رؤية فلسفية للإيمان

الرّبط بين الإيمان الشّعور، التّأكيد على أنّ الإيمان هو بمثابة ردّة فعل شعورية من الذّات الواعية (الإنسان) نحو الموضوع المدرك (الوجود)، لا يعني مطلقًا أنّ الكون أو الطّبيعة هي مصدر الدّين الإيمان، إنّما المعنى المقصود هو أنّ الوجود هو الطّريق إلى الواجد، الأساس الذي يجعل الإنسان يتقبّل فكرة وجود ذات واعية قد أوجدت هذا العَالَم، بل أنّ طبيعة وتركيب الكون نفسه تجعل الفرد يبحث عن الواجد، ويناجيه، ويشكره على ما وهبه من نعم.

رحلة خيالية

لنفترض أنّ الوقت تجمّد في لحظة ما، وعاد الزّمان كالمكان، نستطيع السّير والتّحرك بين أركانه من الماضي إلى المستقبل، ومن الحاضر إلى ما مضى من أحداث ووقائع، كانت لنا حينها مركبة متطوّرة نسافر بها إلى الماضي الغابر، حين لم تكن هناك لا حضارة، لا عمارة غير مجموعة من النّاس يصارعون البقاء على هذه الأرض، وكانت الطّبيعة آنذاك هي المحاور والمتحدِّث الأساسي مع ذلك الإنسان.

من المؤكّد أنّ الإنسان الواعي في تلك الفترة كان يتساءل بينه بين نفسه، ما هذا الكون؟ ومن أنا؟ وماذا أفعل هنا؟

ولم تكن هناك لا كتب يقرؤها، لا علماء لا مشايخ يرمون عقول النّاس آنذاك ببعض الإجابات، لتطفئ نار السّؤال عندهم… تخيّل نفسك هناك، وليس لك غير ذاتك، والطّبيعة من حولك، فمن أوجد هذا العالم، ومن أوجدني؟
وفي ذلك الزّمان كان للإنسان وقت كبير يتأمل فيه الطّبيعة من جبالها إلى سمائها، وشمسها، ونجومها، ومن المؤكّد أنّه لاحظ أن الشّمس تشرق، وتظلُّ في السّماء لفترة معيّنة ثمّ تغيب، لتعود بعد فترة تقارب تلك التي مرّت، وأن هذا هو قانونها، وعادتها التي لم تتغيّر منذ أن وعى الإنسان بها.

وسيلاحظ أنّ القمر يتناقص حجمه من إحدى طرفيه حتى يكون هلالًا ثم يعود ليزداد حجمه حتّى يرجع كما كان، ثم يعيد الكرّة مرّة أخرى، وهكذا طول العمر.

كما كان يرى الشّجر ينمو، تتضاعف خضرة أوراقه، تتمدّد أطراف أغصانه، فيثمر بعدها ثمارًا يتغذى عليها الإنسان، ويتلذّذ بطعمها، ويستمتع بجمالها.

واللّيل، النّهار يتداولان على الأرض بسلاسة، فلا يكاد يظهر أحدهما حتى يبدأ الآخر في الانسحاب ليعود بعد مدّة مُرَحَّبًا به.

بربِّكم هل كان الإنسان القديم غبيًا شديد الغباء، ولم يلاحظ ما نلاحظه نحن الآن! الفرق أنّنا نحن الآن نمتلك إجابات، بل فائضًا من الإجابات، أمّا الإنسان القديم فليس له غير الافتراض.

أكيد أنّ هناك نظامًا يحكم هذا الكون والحياة، وبدقّة، ورتابة دائمة، وأنّ هذا النظام يريحني جدًّا، ويساعدني كثيرًا، كأنّه خُلق خصِّيصًا من أجلي… هكذا حتما ستكون افتراضات الإنسان القديم.

فلو لم يكن هناك نظام، ولا رتابة في مظاهر الطّبيعة التي يشاهدها الإنسان، وكان كلّ شيء صدفةً، وعبثًا، شمس تظهر مدّة، ثمّ تختفي، ثمّ تظهر شمسان في السّماء، أو أنّ اللّيل يطول، ولا يأتي نهاره، أو أنّه يأتي، ثمّ يغادر بسرعة، أو ينقطع ضياء النّهار فجأة، فلو كان كلّ شيء عبثي، ما افترض الإنسان القديم وجود معنى ما، وراء هذا الوجود المدرك.

لكن الافتراضات تبقى مجرد افتراضات غير مُرَجَّحة حتّى يظهر أناسٌ اختارهم القدر ليكون رسلًا، وأنبياء يشفون غليل ذلك الإنسان، ويؤكدون له ما كان يفترضه من قبل.

لابدّ وأن تكون هناك قابلية للإيمان حتّى يؤمن الإنسان، فلا يُفْرَض عليه، ولا يُجْبَر على الاعتقاد به، وإنّما يكفي أن نُلفت انتباهه نحو نفسه، وتُجاه الكون من حوله، لتتحقق عنده القابلية التي ستدفعه هو ليبحث عن الإيمان، وعن المعنى.

ملاحظة ضرورية

آيات القرآن الكريم تلفت انتباه القارئ لفكرة الدّور الموجودة في الكون، فكرة خروج الأضداد من بعضها، فكرة عدم عبثية الخلق.

فكرة الدّور هي أن لكل شيء في الوجود دورة مكرّرة، الماء الذي في الأرض يتبخّر ليصعد إلى السّماء، ثمّ يعود ماءً للأرض مرة أخرى، البذرة تنمو، تخضَرُّ، ثم تعود هشيما، ثم تموت تاركة وراءها بذرة أخرى تعيد مسيرة الأولى مرّة أخرى…و فكرة الدّور هذه تجعل الإنسان لا يرفض عقلًا فكرة أن يموت الشّخص، ثمّ يعود للحياة مرّة أخرى لأنّ التجربة موجودة، مكرّرة يشاهدها يوميا أمامه.

فكرة خروج الأضداد من بعضها كخروج الحيِّ من الميِّت، الميّت من الحيِّ، دخول اللّيل في النّهار، أو العكس… كلّها ملاحظات يتساوى في مشاهدتها كلّ البشر، توحي بفكرة العود الجزاء.

فكرة أن لا عبث في الكون، في الطبيعة تجعل الإنسان يدرك أن ما وراءها يجب أن يكون حكيمًا، رحيمًا، عادلًا، إلاّ لكان الكون كونًا آخر مليئًا بالعبث اللا نظامي غير هذا الذي نعيش فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد