ثورة النفس الزكية؛ عندما سالت دماء آل بيت رسول الله في المدينة المنورة؛ إليك أحداث الثورة على العباسيين، وكيف انتهت.

هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ولد بالمدينة سنة 100 هـ، كان كثير الصوم والصلاة، شديد القوة. رجلًا شديد السمرة، ضخمًا في لسانه تمتمة، بين كتفيه خالٌ أسود كالبيضة، كان أفضل أهل بيته ويسمونه المهدي، وكان علماء آل أبي طالب يرون فيه أنه النفس الزكية، وكان يرى رأي الاعتزال، وكان هو وأخوه إبراهيم يلزمان البادية ويحبان الخلوة، ولا يأتيان الخلفاء، ولا الولاة.

رغم اشتعال الأحداث في عهد أبي جعفر المنصور، لكن الأمور ربما بدأت منذ الثورة على الحكم الأموي؛ فالتحالف بين العلويين والعباسيين كان على أساس الدعوة لاختيار إمامٍ مرتضى من آل البيت، يحكم بالعدل والشورى بدلًا من الملك الجبري الاستبدادي الذي أقامه الأمويون، حتى إن بعض الروايات تقول إن في أواخر دولة الأمويين، بايع بعضهم محمد «النفس الزكية» بالخلافة، ومنهم أبو جعفر المنصور نفسه.

لكن مع مرور سنوات الثورة وما تلاها، استبدَّ العباسيون بالأمر، وأقاموا حكومة مماثلة للنظام الأموي الجبري، ونحَّوْا العلويين جانبًا، وانتزعوا منهم طاعتَهم رغبًا ورهبًا، فآلتِ الأمور إلى اندلاع ثوراتٍ للعلويين قمعها العباسيون بلا هوادةٍ، ومنها ثورة محمد «النفس الزكية».

بعد مبايعة بني عباس اختفى محمد، وأخوه إبراهيم مدة خلافة أبي عباس السفاح، واستمر الأمر في عهد أبي جعفر المنصور؛ الذي جدَّ في طلبـِهما، وذلك لنفوذهما في آل البيت، وقوة شخصيتهما، واعتبارهما بيعته بالخلافة غصبًا حتى استقرا في المدينة المنورة، وبعدما بدأت علامات عدم الرضا من الحكم العباسي في الظهور. خرج محمد، وأخوه إبراهيم ليعلنا الثورة، وكان الإمامان أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس من أنصاره.

في عام 145هـ، استبدّ بأهل المدينة المنورة شعور جارف، امتزج فيه الغضب بالخوف، وتنازعت عليه العزيمة والتردد، عندما ذاعت الأنباء بخروج محمد بن عبد الله بن حسن، الملقب بـ«النفس الزكية»، أحد أبرز رموز آل بيت الرسول-صلى الله عليه وسلم-، والذي طلب البيعة لنفسه خليفةً للمسلمين، وشهدت ما لم يحدث منذ عقود.

لأكثر من 80 عامًا، ظلت المدينة المنورة خارج دائرة الأحداث السياسية الكبرى، وذلك منذ وقعة الحرة عام 63هـ، والتي اقتحم فيها جيش يزيد بن معاوية المدينة المنورة؛ فقتل المئات من أهلها، ونكّل بالباقين لثورتهم ضد يزيد، قضت الواقعة على روح التمرد لعدة أجيال في مدينة الرسول-صلى الله عليه وسلم-، وجعلت العاصمة السياسية السابقة للدولة الإسلامية تأخذ دور المتفرج في الصراعات التالية بين دولة الأمويين وخصومها الثائرين، باستثناء المقاومة السلبية للاستبداد من بعض رموز المدينة من كبار التابعين كسعيد بن المسيب، والذين كانوا يرفضون عطايا الخلفاء، ويعترضون على مظالمهم بغير رفع السلاح.

الآن عادت الأمور للاشتعال بالمدينة المنورة بعد عقود من الاستقرار الصادق والكاذب؛ فقد أظهر محمد «النفس الزكية»، والمئات من أتباعه العصيان، وتزامن مع ذلك خروج أخيه إبراهيم مع أتباعه بالبصرة جنوب العراق، على مقربة من معقل حكم أبي جعفر المنصور.

اعتقلت السلطات العباسية -بأمر أبي جعفر المنصور- عددًا كبيرًا من أهل محمد «النفس الزكية»، وفي المقدمة والده؛ والذي رفض أن يدل أبا جعفر على مكان محمد وأخيه، وقال له في تحدٍّ: «والله لو كانا تحتَ قدميَّ، ما دلَلْتُكَ عليهما». تعرض آل محمد للكثير من الأهوال في سجن أبي جعفر، حتى إنه جاء أمه خفية، وطلب منها الذهاب لزيارة المسجونين، وإبلاغهم أنه يفكر في عمل تسوية سياسية مع المنصور ليخرجهم من السجن؛ لكنهم رفضوا جميعًا حفاظًا على الكرامة، وشجعوه على الصبر.

وزيادةً في التنكيل، وخوفًا من نُذر الثورة، أمر أبي جعفر عام 144هـ بنقل المعتقلين جميعًا من سجن المدينة، إلى سجنٍ بعيدٍ بالعراق؛ فكانت تلك الشرارة الأخيرة التي دفعت الأخويْن لإعلان الثورة، انتهت ثورة الأخوين كمعظم الثورات؛ التي تتسلح بالبسالة أكثر من الحيلة والعدة المادية والعسكرية. كانت قلوب كثيرٍ من الناس معهما، لكن ما بين ذهب السلطان وسيفه، لم يجتمع معهما سوى القليل.

تسلح محمد «النفس الزكية» ومن معه بإيمانهم وحماسهم، وتقول الروايات إن الإمام مالك كان من مؤيديه، فأفتى بعتق المسلمين من بيعتهم لأبي جعفر المنصور بقوله: «إنما بايعتُم مُكرَهين، وليس على مُكرَهٍ يمين»، وهي الفتوى التي كانت سببًا في جلده، وهو الإمام الذي كان يستشهد به، ويهتم الجميع برأيه.

الإمام مالك وثورة النفس الزكية

كانت علاقة الإمام مالك، وكثير من علماء عصره، بالسلطة العباسية قائمة على مبدأ التعامل للضرورة، وتجنب الصدام الذي تسيل فيه الدماء دون جدوى، من باب أن ضرر الاستبداد المستقر، أقل من ضرر الفتنة والفوضى غير المستقرة؛ خصوصًا وأن تاريخ الثورات ضد الاستبداد منذ العصر الأموي كان تاريخًا دمويًا، قُدمت فيه كثير من التضحيات دون نتيجة، وتكرس الحكم القائم أكثر فأكثر، لا سيما أن أغلب هذه التحركات كانت عفوية، ومثالية، تفتقد للمكر السياسي والحربي، والتخطيط المحكم، الذي كانت تمتاز به تحركات الأنظمة.

رغم هذا الموقف الذي يبدو «حياديًّا» من الإمام مالك، إلا أن التاريخ لم ينقل عنه أنه كان صوتًا للسلطان ضد أي تحركات ثورية، حتى لو لم يكن هو شخصيًا مشاركًا فيها، أو مقتنعًا بجدواها؛ بل على العكس؛ فقد نُسِب إليه في أقل التقديرات أن موقفه كان تأييدًا غيرَ مباشر لثورة محمد «النفس الزكية»، لكن السلطان لم يحتمل حتى مجرد الصمت من عالمٍ كبيرٍ مثله، له وزنه، وتأثيره الضخم، في منطقته، وفي كافة أرجاء الدولة.

فإن الثورة عندما اندلعت في المدينة، اعتزل الإمام مالك في منزله، لموقفه المذكور سابقًا في عدم جدوى رفع السلاح، لكن جاءت اللحظة الفاصلة؛ عندما استفتاه بعض أهل المدينة الراغبين في الخروج لتأييد محمد «النفس الزكية» في البيعة التي في أعناقهم لأبي جعفر المنصور، لم يتردد الإمام مالك أن يجهر بكلمته، فقال لهم: «إنما بايعتُم مُكرَهين، وليس على مُكرَهٍ يمين».

انتشرت الفتوى في المدينة المنورة كالنار في الهشيم، وأزالت تردد الكثيرين في الانضمام إلى ثورة النفس الزكية، فلما قمعت جيوش ابن عم الخليفة عيسى بن موسى الثورة، تتبع المنتصرون فلول الثائرين، وكل من أظهر تأييدًا للثورة، فنال الإمام مالك ما ناله بسبب تلك الفتوى.

خرج محمد «النفس الزكية» ومن معه فقاتلوا قتالًا شديدًا، حاصرت جموعهم القليلة جحافل أبي جعفر، وانتهى الحال به في عداد الشهداء، مع معظم الفئة القليلة التي خرجت معه، حتى قتل عند موضع قرب المدينة على يد جيش أبي جعفر المنصور، واجتزوا رأسه، وفصلت رأس «النفس الزكية» عن جسده، وكان مقتله يوم الإثنين بعد العصر، في 14 من رمضان سنة 145هـ، وقتل وعمره خمس وأربعون سنة، وأمر بأن تلف الرأس في شوارع الكوفة معلنةً نهاية الثورة، ويدشن أبو جعفر المنصور عهد الدولة العباسية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد