أصبح كل منا يعيش في عالم آخر، هاربًا إليه من واقعه، نتحدث مع كل من هو متاح على هذا العالم، فيحل الغريب الذي يَبعُد عنك أميالًا وبلادًا، محل القريب الجالس بجوارك. هذا العالم هو صفحات التواصل الاجتماعي، تلك الأكذوبة التي عشق تصديقها الكثيرون، كاللعنة تحل عليهم، تبرمج هذا العقل البشري على تصفح جهاز ما في يده حتى يصبح له كالقَرين، فالرقبة مُنحَنِية واليد مسخرة لحمله وكأنه طفل رضيع.

ذهبت الأولويات وأصبح الجميع داخل المتاهة، يصعب على داخلها الخروج منها ولو لدقائق معدودة، في نوع آخر من الإدمان لا يقل ضررًا عن غيره من الأنواع الممنوعة، مصرح به في عقولنا فقط ونشجعه تشجيعًا مطلقًا، وبالرغم من أن الغرب هو من صدر لنا هذه التكنولوجيا إلا أننا نراهم لا يتركون الكتاب وهو خير رفيق لهم، فنجحوا بذلك في ترتيب أولوياتهم وأخذوا منها ما ينفع تاركين ما يضر ولا يشفع.

وبهذا أصبحنا مسخرين لجماد ونأبى التعافي منه، نحن من صنعناه فأصبحنا أسرى له، متغافلين عن عيوبه القاتلة وأضراره التي لا تعد ولا تحصى نتيجة سوء استخدامه والتعامل معه دون تدبر.

على سبيل المثال على تحول الأمر تدريجيًا إلى التعود، فإنه من المؤلم أن تعتمد فكرة إعلان تجاري لإحدى شركات الاتصالات على تجاهل ابن لكلام أبيه لانشغاله بباقة الإنترنت الجديدة التي تجعله لا يرى لا يسمع لا يتكلم، بل الأكثر إيلامًا أن هذا الإعلان لا يمكننا انتقاده لأنه ببساطة يمثل مشهدا متكررا وواقعا نعيشه، فالالتصاق بالجوال تحول إلى مشهد اعتاده الجميع في السراء والضراء ويصعب علينا فراقه ووضعه حتى مؤقتًا في حقيبة.

الخطر يقترب

هذا الخطر يحيط بأبنائنا من كل اتجاه، في البداية كانت فئة معينة ينطبق عليها هذا المشهد، الآن أصبحت ظاهرة عامة تبدأ من سن الثالثة، فالرفاهية تتمثل لهم في هذا الجهاز، جيل مستنسخ من السابق له ولكن النسخة الأكثر سوءًا.

اين ذهبت الطفولة البريئة المليئة بالحركة والنشاط، المرح والبهجة؟ كيف تحول هذا الجيل إلى العيش دون أجمل المعنويات وأرقى مشاعر السعادة غير المتكلفة، فقد حُرِم من تجمع العائلة أسبوعيًا على الأقل، هذا مجلس الذي كان يزخر بالراحة النفسية وروح العائلة الممتعة، وتلك الأحاديث والنقاشات التي لا تنتهي، ولو كان هناك أي أحداث مؤلمة، فإن دفء الأسرة كان كفيلًا بعلاج الجروح. تلك البيوت التي كانت مفتوحة الأبواب على الدوام مع الجيران تتشارك الفرح والحزن واليوميات.

شيء محزن أن يحل محل كل ما سبق مجرد كلمات منقولة تستغرق ثوانٍ في كتابتها وتسمى مشاركة! بل المشاركة بريئة من هذا الجمود والتبلد الحسي وفقر المشاعر. فأين ذهبت لغة العيون الصادقة، التي كانت كفيلة بنقل الكثير، افتقدنا دفء الأحضان واللمسات النابعة من قلوبنا.

إن تحدثنا عن خطف الأطفال نجد أن انشغال الآباء بهواتفهم سبب شائع ويتسبب في خلق مناخ مناسب لوقوع جريمة اختطاف كاملة الأركان. وقد أصابتني الدهشة عندما شاهدت مقطع فيديو على يوتيوب لحلقة من برنامج لتحفيز ورفع وعي الأهالي تجاه أبنائهم، كان هدف تلك الحلقة توعية الأب عندما كان مع طفله في حديقة يلعب والأب حاملًا جواله تاركًا طفله دون رقابة على الإطلاق حتى جاء شخص وذهب الطفل معه بكل سهولة، تفاجأ الأب بالاختفاء.

فهل أصبح أبناؤنا مجالًا للتفاوض على أهميتهم ومكانتهم! هل التكنولوچيا تسببت في يتم أبنائنا ونحن على قيد الحياة؟ نحن بهذا أصبحنا كالجهاز الذي نحمله، فالبرامج هدفها التوعية العامة لكن جاء اليوم ليكون لها دور في توعية الآباء! وجب علينا وقفة مع النفس ومحاسبة المقصر على إهماله المبرح في أهم مهمة كلف بها بحكم كونه قد أنجب.

وبالطبع لإدمان الإنترنت دور في حوادث السيارات وحافلات المدارس، فإنه يؤدي إلى قلة نسبة السائق على التركيز وتشتيت انتباهه، والأمر لم يعد مقتصرًا على إجراء مكالمة عابرة أو مهمة، بل توسع الأمر إلى تبادل الرسائل على التطبيقات المختلفة. فنحن دائما متميزون في الرجوع للخلف، شيء مُخزٍ، ما مقابل أن تضحي بروحك في سبيل محادثة الآخر وتتسبب في إيذاء غيرك من أرواح أبرياء جراء حادثك لتسجل إعجابا على إحدى الصفحات، بدأت أشكك في القدرات العقلية لهؤلاء الأشخاص الذين يلقون بحتفهم  وحتف غيرهم مقابل رسالة!

فهل أصبحنا نبتسم في الشاشة أكثر من تبسمنا في أوجه أبنائنا، نهتم بأحاديث غير  المكتوبة على الشاشة بينما لغة الحوار مع أبنائنا لا تذكر؟

وبهذا أصبحت أولوياتنا كالتالي، باقة الإنترنت في الصدارة، يليها أي شيء بلا ترتيب.. فنحن على أتم استعداد أن نقوم بشحن الباقة حتى لو لم يوجد رصيد يكفي لإجراء مكالمة واحدة. حتى عندما نخلد للنوم نترك الجوال مفتوحًا، فوضع الصامت لا مكان له في حياتنا، إن قمنا بوضعه في الشاحن نظل ملتصقين لازمين لهذا المكان حتى لو كان ذلك وقوفًا في وضع غير مريح ولكننا مغيبون لا نشعر، فإطلالة الجميع على هذه الصفحات سمة ضرورية تُنسيهم كل شيء.

غربة الآباء والجدود

إذا تحدثنا عن الآباء والجدود، فإنه ينتابهم الآن شعور غاية في الألم بسبب بُعد أبنائهم عنهم بالرغم من تواجدهم في نفس المكان لا يفصلهم إلا خطوات بينما داخلهم إحساس الغربة والفراق، الذي يتسبب لهم في معاناه قاسية، فهم قد تحولوا إلى جسد بلا روح.

يقومون مرارًا وتكرارًا بمحاولات لخلق حوار أو مناقشة ولكن دون جدوى، فهم لا يسمعون. وبهذا أصبح احتياج الآباء لأبنائهم كاحتياج المتسول للحسنة أو للكلمة الطيبة أو مساعدة الغريب له، فهم يقومون بدور النزلاء في الفنادق مستمتعين بالخدمة والإقامة المجانية دون أن يقوموا بأدنى مجهود لإدخال السرور على قلوب مقدمي هذه الخدمات، بالرغم من أن الأب والأم لا توجد كلمات توفيهم حق قدرهم، ومكانتهم مصانة في الدنيا والآخرة ومذكورة في جميع الأديان.

خسارة للوقت وللعلاقات

عندما ينتهي يومك إن سألت نفسك عما أنجزته خلاله، فسوف تعجز عن الإجابة ولن تجد سببًا مقنعًا يشفع لهذه الغفلة التي أصبحت بلا انقطاع، وغير المغتفرة.

فقد أصبحنا نتفنن في كيفية ضياع وقتنا، فهو الأرخص ثمنًا الآن، ننشغل عن ممارسة بدائل مفيده كالرياضة أو قراءة كتاب أو صفحة من جريدة، أو أي هواية تضيف لنا دون أن تأخذ منا أي مقابل.

وصل بنا الحال لخسارة بعضنا البعض لأتفه الأمور كاختلاف في الرأي أو لنتيجة مباراة كرة قدم، فنحن شعب متعصب والروح الرياضية لا تمت لنا بصلة، يَسُب كل فريق الآخر على الملأ وكأن الشتائم النابية والألفاظ البذيئة فخر للمتلفظ بها حتى أصبحت تعد تعبيرا عن الرأي ووسيلة اعتراض مقبولة بين أكثرنا حاليًا. والسبب في انتشارها وتحولها إلى القبول في المجتمع هو أنها لا تتطلب غير لمس الشاشة بدون أدنى مجهود وفي أي مكان، ودون أن يلومك أحد، فالجوال أيضا يصحبك أثناء دخولك الحمام!

فمن عيوب التكنولوچيا وأضرارها أن يأتي إدمانها على حساب الواجبات الحياتية، فأصبحت طريقًا سهلًا ومفتوحًا للإباحيات، وتحولت إلى انتهاك لحرمة الأفراد بطرق مشينة غير مشروعة واستغلال هذه الخصوصية والمساومة عليها أحيانًا بمقابل مادي، فيمكن إنشاء صفحات وهمية بأسماء مستعارة واستغلال الآخرين، غياب الرقابة وانعدام إحساس المستخدمين بالمسؤولية، ظهور لغة نكرة هي مزيج من العربية الركيكة والإنجليزية، وهي تضعف اللغة الأم والإنجليزية أيضًا. فهي لغة معدومة القيمة مجهولة الهوية أصبحت لغة التحاور الرسمية، بالإضافة إلى أنه يؤثر سلبًا على تركيز الأطفال ونسب ذكائهم ويقتل لديهم حس الطفولة ومتعتها.

شائعات تتحول إلى واقع

ولكن في الحقيقة فإن شعوبنا مبدعة في انتقاد الآخر حتى اتخذته هواية. فهو إن استمع لطرف آخر استمع فقط لمهاجمته ونقد قوله وليس بهدف المناقشة الهادفة فهي جارٍ البحث عنها، وما تفعله هذه الصفحات تسلب حتى فرصة التفكير فيما نقرأ وننشر على لسان الغير.

هذه الصفحات المضللة أصبحت تسع ملايين الشائعات والأخبار غير المؤكدة وأتاحت الفرصة للجميع لنشر الطاقة السلبية والأفكار الهدامة والتي يصدقها الكثيرون، فلعب دور الضحية له معجبوه، حتى ترسخ في عقول أجيالنا الصاعدة أن كل ما هو منشور على صفحات مواقع التواصل الاجتماعية هو بالضرورة حقيقي وله أهمية بالغة على عكس الواقع فإن قرأ الشخص خبرا غير مؤكد يقوم بنقله تبعًا لفهمه الشخصي للخبر حتى يصبح أكذوبة صحيحة. كما أصبح تداول الأخبار التي يتم نشرها على شاشته أهم من التفاعل مع الحدث الذي يحدث بالفعل أمام ناظريه، فإن رأى حادث تصادم أو جريمة ما تقع في محيطه، أول ما يخطر بباله هو تصوير ونشر الخبر بالرغم أن مساعدته وتدخله لإنقاذ ما يمكن إنقاذه هي قطعًا أهم في هذه اللحظة.

إيجابيات لا يمكن إغفالها

وبالرغم من كل ما سبق فلا يمكن إنكار أوجه عديدة إيجابية، فعلى سبيل المثال تنمية وتطوير الذات على المستوى العلمي والعملي فما كان بعيد المنال أصبح قريبا، التعبير عن الذات وتبادل الآراء وإجراء مناقشات بهدف التعلم وتبادل الخبرات، وسيله للبحث عن الوظائف، تقوية اللغة وتعلم لغة جديدة، معرفة أخبار العالم لحظة بلحظة، التواصل في الغربة أصبح سهلا وبدون تكلفة، الدعاية بأنواعها أصبحت متاحة وبذلك تساعد أصحابها على التوسع والنجاح، مشاهدة المحاضرات والدورات التدريبية على الهواء مباشرة أو مسجلة، تعليم إلكتروني بأساليب مبتكرة للفت نظر الشباب وجذبهم، سهوله الاستخدام، التعرف على ثقافات الشعوب وغيرها من المميزات لعلنا نكون أحد مستخدميها يومًا ما.

إنه عالم افتراضي مفتوح على مصراعيه من يتسم بالمبادئ يدرك جيدًا ولا يحيد عن طريقه وهدفه من دخول هذا العالم وبالطبع النشأة السوية لها يد في ذلك

هذا التطور الحضاري لابد أن نقف معه موقفا إيجابيا ونتمعن فيه لنرى المميزات والسلبيات وندرك جيدًا كيف نتعامل معهم، علينا أن نعيش على أرض الواقع تاركين المجتمعات الافتراضية لنعطي أنفسنا فرصة لحكم عادل حيادي ونقرر أيهما أولى التواصل الاجتماعي أم التواصل الإنساني والمشاركة الحية وجها لوجه فهي أكثر تعبيرا وصدقا وتمد الآخر بصدق إحساسك تجاهه.

هذه الصفحات تشبه المنابر فعلى من يعتليها أن يتسم بالمصداقية والصدق والمنشور فيها يتحلى بالقدسية والاحترام فالاختلاف يجب أن يظهر أحسن ما فينا وليس أسوأ السيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد