الناظر المتبصر إلى حال الأمة الإسلامية يصيبه ذهول عظيم، وفي ذات الوقت يشعر بالحيرة على ما آل إليه وضعها الراهن، وتضطرب النزعات في قلبه وهو يلقي نظرة إلى ذاك الماضي العريق، ويتفحص تلك الأسس القوية وتلك الأركان العتية التي قام عليها الإسلام، ويستنبط أنه ثمت عوائق جعلت من تقدم الأمة العربية والإسلامية في العصر الحديث أمرًا معطلًا لافتقاد الأمة تلك الروح السامية التي سمت بها في ما مضى، وجعلت منها خير أمة بين الأمم؛ فتراجعت مادة ومعنى. ومن جانب آخر تأثرها بالفكر الغربي رغم تاريخها الزاخر بالعطاء الفكري والثقافي الذي خولها حينها لأن تكون أول أمة تعلم الدنيا بأثرها الأخلاق والعلوم والآداب، ولكن وفي العصر الذي تسابقت فيه الدول بشتى أعراقها وجهاتها إلى التقدم والازدهار والتنافس والبراعة في العلوم والاختراعات، تقهقرت الأمة الإسلامية وظلت في ذيل الأمم والشعوب، وذلك للآتي:

كل الدول المتجاورة أدركت ضرورة أن تحافظ على علاقاتها؛ فأحترمت حقوق جيرانها، ووطدت علاقاتها، وتكاملت في كل النواحي الاقتصادية والعسكرية، وكونت تكتلات وتحالفات إلا الدول العربية والإسلامية لا زالت تتنافر وتتقاتل وتبتعد عن بعضها يومًا بعد يوم، حتى صارت أكثر الدول فقرًا، وأكثرها خوفًا وهلعًا، كل الكيانات وجدت نقاطًا مشتركة تجاوزت فهم الاعتزاز بالقومية أو الجهوية؛ فسمحت لأبنائها بالعطاء والإبداع في كل أنحائها إلا دولنا أججت نار الفتنة بين أبناء البلد الواحد، فكل يدعي أنه الأحق بالمجد والسودد، وغيره لا شيء، وليسوا إلا محض أتباع يجب أن يكونوا تحت إمرته، يقولون ما يقول، ويفعلون ما يؤمرون. كل الدول تخلت عن قانون القبيلة وأسست قانون المدينة، إلا نحن لا زلنا نرى أن القبيلة هي الجهة التي يجب أن ينادى لنصرتها ويحشد لحمايتها؛ فحطمنا دولنا بأيدي أبنائها، وما زلنا نمجد أقلياتنا القبلية ونحكم بها دولنا التي عجزنا عن إلحاقها بركب العالم الذي بات يتطور على نحو سريع، وكل ما يمكننا فعله أن نبيع عصارة أجساد أجدادنا الذين ضحوا لأجل أن نبقى وتبقى بلادنا حرة وكريمة، فبعد بيع مواردنا بأبخث الأثمان نستورد ما حرق في صناعته نفط بلداننا فنتلقفه ونقتنيه بأبهظ الأسعار، ولا نحاول التقليد.

كل الأفكار الحاكمة في العالم علمت أن إيجاد أرضية توحد طاقاتها ضد أعدائها هو الحل الأمثل لتلافي السقوط، إلا أفكارنا لا زالت تتنافر وتسعى لإلغاء الآخر وإقصائه ولو على حساب أمة كاملة تتمزق كل يوم بسبب حمار يحمل أسفارًا، وباطش يحمل أغلالًا، وجلاد يسحق كل ناصح ويغيب كل معارض، سعت الشعوب لتكسر ذلك الشرط الذي يكبل كل مسعى للنهوض فقلدت، والتقليد ممنوع فعوقبت بالقتل والترويع والدمار، وتسلق على أكتاف الضحايا كل صاحب مطمع حتى غدت بلداننا قبلة للمتصارعين، وسوقًا للمتنافسين. جميع أمم العالم حافظت على هويتها فعلمت أبناءها لغتها الأم وجعلتها الأولى في التعليم والتعامل عدا أمتنا، من يتحدث بالعربية إما زعيم يلقي خطابًا، وإما عالم يقدم محاضرة، أما الآخرون ففخرهم التسابق إلى تعلم اللغات الأخرى غير العربية، فبدون الاعتزاز بديننا وبهويتنا لن نصل إلى مستوى التأثير في العالم كما فعل الأوائل. فاﻟﺤﻔﺎﻅ ﻋﻠﻰ ﺗﺮﺍﺛﻨﺎ ﺍﻹﺳﻼﻣﻲ ﺍﻟﺴﻨﻲ ﺑﻤﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﻣﻔﺎﺧﺮ، ﻭﻣﺎ ﻳﺤﻮﻳﻪ ﻣﻦ ﻋﺒﺮ ﻭﺣﻘﺎﺋﻖ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺍﻟﺪﻓﺎﻉ ﻋﻨﻪ ﺑﺎلحديد ﻭﺍﻟﻨﺎﺭ، ﻧﺒﻌﺪ ﻋﻨﻪ ﻣﻦ ﻳﻄﻌﻨﻮﻥ ﻓﻲ ﺳﻼﻣﺘﻪ ﺑﺄﻓﻜﺎﺭﻧﺎ ﻭأﺩﻟﺘﻨﺎ ﻭﺑﺮﺍﻫﻴﻨﻨﺎ، ﻭﻧﺤﻤﻲ ﺃﺗﺒﺎﻋﻪ بجيوﺷﻨﺎ ﻭﻗﻮﺗﻨﺎ.

ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﺩﻭﻥ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺻﻨﻊ ﺳﻨﺪ ﻳﺪﻟﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻨﺎ ﻧﺘﺒﻨﺎﻩ ﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﻭﻧﻌﺘﺮﻑ ﺑﻪ، ﻻ ﺷﻚ ﺃﻥ ﻣﺂﻟﻪ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﺃﻥ ﻳﻀﺮﺏ ﻓﻲ ﻣﻘﺘﻞ ﺑﺘﻜﺬﻳﺐ ﻗﻮﺓ ﺑﻴﺎﻧﻪ ﻭﺍﺯﺩﺭﺍﺀ ﺻﻼﺑﺔ ﺑﻨﻴﺎﻧﻪ، ﻧﺤﻦ ﻧﺘﺤﺪﺙ ﻋﻦ ﺃﻋﻼﻡ ﺣﺮﺭﻭﺍ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ ﻣﻦ ﺑﺮﺍﺛﻦ ﺍﻟﻈﻠﻢ ﻭأﺿﺎﺅوﻫﺎ ﺑﻤﺼﺎﺑﻴﺢ ﺍﻟﻬﺪﻯ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺠﻠﺖ ﻟﻠﻌﺎﻟﻢ بمجيء ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﻌﻈﻴﻢ، ﻓﻬﺬﺍ الإﺭﺙ ﻳﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﻣﻦ ﻳﺒﻠﻐﻪ، ﻭﻳﻌﻴﺪ بيانه، ﻭﻳﺠﺘﻬﺪ ﻓﻲ ﺇﻏﺮﺍﺭﻩ ﺭﻏﻢ أﻧﻮﻑ ﺍﻟﺪﺍﻋﻴﻦ ﺇﻟﻰ ﻫﺪﻣﻪ ﻭﻧﺴﻴﺎﻧﻪ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات