عزيزي القاريء! لا تتعجب من العنوان، وانتظر فقط لمدة خمس دقائق – هي مدة قراءتك لهذه الكلمات – حتى تعرف لماذا صيغ هذا العنوان؟ لأنه – وبالتأكيد – كل موضوع يحمل مهمة توضيح عنوانه. لذا اصبر ولا تتعجل حكمك.

جيل الثمانينات .. هذا المصطلح الذي يطوف الميديا كثيرًا .. ويتردد صداه في الشاشات والوثائقيات المرئية، وفي مواقع التواصل الاجتماعي. إذا ما تم تعريف هذا المصطلح تعريفًا دقيقًا، فهو يعني الجيل من البشر الذي ولد وترعرع وأدرك الثمانينات بكل تفاصيلها ووضوحها، أي أنه يطلق على من وُلد في الفترة التي تسبق أو تلي العام 1980 بسنوات بسيطة.

طبعًا هذا المصطلح يشمل كل مواليد الكرة الأرضية في هذه الفترة، وعندما يتم رصد مظاهر الحياة وطبيعتها في هذه الفترة، فإنه يكون شاملًا لسكان العالم أجمع، لكني – ولأكون صريحًا مع حضراتكم – لم أرَ كل مواليد العالم حينها، ولا مظاهر حياتهم، لذا سيكون جُل كلامي عن جيل الثمانينات المصري، الذي أتشرف بأني من أفراده، وبأني عشت كل مظاهره بأفراحه وأتراحه، بكبواته وانتصاراته – باختصار – سوف أقص عليكم نبأ جيل قد شاخ قبل أوانه.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن .. لماذا جيل الثمانينات هو من تُثار حوله هذه الضجة، وهذا الفيضان الإعلامي – والميدياوي – إذا صح التعبير؟! الإجابة – وباختصار – وكما أراها من وجهة نظري؛ لأنه وببساطة هو الجيل الذي استطاع أن يعاصر أصالة ورُقي الماضي في أواخر عهوده، وأن يكمل بعد ذلك مسيرة التطور التكنولوجي والمعلوماتي الهائل في السنوات القلائل التي تلت ذلك، واستطاع أن يرى أمام عينيه كل الأشياء كبيرها وصغيرها، وهي تأخذ في التطور والتحور عما ألف واعتاد، وكل الأشياء تتغير وتتبدل أمام عينيه، وهو مع ذلك لا زال لم يتخط الأربعين من عمره، أي أنه في لغة العمر: شاب.

حتى أستطيع أن أوضح كلامي أكثر، وأن أربطه بقرائن وأدلة يستطيع القارئ أن يستوضح منها الحديث، فسوف أقسم الحديث عن فترة الثمانينات إلى مظاهر حياتية، فعلى سبيل البداية .. نبدأ بالتعليم.

التعليم في فترة الثمانينات

كان معظم النشأ في فترة الثمانينات يتعلم في المدارس الحكومية – الأميرية – المجانية، والأقلية كانت ترسل أولادها إلى المدارس الخاصة التي لم تكن بالانتشار الكبير مثل هذه الأيام. كان السائد بين النشء حينها أن «الشطار هم اللي بيدخلوا مدارس الحكومة المجانية، والتلميذ البليد هو اللي أرسله أهله إلى المدارس الخاصة »! كان فكرًا طفوليًا سائدًا.

كانت المناهج بسيطة جدًا، والكتب بسيطة، وأتذكر أننا مثلًا لم نبدأ في دراسة اللغة الأجنبية: الإنجليزي، إلا في بدايات الصف الإعدادي، واللغة الأجنبية الثانية: فرنسي أو ألماني، إلا في المرحلة الثانوية. لم نبدأ في دراسة الرياضيات بشكل موسع، إلا في الصف الرابع الابتدائي.

وبنفس الفكر وقتها، كان كل العيب في من يأخذ دروسًا خصوصية، أو مجموعات تقوية، وكان يعتبره أقرانه بليدًا، أي: ضعيف المستوى، ومن يُعرف عنه ذلك يصير مثار تندر وسخرية الجميع من أقرانه.

كنا نذهب إلى المدرسة يوميًا، ونقف في الطابور؛ لنحيي العلم بكل حماسة وفخار، ونصعد إلى فصولنا على وقع موسيقى أغان وطنية حماسية، وكان المعلم عندنا أفضل قدوة، وكان أساسه التربية قبل التعليم. فكان يزرع فينا القيم والأخلاق، قبل أن يعطينا العلم. كان المعلم يقضي كل وقته في تعليمنا وتدريبنا، وكان يغضب كثيرًا من التلميذ الذي لا يتجاوب أو الذي لا يكمل واجباته، وطبعًا كان سلاح الضرب أحد الوسائل الفعالة وقتها، سواء بالعصا أو الخرزانة، أو حتى المد على الأرجل .. لا أنكر أننا تعلمنا جيدًا، وكان حظنا كبيرًا أن نجد نخبة من المعلمين تعطي بلا مقابل، وتتبنى رسالة التعليم كعمل سام، لا وسيلة للتربح.

مكثنا على هذا الحال سنين طوال؛ فمرت مراحل الابتدائي والإعدادي، ودخلنا في سنوات التسعينات، وكانت مرحلة الثانوية التي ما لبثنا أن شاهدنا مظاهر التردي والوهن تدب في العملية التعليمية، وأصبح الفكر السائد وقتها، هو: ثقافة الدروس الخصوصية، والمجموعات المدرسية التي كنا نجبر عليها؛ حتى لا يزعجنا معلم الفصل، وانقلبت الآية من فترة كانت ترى العيب في الدروس الخصوصية، إلى فترة أصبح من لا يأخذ درسًا خاصًا يعتبر عجبًا – نسبة إلى عجيب – ويطلقون عليه صفات الفقر، والعدم، وينسون أنها مسألة مبدأ.

ولكننا حتى مع هذا التردي كنا نذهب إلى المدرسة يوميًا، ونقف في الطابور، ونحيي العلم، ونحضر دروسنا، وكان المعلم متواجدًا دائمًا يشرح بكل إخلاص. وكان أيضًا يسأل عن مستوى طلابه، ويغضب من إهمالهم دروسهم.

منذ أيام سألت أحد أقربائي في المرحلة الإعدادية عن التزامه في المدرسة، فكان قوله: كنت في المدرسة منذ ثلاثة أيام، وكنت الوحيد في الفصل؛ فصعقت من قوله، وفاجأني أنه يعتبر من الملتزمين في المدرسة، وأنه يحضر يومًا في الأسبوع، وأن بقية زملائه لا يحضرون منذ أول العام الدراسي، ومشغولون بمجموعاتهم ودروسهم «علشان يجيبوا مجموع كويس»، بدلًا عن تضييع الوقت في المدرسة!

أدوات الترفيه في فترة الثمانينات

طبعًا كانت القصص المصورة والمطبوعة بالأبيض والأسود هي السائدة في هذه الفترة، مثل: ميكي وسمير، وغيرها، وكانت هناك مجلتا: ماجد والعربي الصغير، العربيتان، موجودتين ومنتشرتين. أذكر أن كانت مجلة ميكي بـ 20 قرشًا وقتها.

عندما ظهر أعجوبة الأعاجيب وقتها: الأتاري – هكذا كنا نسميه – كنا نتسابق على اللعب به، وكان عند أحد البقالين،
ويؤجر الجيم بـ 25 قرشًا، وهذه في وقتها كان جشعًا لا يغتفر. طبعًا انتظرت سنين حتى اشتراه الحاج هدية نجاحي في المرحلة الابتدائية. في البداية كان هناك الأتاري غير المدمج معه ألعاب، وكانت كل لعبة عبارة عن
شريط يوضع به؛ فتعمل، ثم تلاه بعد فترة المدمج معه ألعاب، ثم ظهر بعدها
بفترة جهاز الفاميلي، أو نينتندو، والمدمج معه لعبة سوبر ماريو، التي أحدثت أكبر ضجة وقتها في فترة التسعينات. ظل الحال هكذا حتى غزت الأسواق ألعاب الفيديو جيم في أواخر التسعينات، ثم ظهر بعدها الكمبيوتر.

جيل الثمانينات والكمبيوتر

بدأ الكمبيوتر يظهر جليًا للعوام والناشئة في فترة منتصف التسعينات. وكان شباب جيل الثمانينات هم أول من عاصر سطوع نجم الكمبيوتر في مصر. فكانوا في المدارس يقومون بتدريس مادة حاسب آلي، كشيء مواكب للعصر، وفيها كنا ندرس لغة الباسكال، وتطور الأمر قليلًا، فبدأنا ندرس لغة الدوس، ورجاءًا لا تضحك؛ فهذه كانت بالفعل لغات برمجة للحاسب، وطلبة الثانوية العامة وقتها كانوا يدرسونها، ثم بظهور النسخة الأولى من نظام التشغيل ويندوز Windows كانت الثورة الحقيقة في عصر الحاسب الآلي.

طبعًا كانت نسخة تسمى 3.11، ثم تبع ذلك ظهور نسخة ويندوز 95، والتي كانت يتم تسطيبها من خلال 32 Floppy Disk، يتم إدخالهم متتابعين؛ لتفعيل النسخة، فلم يكن وقتها قد تم اختراع الأقراص المدمجة Compact Disk، أو فيما يعرف اختصارًا بالـ CD. طبعًا كانت إمكانات الأجهزة وقتها ضعيفة جدًا، كان أفضل Processor، أي: معالج، موجود وقتها عبارة عن الـ Pentium 133، ثم ظهر بعده Pentium 2 266، وكان صيحة رهيبة في وقتها، وهذا كان شيئًا ضعيفًا جدًا، يماثل ما يقارب قدرته 1/1000 مما نراه في معالجات هذه الأيام. كان أعلى كارت للشاشة وقتها ذاكرته 8 ميجا بايت! أنت قرأتها بشكل صحيح! وكانت الـ Ram وقتها – الحديثة – ذاكرتها 16 ميجا بايت. ثم بظهور نسخة ويندوز 98 تعاقبت التحديثات، وتلاحق التطور، حتى أصبح التطور في البرمجيات شيئًا لا نستطيع مجاراته. كان أقصى مساحة للقرص الصلب وقتها Hard Disk تبلغ 10 جيجا بايت، الآن أرى بأم عيني مساحات تصل إلى 20 تيرا بايت، أي: 20000 جيجا بايت.

أتذكر واقعة طريفة في هذا الصدد في العام 1995 ، كان لي صديق، له أخ يعمل مهندس اتصالات، وكان يعمل بالخليج لفترة، ثم عاد إلى مصر، وقام بافتتاح شركة للتجارة في كل ما يتعلق بالكمبيوتر، كان صديقي هذا يساعد أخاه، فكان يتلقى اتصالات العملاء، والتي كانت تتضرع له بأن يقوم بحجز المعالج Pentium 2 لهم مهما كان الثمن. أتذكر كيف كان يعلمني صديقي هذا تشغيل نسخة ويندوز 95، وكان يعتبرها سرًا أعظم. أتذكر عندما أردنا أن نلعب أحدث الألعاب وقتها، ولكنها لم تعمل على الجهاز؛ لأن الرام كانت أقل من متطلباتها، وهي 16 ميجا، أعلم أنك تضحك كثيرًا الآن، ولكن صدقني هذا ما حدث بكل صدق، وكنا وقتها من أسعد شباب جيلنا حظًا.

مع كل هذا تخيلوا حضراتكم جيلًا حضر هذه البدايات للحاسب الآلي، وكان يعتبر نفسه متطورًا وعصريًا وقتها، ويشهد هذا التطور الذي يحتاج لقرون حتى يحدث، يرى بأم عينيه من النقطة صفر وحتى النقطة لانهائية من
التطور في وقت لا يتعدى عقدين من الزمن. كل هذا ونفس هذا الجيل مازال – نظريًا – في ريعان شبابه.

جيل الثمانينات والإنترنت

كان الإنترنت على أيامنا يتم الاتصال به من خلال رقم تليفون أرضي، يعمل كمزود للخدمة، وكنا نقوم بتوصيل كابل التليفون بما يسمى Modem Card، أو كما درج تسميته: كارت الفاكس، ونظل نسمع: الوش والشوشرة المعروفة، والأصوات العجيبة، حتى يتحقق الاتصال، والذي كانت سرعته 50 كيلو بايت أي 1/5 من سرعة ربع ميجا، وبكده نكون كمان محظوظين. وطبعًا كل هذا كان يحمل على فاتورة التليفون التي كانت تأتي باهظة الثمن، وكان أبي – رحمه الله – قد وصل معي أنه كان سيلغي التليفون بسببي.

هذا الأمر كان في النصف الثاني من التسعينات، وأتذكر أول بريد إلكتروني أنشاته، وأنا في الفرقة الأولى للكلية، كان عام 1998، واعتقد أن كثيرين من أبناء هذا الجيل يتذكرون أرقام الدخول للإنترنت حتى الآن.

حتى جاءت فترة منتصف الألفينات، وانتشرت خدمة الـ ADSL انتشار النار في الهشيم، وكانت السرعات ضعيفة وقتها وبأسعار مرتفعة جدًا، حاليًا أصبح الإنترنت في كل بيت، وبسرعات صاروخية، ونسي الناس هذا التاريخ.

جيل الثمانينات والميديا

طبعًا هذا الجيل عاصر الفيديو كاسيت في أوجه، وعند انتشاره في كل البيوت المصرية، في هذا الوقت كان الفيلم ننتظره شهورًا؛ حتى ينتهي عرضه في السينما، ثم يظهر في سوق الفيديو، وطبعًا لابد أن تكون على علاقة مع صاحب نادي الفيديو «علشان يحجزهولك، وتقدر تشوفه، وغالبًا بيطلعوا في أول أيام لنزوله، وبيكون بأغلى الأسعار، 5 جنيه، والا حاجة، وتأجره يوم بالعافية، وأحيانًا ساعات، إذا كان الإقبال شديدًا على هذا الفيلم».

نفس هذا الجيل شهد تحول الدفة من الفيديو، والذي أصبح عبارة عن قطعة أثرية في أغلب البيوت المصرية الآن، شهد تحول الدفة إلى ميديا الكمبيوتر، والأفلام التي يتم دمجها بكل سرعة، حتى أنك لتراها بمجرد نزولها، وأحيانًا قبل نزولها السينما، وبجودة بدأت رديئة، وبأحجام تعتبر عالية في وقتها، حتى وصلنا الآن إلى جودة عالية جدًا وبأحجام معقولة، والآن وصلنا إلى شاشات البلازما التي تعرض الميديا من Flash Memory .

نفس هذا الجيل شاهد التليفزيون المصري، وهو عبارة عن قناتين فقط: الأولى والثانية، حتى افتتحوا القناة الثالثة في أواخر الثمانينات، وكان يبث برامج في مواعيد أسبوعية وشهرية ثابتة، حتى إننا كنا نحفظها ونرتب مواعيدنا عليها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: نادي السينما، أوسكار، اخترنا لك، العلم والإيمان، جولة الكاميرا، الكاميرا في الملعب، ……. إلخ. مما تحفظه ذاكرة كل أبناء هذا الجيل. كان الإعلام هادفًا إلى أبعد حد، برامج هادفة تربي في النشء كل ما هو طيب، حتى انتقاء الميديا المعروضة كان بحساب، حتى وصلنا إلى عصر الفضائيات.

كانت بداية ظهور عصر الفضائيات المصرية في أوائل الألفينات، وكان عدد القنوات محدودًا وقتها، والآن وصلنا إلى تخمة فضائية، وعدد لا نهائي من القنوات، تتشابه كلها في محتواها، وفي أهدافها، والسؤال الآن هو: مدى إسهامها في زيادة وعي وثقافة مشاهديها، الإجابة متروكة لحضراتكم.

على مستوى الميديا الغنائية .. كانت شرائط الكاسيت وقتها هى جواز السفر بين المطرب والجمهور، وكان المسجل هو آلة التشغيل المعتمدة. كانت شركات الإنتاج الفني وقتها معدودة، وكنا ننتظر كل مطرب حتى يقوم بطرح ألبومه في الأسواق، ويقوم أحدنا بشرائه، ومن ثم تداوله فيما بيننا. وكنا نعاني من فترة لأخرى؛ إذا كان أحد أصدقائنا يمتلك مسجلًا
معطوبًا، وقلل من جودة الشريط، لدرجة أننا كن نوبخه كثيرًا، ولا نعطيه شرائط مرة أخرى. وتطورت أكثر صناعة الكاسيت، فظهر المسجل ذو البابين، والذي يمكنك من تسجيل ونسخ الشريط أكثر من نسخة لك ولأصدقائك،
وتطورت جودة الصوت، ونقاؤه أكثر، وظهرت أجيال من Stereo Cassette أضخم وأكبر، وجودتها أعلى. ثم ظهر جيل المشغلات المتحركة Walkman recorder وكانت صيحة في وقتها .. أذكر صديقي الذي كان يعمل
والده في الخليج، وهو عائد في منتصف التسعينات، وأحضر معه هذا الاختراع، والذي كان صديقي مختالًا فخورًا به كثيرًا، اضحك من قلبك .. ثم تلا ذلك المشغلات الرقمية Digital، ثم ظهر بعد ذلك الأقراص المدمجة CD، ومعها انتقلت صناعة الأغنية إلى آفاق أرحب، وهنا كان الانقلاب الحقيقي في سوق الكاسيت. ومع بزوغ شمس الكمبيوتر في المجتمع المصري  انتقلت معها صناعة الكاسيت؛ لتصبح بكاملها خاضعة له، وهنا بزغ شمس ما يسمى بالـ Mp3، وهنا أصبح بإمكان أي فرد عوضًا عن حمل جهاز كاسيت وشرائط كثيرة ويبدل ويغير، أصبح عوضًا عن ذلك يحمل جهازًا صغيرًا في حجم الإصبع عليه آلاف الأغاني ينتقي منها ويختار كيفما شاء. وعليه تطورت هذه الصناعة؛ فأصبح بإمكانه أيضًا أن يشغل آلاف الفيديوهات ويشاهدها من خلال شاشة صغيرة في جيبه. حتى – طبعًا – بدأ عصر الهواتف الذكية وأصبح بإمكانه أن يصنع كل شيء من خلال هاتفه.

جيل الثمانينات والهاتف

طبعًا أنا من جيل عندما حضر عُمَّال السنترال في أوائل التسعينات؛ ليقوموا بتركيب الهاتف الأرضي في بيتنا، أقمنا أفراحًا وانطلقت الزغاريد، وظل بيتنا محورًا وسنترالًا لكل جيراننا حتى يأتي كل واحد منهم دوره في التركيب.

في أواخر التسعينات ظهر أول جيل من التليفون المحمول، وكان عبارة عن جهاز كبير يشبه كثيرًا اللاسلكي، وطبعًا تكلفة إجراء المهاتفة منه باهظة الثمن. وكان من يحمله في هذه الفترة يطلق عليه: بيك، وأذكر أصدقاء لي معدودين كانوا يحملونه في فترة الكلية، ولا داعي أن أخبركم أنهم كانوا من الأعيان طبعًا. ولا داعي أن أخبركم أن ثمن الخط في هذه الفترة تخطى آلاف الجنيهات في التسعينات، وطبعًا لأننا نحب المظاهر جدًا؛ فقد تسابق الجميع على امتلاك هذا الاختراع وقتها.

تطورت بعد ذلك صناعة المحمول كثيرًا حتى وصلنا لمنتصف الألفينات، وقد امتلك تقريبًا أكثر من ربع الشعب هاتفه النقَّال، حتى أني أتذكر أن زملائي وأساتذتي بالجامعة كانوا يلحون ويتضرعون إلىَّ كي أمتلك واحدًا؛ حتى يسهل عليهم مهاتفتي حقيقة.

الآن – تقريبًا – كل الشعب امتلك المحمول، وعوضًا عن خط واحد، أصبح يمتلك اثنين أو ثلاثة، ونسي الجميع هذا التاريخ.

جيل الثمانينات شاهد حي على هذه النقلة الجبارة التي انتقلت بالفرد من كلاسيكيات الزمن الجميل بأصالته ورقيه ونفسه الهادي، إلى عصر كل شيء فيه يمت للسرعة بصلة، عصر أصبحت حياة الفرد فيه عبارة عن ترس في ميكانيكا الحركة، وإن لم يستطع أن يواكب أو يدرك ويعي تلاحق الأحداث؛ فإنه سيتخلف عن الركب، الركب الذي لا نعرف أين منتهاه.

جيل الثمانينات وحده هو من جمع بين الحسنيين؛ فأدرك الماضي برونقه وعبق سحره، وعاش ونمى وترعرع في الحاضر بصخبه وجنونه وقفزاته السريعة المتلاحقة.

جيل رأى تكنولوجيل العصر تصاغ أمام عينيه وفي مراحل زمنية قليلة عاصرها وعاشها جميعها، وكان شاهدًا على ذلك وهو ما زال في ريعان الصبا ،ثم الشباب وما زال. جيل رأى الكثير والكثير، لذا فهو في قرارة نفسه يشعر بأنه قد
شاخ قبل آوانه. تحية من أعماق قلبي إلى جيلي: جيل الثمانينات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد