوانات المتعاركة مدفوعة بالغريزة، ولكن لو نظرت لطبيعة الصراع بشكل أعمق سنجد أن الكم الرهيب من المتطلبات والتكاليف الحياتية التي يفرضها النظام عليهم حتى يستطيعون استكمال مسيرة المقاومة الحيوية على المستوى الفردي والعائلي هو ما يدفعهم إلى هذا السلوك، باعتباره أحد سبل المقاومة، وهنا نكتشف الجذر الحقيقي للمسألة، والذي يجب توضيحه بصبر ودأب للبشر غير المهتمين بالسياسة، إنه طبيعة النظام القائم على التفاوت الطبقي والمنافسة والسعي من أجل الربح، هذا النظام القائم على نهب الجزء الأكبر من الطاقة الحيوية المقاومة لهؤلاء البشر، واستخدامها وقودًأ حيويًّا للحفاظ على أرباحه وتعظيمها، ويخلق النظام مثل هذا التقاطع في سبل المقاومة الحيوية ويوظفها لتحقيق هذا، ليس هذا فقط، بل ويسحق كل أشكال المقاومة لو صارت جماعية، ودائمًا ما يعزز من خطوط تقاطع هذه المقاومة على حساب نقاط اللقاء.

وهكذا فقد يتقاتل مجموعة من البشر على فرصة ما، ولكن كل منهم سوف يكون لديه بالتأكيد من الدوافع ما يبرر لعقله الواعي مثل هذا القتال من منطلق المقاومة الفردية. فالتنوع الحيوي على الأرض بالكلية هو تنوع حيوي مقاوم، ولكن ما يميزنا نحن البشر هو كوننا كائنات بيولوجية متطورة واعية بهذه المقاومة.

وكما أن المخ هو المسئول عن انتصابنا ومقاومتنا للجاذبية، فالوعي بضرورة فك الاشتباك بين خطوط مقاومة البشر، والوصول إلى نقاط اللقاء، وتغليب المقاومة الجماعية على حساب المقاومة الفردية، عبر الفهم الواعي لجذور أزمة النظام، والسعي لتغييرها، هو الضمان الوحيد لاستمرار البشرية في استكمال تطورها، والسير بخطوات عملاقة منتصبة نحو المستقبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد