شخصية الفرد هي الأساس في التصور ما بعد حداثي للمجتمعات، وبناء هذه الشخصية يبدأ منذ ما قبل الولادة، بل قد ورد في الأثر الإسلامي، أنّ بناء شخصية الابن تبدأ من اختيار الأب لشخصية الأم المحتملة له، إذ إن اختيار الزوج المناسب من أهم عوامل اختيار الشخصية التي سيعكف الأب بقية حياته على بنائها صونًا وانصهارًا، ومن كافة الجوانب.

كما يعلم الجميع فإن المجتمع الجزائري يعتبر محافظًا حتى وقتنا الحالي، هذه الميزة أوقعته في تناقض رهيب جعلت منه متضادًا في توجهاته أيام تضاد، إذ المتنفس الوحيد العلني للرجل أمام المرأة إن ما سلكنا مسلك الاتصال والتواصل الجدي، لا يكون سوى عبر البلديات المؤسسات الحكومية، والتي تبدي رغبة في لفظ هذا الرباط المقدس، إن لم تكن قداسته نابعة عن تفاهمات بين أصحاب الشأن (العريس والعروسة) وقبلهم عائلات أصحاب الشأن.

أدخل عرين موضوع علاقة الرجل الجزائري بالمرأة الجزائرية من باب ما نقرأه يوميا على صفحات الجرائد المختلفة عن اغتصاب الأطفال والقصّر من جهة، أو عن مظاهر الشذوذ الجنسي أو التحرش المستمر ببناتنا ونسائنا على طرقات المدن والجزائرية من جهات أخرى ونتساءل: ما أسباب ذلك؟ وما هو الدافع الذي يبرر اغتصاب الرضع (الذين لا يتجاوزون 20 شهرًا فقط) في مجتمع محافظ صوريًا على الأقل؟

يرى فولتير بأن المجتمعات الأكثر هوسًا بالجنس هي المجتمعات الأكثر تحريمًا له، وهنا أرى المجتمع الجزائري من ضمن هذه المجتمعات تحديدًا، فالجزائري لا يقيم علاقات مع النساء بطريقة حميمية سوى عبر الزواج، هذا لا يعني بأن العلاقات الحميمية منعدمة على التراب الجزائري، لكنها تبقى سرية، وإن خرجت إلى العلن ستأخذ شكل الفضيحة.

ما لا يدركه البعض هو أن العلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة من الضرورات البيولوجية لدى الجنسيْن، التي لا يمكن لأحد بالغ ناضج الاستغناء عنها، ومع ذلك نجد على أرض الجمهورية الجزائرية من يعاقب التلميذ على رسالة حب لإحدى زميلاته، أو من يعاقب مراهقًا عانق إحداهن عند طرف الشارع، وكأن الجريمة هنا هي الحب.

قد يسأل سائل: ما دام الباب الوحيد هو الزواج، فلم لا يتزوج الشاب الجزائري بمن يحب ويعشق؟ حتى يتمكن من إغلاق كل أبواب الاتهامات الضمنية أو المعلنة التي تحوم حول حياته العاطفية.

وأجيب: لو كان هذا الباب مفتوحًا كما يعتقد البعض، لن تجد مراهقا واحدا يقف على ناصية الشوارع الجزائرية منتظرًا أول ابتسامة من احداهن ليهرول خلفها كالعبد الذي بدا له أول شعاع للحرية؛ لأن الزواج صار في أذهان الجزائريين مرتبطًا بالبيت المستقل، السيارة الشخصية والعمل الذي يدر أموالًا كافية لحياة رفاهية تشبه الأفلام والمسلسلات، لقد ولى زمن زواج (يسترها وتسرته) يا جماعة، نحن على رأس القرن الحادي والعشرين، وبمعايير هذا القرن الجزائري الأعرج، صار الشاب لصًا لكل فرصة تتاح أمامه لاختلاس علاقة حميمية مع امرأة ركلها الزمن خارج إطار المنظومة الاجتماعية الجزائرية، ومن لا يجد منفذًا لهذا، سيقيم علاقات جنسية عبر العادات السرية بتحفيز من أشرطة الفيديو المنتشرة عبر النت، أو ما توفره مواقع التواصل الاجتماعي من اتصالات بين الشباب وتبادل صور محرّمَة.

وأنا أسير باتجاه عملي شاهدتُ أحد المراهقين يتحرش بإحدى الفتيات علنًا؛ مما أثار حفيظة المارة، فعبّر الكثير ممن شهد الحادثة عن سخطه، لكنني شعرتُ بالشفقة على هذا المسكين؛ إذ هذا الشاب لا يتعدى خانة الضحية، ضحية لتراكمات سنين طويلة من القيود الاجتماعية المتكونة من التقاليد البالية والعادات المثقوبة، أوصلت الجزائريين لدرجات متقدمة من الهوس الجنسي، حتى صار المتزوج من الشباب محسودًا، صار الزواج إنجازًا لدى الجزائري، بينما يصنف في كافة قواميس مجتمعات المعمورة على أنه حق، وليس طموحًا.

لقد سار المجتمع الجزائري على طريق تضييع وقت شبابه في هوامش الأمور بدل الانخراط في مشروع بناء الأمة الجزائرية، وهذا يذكرني بالأسطورة القائلة: (ديانا) إلهة القمر كانت تسوق جيادها الناصعة البياض عبر السماء، فلمحت أنديمون الراعي الجميل نائما على سفح الجبل، فانحنت عليه وقبلته، وظلت تفعل هذا كل ليلة في عشق وهيام به، حتى خافت أن تفقده فأغرقته في نعاس دائم، وأخفته في كهف لا يعرفه إنسان.

لقد غذت القوة الاستعمارية الفرنسية كل ما يتعلق بالتقاليد البالية والعادات الجزائرية المثقوبة، حتى تحوّل كل شاب بسبب وطأتها عليه إلى أنديمون عصره، يغط في نوم طويل، بينما أجيال عصره من ثقافات أخرى تكاد تلغي الليل بأنوار نشاطها، عبر اجتهادها في بناء الحضارات، فما أصعب حصر العقول بين أرجل النساء، وحبس الأماني ضمن حدود سرير الزوجية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد