من بين أبيات الرثاء المعبرة والصادقة في الشعر العربي التي استوقفتني كثيرًا، أبيات الشاعر عبد السلام بن رغبان الملقب بديك الجن، تلك التي يرثي فيها زوجته ورد بنت الناعمة، وهي من القصائد التي يكمن سر خلودها وبقائها -شأن كل القصائد الدرر والخوالد- يكمن بقاؤها فيما انطوت عليه من وصف صادق لكل مشاعر الحزن والألم والندم التي عاش تفاصيلها ديك الجن بعد أن أغمد سيفه في زوجته التي خانته في نفسها كما كان يتصور، وهي التي تبين لاحقًا، أنها بريئة كل البراءة من تلك الجريمة الأخلاقية التي رميت بها، وأنها كانت ضحية للأكاذيب ومشاعر الحقد والحسد!

وخبر مأساة ديك الجن، (من المناسب هنا أن نوضح سبب تسمية الشاعر بهذا اللقب، فهناك من يقول أن ديك الجن لقب أطلق عليه لأن عينيه خضراوان، وهناك من يرى سببًا آخر للتسمية، مثل الدميري فيما ينقله عن الإمام زكريا القزويني صاحب عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات، الذي يرجع سبب التسمية إلى أن ديك الجن هو دويبة توجد في البساتين، وأن الشاعر غلبت عليه هذه التسمية لخروجه كثيرًا إلى البساتين، ومنهم من ذهب إلى أن أصل تغليب اللقب عليه، يعود إلى قصيدة قالها في رثاء ديك عمير، وكان هذا قد ذبحه وأولم به إلى جماعة من الناس) خبر المأساة وقصة أبيات الرثاء أو الندم الموجعة، كما ذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان، أن الشاعر التقى بحسناء نصرانية تدعى ورد بنت الناعمة، وأصبحت شغله الشاغل في قومته وقعدته، وسره وجهره لجمالها الكامل، ثم إنه دعاها إلى الإسلام فأسلمت على يده، وتزوجها بعد ذلك وكانت كل شيء في حياته حتى إنه يقول:

انظر إلى شمس القصور وبدرها .. وإلى خزاماها وبهجة زهرها

لم تبك عينك أبيضا في أسود .. جمع الجمال كوجهها في شعرها

وامتدت الأيام بهما زوجين حبيبين سعيدين يزداد حبهما كل يوم، إلى أن نزلت بديك الجن ضائقة مالية، قلبت أموره رأسًا على عقب، فرحل إلى سلمية قاصدًا أحمد بن علي الهاشمي وأقام عنده مدة من الزمن، وكان له ابن عم هو أبو الطيب يضمر له البغضاء بسبب هجائه له، وحملته الكراهية والبغضاء على أن أذاع على ورد بنت الناعمة أنها تعشق غلامًا عشقًا شديدًا، و أوصل ذلك الخبر عن قصد وتدبير وسوء طوية، إلى أهل الشاعر وعشيرته وجيرانه، وانتشرت الشائعة حتى وصلت عبد السلام، الذي رجع على الفور إلى حمص ليقف على حقيقة الحال، وذهب ابن عمه لملاقاته وعنفه على تمسكه بورد، المرأة الفاجرة اللعوب فارغة العين، التي ملأتهم عارًا وسوء سمعة، وأشار عليه بطلاقها، فلما نزل عبد السلام منزله وألقى ثيابه، سألها عن الخبر وأغلظ عليها غلظة شديدة، فأجابته بنفي القصة وأنها لا تعلم شيئًا من القصة المتناقلة وإفكها، إلا أنه قام إلى سيفه وضربها به في الحال، وتأكد للشاعر بعد الحادثة بما لا يدع مجالا للريب والظن، أن في الأمر مكيدة حاقدة دبرها له ابن عمه الخبيث، فندم على قتلها أشد الندم ومكث شهرًا يبكيها، ولا يطعم من الطعام إلا ما يقيم رمقه، يقول ديك الجن في أبياته التي تفيض أسي وحزنًا:

يا طلعة طلع الحمام عليها وجنى لها ثمر الردى بيديها

رويت من دمها الثرى ولطالما روي الهوى شفتي من شفتيها

قد بات سيفي في مجال وشاحها ومدامعي تجري على خديها

فوحق نعليها وما وطي الحصي شيء أعز علي من نعليها

ما كان قتليها لأني لم أكن أبكي إذا سقط الغبار عليها

لكن ضننت على العيون بحسنها وأنفت من نظر الحسود إليها

والواقع أن فصول هذه المأساة هي مثال جيد لعدم الاندفاع والتريث، حتى يتبين المرء الحقيقة الناصعة، وللأسف مثل هذا الاندفاع الذي يقود إلى طمس البصر والبصيرة، يقف خلفه دائما ذوي الغرض والنفوس المريضة وبطانة السوء، التي تنقل الأخبار الكاذبة والمضللة على أنها حقائق دامغة لتحقيق أهدافهم المرذولة، وهو الاندفاع الذي يؤدي في النهاية لإزهاق أرواح الأبرياء دونما ذنب، وأن يموت الآلاف من الناس نتيجة الأخبار المكذوبة والملفقة والتي يقف خلفها أفراد أو جهات أو حتى دول…، على أية حال تبقى أبيات ديك الجن صادقة ومعبرة لحجم الألم والندم الذي عاشه شاعرنا، بعد أن فقد زوجته وحبيبته ورد التي كانت ضحية للأكاذيب والأقاويل المغرضة، وتبقى أبياته من الدرر والروائع الخالدة في الشعر العربي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد