منذ بداية تجنيدى الإجبارى، أصبحت أسلك نفس الطريق بصفة مستمرة، حتى صرت أسيرًا للطريق. سيطر علي مفهوم الطريق، وأن كلًا منا يسلك يوميًا في حياته طرقًا مختلفة، لينتقل من مكانه تلك اللحظة إلى غايته. دفعني ذلك لتطبيق المفهوم على بعض الأفلام التي تُمثل مفهوم الطريق كما أراه.

في هذا المقال، سنخوض بعض الطرق لنتعرف على قصص رحلات عاشها أبطال تلك الأفلام.

(1) أن تخلق من التغيير طريقًا: طائر ضحية عجلة الحياة – طائر على الطريق (1981)

يحكى الفيلم عن شاب اسمه فارس، يقضى معظم وقته فى سيارته البيجو، التي اشتراها بعد عمله عددًا من السنين في البحر. فارس يحرص معظم الوقت على الحفاظ على خصوصية عالمه؛ حتى يستطيع تغييره باستمرار، دون الاضطرار لمحاكاة نمط الحياة خارج سيارته.

– اتغيرت أوى يا فارس

– وأنتِ كمان يا عصمت، هدومك .. تسريحة شعرك

– مخطوبة بقى…

عصمت صديقة فارس الوحيدة، تشبهه في الكثير من الصفات، إلا أنها سلكت طريق التغيير الذي يحاكي الحياة. تعمل عصمت في محل ملابس، وتتسم في ملابسها وتصرفاتها بالطابع الرجالي، دون الاهتمام بنظرة المجتمع. فقررت أن تتحرك من النقطة التي تقف عندها، من خلال طريق التغيير، حتى تصل إلى صورة الفتاة كاملة الأنوثة التي تتوقف عن تصرفات تحبها في مقابل إرضاء المجتمع المتمثل في خطيبها.

بينما فارس حافظ على سيره وحيدًا في طريقه الخاص المتعارض مع ميول المجتمع، حتى يعترف أمام عصمت أنه: «حاسس كأني معلق في الهوا». حيث ارتبط عاطفيًا بامرأة متزوجة من رجل تريد الطلاق منه فتصبح هي غايته. فصار معلقًا كالطائرة الورقية التي حاول اللحاق بها على الشاطىء، بعد أن فلتت من يد صاحبها دون نجاح، كلاهما معلق دون علمٍ لأي منتهى يأخذهما القدر، حتى ينتهى سيره بأن يقع قتيلًا تحت عجلات الحياة.

(2) أن تخلق من الاستقرار طريقًا: فتاة حالمة تقايض الحب بنجاح مزيف (Frances Ha. (2012

إنها ذلك الشيء عندما تكون برفقة أحدهم وأنت تحبه وهو يعرف ذلك، وهو أيضًا يحبك وأنت تعرف ذلك؛ ولكن كأنكما في حفل، وكلاكما يتحدث مع آخرين، وأنت تضحك ويلمع وجهك، وتنظر عبر الغرفة فتلتقي عيونكما؛ ولكن… ولكن ليس بسبب نزوعك للتملك ولا بسبب انجذاب جنسي، لكن لأن هذا هو شخصك في هذه الحياة.
وهذا مضحك ومحزن، ولكن لأن هذه الحياة ستنتهي، وأن هذا العالم السري كائن في تلك اللحظة على الملأ، الغير ملحوظ، ولا أحد آخر يعلم بأمر وجوده.
إنه شيء أشبه بتلك الأبعاد الأخرى التي يتكلمون عن وجودها في كل مكان حولنا؛ ولكننا لا نملك القدرة على إدراكها… هذا هو ما أريده من العلاقة، أو من الحياة فحسب : الحب.

-من فيلم Frances Ha

فرانسيس فتاة حالمة تسعى لتحقيق حلمها كراقصة باليه، ولتجد علاقة يتحقق فيها الحب من وجهة نظرها. تعيش فرانسيس مع صديقتها صوفي بنفس الشقة توفيرًا للمال. تركتها صوفي لتخطو طريق الاستقرار عن طريق رجل ارتبطت به، وعمل تحقق من خلالهما نجاح مُزيف. هنا تبدأ فرانسيس في التخبُط والتنقل لتحقيق حلمها، مع مرور الوقت تشعر بتأسفها لحالها حيث تجد أن الحياة لا تنصفها، بالرغم من أنها فتاة محبة للحياة. فتضطر فى النهاية مقايضة حلمها فى إيجاد الحب مقابل طريق الاستقرار الذي يصل إلى عمل وبيت كبير تعيش فيها وحيدة لتخلق لنفسها سعادة مزيفة.

(3) أن تخلق من الماضى طريقًا: تمضى رحلة لتربح قبعة صغيرٍة تستعيد بها ذكرياتك (Nebraska (2013

وودى ديرن رجل فقير يشعر بانتهاء حياته يستلم تذكرة – إعلان للفوز باليانصيب – ويقرر أنها تذكرة دخوله لطريق يصل فيه لماضيه المليء بالحكايات والعلاقات. وودي مُصاب بالزهايمر، ويصر أن هناك جائزة بمليون دولار تنتظره في نبراسكا. يضطر ابنه المُحبط لاصطحابه لنبراسكا حتى يقتنع بأنها مجرد دعاية. هناك يعرف عن والده الكثير من القصص لأول مرة؛ ليدرك من خلالها أن والده عاش الحياة كما يهوى، وأنه اعتاد على أن يمتلك شخصية مغايرة تمامًا لما هو عليه الآن. تنتهى الرحلة باقتناع الأب بأنه لا توجد جائزة، بينما ينتهى الطريق – الذي عاش خلاله الكثير من الذكريات وفاز بحميمية العلاقات مرة أخرى، وبحب ابنه له- بقبعة كهدية من الشركة الدعائية.

(4) أن تخلق من الوحدة طريقًا: قد ترى طريقك خلال ظلامية المجتمع بعين السيكوباتية (Nightcrawler (2014

قصة بطلها ليو بلوم، شاب سيكوباتي عاطل يعيش على سرقة الأشياء المستعملة ليبيعها مرة أخرى حتى وجد غايته في صحافة الجرائم.

ثمة جوانب جيدة لكونك وحيدًا… يكون لديك الوقت لتفعل ما تشاء

– من فيلم Nightcrawler

يتخذ ليو من الوحدة طريقًا ليصل لأي شيء يريده. فبالوحدة يستطيع ببرود أعصاب أن يتحكم في علاقاته مع من حوله ويبتزهم، كأن كل شخص له دليل إرشادي، وما عليه سوى أن يقرأه حتى يستطيع التحكم فيه. يعلم ليو أن السيكوباتية هي الصفة المشتركة بينه وبين المجتمع. فنجح بسهولة كصحافي جرائم، حيث أصبح يصوغ قصص الجرائم، بدلًا عن مجرد نقلها ليستطيع إشباع تطرف رغبة الجمهور في حب الجريمة. فيصل بنجاح في نهاية طريقه لغايته، حيث أصبح المتحكم الأكبر في العلاقات، وخاصة علاقة المجتمع بحياة الجريمة.

(5) أن تخلق من الثورة طريقًا: البيروقراطية تُخرج الثورية من الانسياق (Wild Tales (2014

الفيلم يحكي ست قصص أبطالهم أشخاص عاديين منساقين للحياة الروتينية إلى أن يدفعهم موقف أو مجموعة من الأحداث للغضب، الذي يقودهم لبداية طريق الثورة على الوضع. هنا أخص القصة الرابعة التي تحكى عن خبير مفرقعات يمارس حياة روتينية حتى يرتكب مخالفة مرورية غير مقصودة تجعله يصطدم مع بيروقراطية وفساد الدولة. يقوده الحدث للجنون وتهالك علاقته الأسرية، فيجعل من الثورة طريقًا يسلكه لينتقم في نهايته من بيروقراطية الدولة بواسطة خبرته بالمفرقعات.

كل طريق نسلكه في حياتنا يبدأ برغبة، قد تضعنا الحياة رغمًا عنّا في بداية الطريق، وتجعل من الرغبة صاحبًا زائفًا لرحلتنا يأخذنا للمجهول ونرضى به، وقد نضع أقدامنا على بداية الطريق بإرادتنا ونتخذ من الرغبة دليلًا يرشدنا لطريق مختصر لتحقيق الرغبة… فتتحقق السعادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد