في مراحل الإفلاس والانهزام تكثر المبادرات التى تخرج إلى العلن بغية القفز على واقع أليم والخروج من نفق مظلم. وأكثر هذه المبادرات والأفكار تدور في دوائر مفرغة وإن أخذناها على محمل الجد كانت سببًا في المزيد من التنازلات والانسلاخ من الذات بحجة مسايرة المتغيرات العالمية حتى لا يصبح المسلمون هدفًا في كل مكان!

فهذه المبادرات التي تظهر كل فترة ويتبناها شخوص أو كيانات مختلفة تكاد تكون نسخًا متطابقة من مشروع غربي يستهدف الشعوب العربية في تلك المرحلة الهامة من تاريخها، والتي تشهد تحولات ضخمة وجوهرية يراد لها أن تكون علمانية.

وآخر هذه المبادرات والتي توصف بأنها مبادرة «لتجديد التيار الإسلامي وتطوير أدائه واستعادة فاعليته المجتمعية» لا تأتي في مضمونها بأي جديد بل هي صدى لتلك الأفكار والآراء التي تتردد على ألسنة نخب المعارضة في الخارج، والتي أكد الواقع الذي نعيشه بعد ثورات الربيع العربي تهافتها ومخالفتها للمنطق والفطرة السليمة. فلا القاعدة العريضة من أبناء التيار الإسلامي يقبلون بمثل هذه المبادرات، ولا الأطراف العلمانية تتقبلها مهما تضمنت من تطمينات أو تنازلات ولعلهم يزدادون بعدًا وتشبثًا بمواقفهم كلما شاهدوا شركاء الميدان بهذا الضعف.

فهذه المبادرة وإن كانت تنجح في توصيف الواقع إلى حد كبير فإنها تفشل في إيجاد الحلول الصحيحة لمعالجة هذا الواقع. فالحلول المطروحة في معظمها هي مجرد رصد لبرامج جماعات وأحزاب إسلامية مارست العمل السياسي بشكل علني ورسمي بعد الثورة ووصلت للحكم بناء على ثقة الجماهير التي عايشت مظلومية هذا التيار وإحباطاته ونجاحاته واقتنعت برسالته… فالحرص على نفي أي صلة بين الإسلام والطائفية والعمل على إصلاح المجتمعات من خلال ممارسة العمل السلمي المدني الجماهيري، وتمكين المرأة والشباب وغيرها من النقاط كلها كانت في صلب أي صياغة لبرامج العمل السياسي قبل الثورة وبعدها وكانت من أسباب نجاحات التيار الإسلامي؛ ولكن يبقى العامل الرئيسي في ذلك النجاح والذي ميزه عن غيره من التيارات هو مشروعه الإسلامي الذي يتبرأ منه البعض الآن.

وقد ظل المشروع الإسلامي حلمًا بالنسبة للشعوب وأمنية مؤجلة في انتظار التحقيق. ورغم حصره في بعض الأنشطة الدعوية والشعارات الحزبية لكن أحدًا لم يكن يجرؤ على التبرؤ منه تحت أى ظرف كما يحدث الآن. فالأمر الخطير الذي تختلف فيه المبادرة ولعله ما يهدد وجود أصحابها لو كانوا يعلمون؛ هو فك أي ارتباط بين مشروعهم السياسي والإسلام وذلك من خلال ما يسمونه الفصل الحاسم بين الديني والسياسي وتحييد الأطر الأيديولوجية في بناء التحالفات الوطنية، وأن يكون ذلك هو الاستراتيجية الجديدة التي يعتمدونها من أجل النجاة والاستمرار وتحقيق التغيير! وهذه الأفكار التي يُروَج لها في الخارج ترى في النموذج التونسى -الذي يراه المنصفون امتدادًا للنظام القديم- نموذجًا يحتذى لما بعد الثورات بأن تمارس السياسة بعيدًا عن الإسلام حيث الجميع من حقه أن يتباهى بعلمانيته. فتبقى كل المشاريع متماهية مع أصحابها باستثناء هذه الفئة المبتورة التب لا أجد لها اسمًا أو توصيفًا.

وفي هذا الصدد يجب التأكيد على بعض النقاط وهي:

1- الإسلام عقيدة وشريعة كل متكامل لا يمكن فصله أو تجزئته كما لا يمكن فصل الديني عن السياسي فقد علمنا الرسول الكريم أن المسجد دار الحكم والعبادة. وذلك الذي يتنصل من الشريعة ويتجاهل جوهر الإسلام إنسان مختل العقيدة ولا يكون بالتأكيد من يعبر عن المسلمين ويدافع عن مصالح الإسلام أويقنع المعارضين بأن المشروع الإسلامي كما أنزله رب العالمين هو مشروع إنساني عالمي صالح لكل زمان ومكان ويحمل الخير والرحمة للجميع.

2- ظل النظام العالمي يتبنى الليبرالية ويروج للعلمانية كعقيدة يريد أن يفرضها جبرًا على العالم الذي يهيمن عليه. وقد عانت الشعوب وذاقت الأمرّين على يد ذلك النظام الرأسمالي المتعجرف الذي أصبح عدوًا لكل من يناضل من أجل التحرر من تلك الهيمنة، ولكن بقي الإسلام هو العدو الأكبر والأخطر الذي يهدد عرش ذلك النظام لما يمتلكه من مشروع تحرري متكامل يغطي كافة مناحي الحياة ويعالج كل نقاط الإخفاق في المشاريع الأخرى.

3- في السنوات العشر الأخيرة تعرض النظام العالمي لهزات كبرى ضربت في مقتل كل الأطروحات والمشاريع التي ظل يحرسها لسنوات وسنوات؛ وذلك بنمو تيار اليمين الشعبوي في الغرب بوتيرة متسارعة جدا حتى بات يتحكم اليوم في معظم أوروبا وأمريكا ونجح في العبور بممثليه إلى سدة الحكم. ولعل ذلك قد جاء نتيجة طبيعية للسياسات العلمانية المتشددة التي يمارسها الغرب والتي كشفت عن وجهها القبيح خاصة بعد تزايد أعداد المهاجرين العرب إلى أوروبا وتعنت الحكومات معهم وتصديها للمظاهر والعادات الإسلامية باعتبار أن ذلك يشكل خطرًا داهمًا على حضارتهم!

4- مستبقًا قمة العشرين الأخيرة باليابان عبر الرئيس الروسى فلاديمير بوتين بدقة عن التحولات التي يتعرض لها الغرب وذلك في حواره لفاينانشيال تايمز قائلا: «ليبراليتكم سوف تختفي» وأوضح أن أفكارًا مثل التعددية الثقافية قد تجاوزها الزمن ولم يعد ممكنًا دعمها، وهو بذلك يعبر عن بعض ما يؤمن به اليمين الشعبوي الذي يناهض العولمة ويعادي المهاجرين ويرفع شعارات دينية وقومية غطت أوروبا بالكامل. ومع ذلك ما زال الغرب يتمسك بأطروحاته المتهالكة بتصدير الدساتير العلمانية كحل في الدول العربية التي تخوض ثورات ضد الطواغيت وإلا فإنه سوف يظل راعيًا لعمليات الإبادة الجماعية في مجتمعاتنا بمساندة العلمانيين العرب القدامى والجدد الذين يريدون لنا أن نحيا في ظل الغرب؛ في وقت يزداد فيه الناس حول العالم التفافًا وتمسكًا بقيمهم القومية والثقافية والدينية بشكل وصل إلى حد التطرف.

5- الحرب الواسعة على الإسلام قديمًا وحديثًا والتي تستهدف الإسلام نفسه لا تبحث عن مبررات قبل قتل المسلمين فجميعهم «همج» أو «إرهابيون» حتى لو كان بعضهم لا يعرف من الإسلام إلا القليل، فيكفيه فقط أن يكون متشبثًا بالإسلام أو مدافعًا عنه حتى يكون هدفًا مشروعًا. وهذا هو واقع الحال في ميانمار (بورما) والصين وأفريقيا الوسطى ناهيك عما يحدث في المنطقة العربية. وهذا لا يتطلب أبدًا المزيد من الهروب من الذات والتخفي في ثياب لا تليق بنا تجعلنا أقرب للمسوخ أو المهرجين؛ فمواجهة هذه الحرب والتحولات من حولنا إنما يتطلب منا الوضوح والثبات على المبدأ ووضوح الهدف.

6- أخيرًا يجب التأكيد على أن مراجعة الأخطاء التي تعرقل النجاح وتعوق المسير هو أمر واجب وحتمي ولكن ينبغي أن يتم في إطار الثوابت دون أي تنازلات تخص هويتنا العربية الإسلامية، وذلك لا يعد «نظرة رومانسية حالمة» أو «تجاهلا» لشروط وقوانين الحركة على الأرض؛ بل إن من يتحايلون للتهرب من المشروع الإسلامي في ظل التغيرات التي يشهدها العالم اليوم هم المغيبون الذين يسيرون عكس حركة التاريخ ويعجزون عن الاعتبار بماضيهم كما يعجزون عن فهم الحاضر ومسايرة الواقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد