في السنوات القليلة الماضية ارتبطت فكرة الاستقلال في المجتمع المصري بأنه قاصر على العاصمة فقط، وتم تشويه الفكرة جملةً وتفصيلًا من خلال مناقشات عديدة لها وكتابات الكثير عنها، سواء كانت تلك الكتابات خاصة بمن قاموا بهذه التجربة أو مجرد كتابات رأي، الدافع منها هو الخوف من تحول فكرة الاستقلال إلى «ظاهرة كتقليد للمجتمع الغربي» وذلك بحسب تعبيرهم.

وكالمعتاد فإن رغبتنا الدائمة والدائبة في تنميط النوع الاجتماعي كانت لها بصمتها الواضحة في ذلك، بحيث أصبح الشاب الذي يخرج من مدينته، تاركًا بيت عائلته، هو شاب يريد أن يتحمل المسئولية، وغالبًا ما يجد الدعم الكامل ممن حوله، لكن إذا فكرت فتاة مجرد التفكير في اتخاذ نفس القرار فإنها لن تنال غير الطعن في شرفها وسلوكها، لأن الاستقلال -من وجهة نظر المحيطين بها- هو المرادف لمفهومهم المشوه عن «التحرر» حيث العُهر والانحراف والضياع.

وللإنصاف، فإن الأهل -في بعض الأحيان- يعارضون استقلال الفتاة من منطلق خوفهم عليها، وكأن عدم تعرضها للخطر مرتبط بوجودهم! في تناس تام لحقيقة أن أغلب الفتيات يتعرضن للتحرش الجنسي في مدنهن وفي مناطق سكنهن، وأن مرافقة الأهالي لهن لا تمنع الخطر من تحرش أو سرقة أو اغتصاب أو قتل!

وإذا أفلحت الفتاة واستقلت بعد حرب طويلة -قد تستهلك فيها- بينها وبين من يتحكم في أمرها فإنها تبدأ حربًا ثانية في مكانها الجديد الذي غالبًا ما يكون القاهرة، حيث ينتقل معها نفس الهراء المجتمعي الذي كانت تعاني منه في الريف أو المدينة، وهو النظر إليها ليس بوصفها فتاة تريد الاستقلال، ولكن هذه المرة هو النظر إليها باعتبارها فتاة استقلت بالفعل، يسخر منها الجيران والبواب وأصحاب العمل ومديرها فهي بالنسبة لهم مُباحة –فقط- لأنها تعول نفسها، «واحدة من غير أهلها وعايشة في بيت لوحدها يبقى أكيد في سر!»هكذا يقولون.

حتى وقت قريب كان الهدف الأساسي لدي هو الاستقلال في القاهرة، وأعتقد أن تحديد المكان كان نتيجة لعدة أسباب أهمها مجال دراستي وعملي المستقبلي وهو الصحافة، وبالطبع هذا المجال لا يجد من ينظر إليه أو يهتم به في الأرياف أو حتى المدن الكبيرة غير القاهرة، وإن وُجدت صحافة في تلك الأماكن غالبًا ما يُطلق عليها -للأسف- «صحافة الدرجة الثانية» ومن البديهي أن لا يتساوى صحافي الدرجة الثانية مع صحافي الدرجة الأولى وإن كان الاختلاف بينهم يتمثل في مكان إقامتهم فقط دون النظر إلى الموهبة أو الكفاءة! ثم يحدثونك بعد ذلك عن تكافؤ الفرص!

وقد يرجع اختياري لذلك المكان تحديدًا للفترة التي كنت مُولعة فيها بقراءة تجارب من نجحوا في الاستقلال في حياتهم حيث جمعت الصدفة أغلب هذه التجارب في مكان واحد وهو القاهرة! أتذكر حديث إحدى الصحفيات بأنها خرجت من بيت أهلها في الصعيد متجهة إلى القاهرة بخمسة جنيهات فقط، بعد معافرة معهم دامت سنتين وانتهت بالفشل وهو الأمر الذي دفعهم للتبرأ منها، ولم ينته طريقها في القاهرة بل إنه بدأ من هناك ليمتد إلى ألمانيا حاليًا، وحديث أخرى بأن سفرها وعلمها وتعلُمها جعلها تكون أسرة لم تكن لتكونها إذا مكثت في قريتها، مكتفية بتعليق شهاداتها على حائط منزلها.

 بدأت أضع الأمور في نصابها شيئًا فشيئًا، وأن أجعل هدفي أكثر تحديدًا، بعد أن انطفأ بريق العاصمة الذي كان يمثل نداهة للكثير ممن يحلمون بمستقبل أفضل وما أكثرهم.

فالاستقلال والاعتماد على النفس أمر عظيم، وتجربة قلما يندم من يخوضها، ولكن تلك التجربة ليست حكرًا على مكان معين، وإذا كانت الدولة لا تنظر بعين الاعتبار إلا لمحافظة واحدة فقط فهذا يُعد جنونًا، ونحن أول من نساهم في ذلك الجنون بخضوعنا له.

الكل يشتكي من المركزية والتهميش، ولكن بمجرد أن تأتي الفرصة بالاستقرار في القاهرة التي تتمتع بالمركزية الكاملة سريعًا ما ننسى اعتراضاتنا وتحفظاتنا على ذلك ونذهب! وليبق الأمر على ما هو عليه، هالة تحيط بالعاصمة تشير إلى النجاح الحتمي لكل من أتى لها وما دونها هو الفشل الذريع.

ولكن، عندما تقترب منها ستجد أنها تبتلع كل من يذهب إليها وقد تأخذه تيهة لا يستطيع الخروج منها.

فلا يجدر بمن يهرب من القبضة الأبوية الصغرى أن ينبهر بقبضة أبوية وسلطوية أخرى لمجرد أنها أكبر قليلًا.

والحق أقول، اللعنة على الاثنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد