الحمد لله وحده؛ لقد شهدت هذه القرون المتأخرة في أوساط الفكر العالمي قوما استساغوا التشكيك في كل شيء، حتى أصبح أناس منهم يشك الواحد فيهم  في حقيقة وجوده نفسه، ومنهم من يرى أن الواقع كله ليس إلا وهما في عقله وأن كل من حوله من البشر إنما هم صور وأوهام في رأسه، فمن كان هذا حاله فليس المقال له لأنه لا عقل له أصلا!، لأنه لا يريد التسليم بالأصول العقلية الأولية التي لا يصح للبرهان قيام في العقل دون التسليم بها!

أولا وقبل كل شيء، إن العلم الطبيعي (بمجرد وصفه بأن موضوعه دراسة الطبيعة ومعرفة قانونيتها) يحتوي على شقين لا ثالث لهما: شق تجريبي وشق عقلي فلسفي، فأما الشق الأول فمادته المحسوسات والمشاهدات في الطبيعة التي أمامنا، وأما الشق الثاني فموضوعه تأويل تلك المشاهدات فلسفيا وبناء الفرضيات الميتافيزيقية التي يتوجه بها الباحثون إلى  المعامل لاختبار صحتها، لذلك فقد نتفق في صحة المشاهدات ونختلف في تأويل تلك المشاهدات فلسفيا وعقليا، وليس كل ما يطلق عليه العلماء علمًا طبيعيا هو علم طبيعي بالأساس، فما أكثر الدعاوى التي لا تتفق مع الواقع!، فما بالكم بنظرية أساسها العقلي الفلسفي باطل لمناقضته بديهيات العقل الأولى واللغة الطبيعية نفسها ولا توجد لها مشاهدات أصلا؟

ندخل الآن في صلب المقال واعذروني على طوله، فإن نظرية داروين تقوم على ما يمكن تسميته بمبدأ الفوضى المنظمة Uniform Chaos، بمعنى سلسلة من حوادث العشواء المؤطرة بنظام عام مطرد، والسبب في قيام النظرية على ذلك المبدأ أن صاحبها (داروين) كان حريصا على اختراع “آلية” مطردة يفسر بها نشأة الأنواع كلها، من غير أن يكون من وراء تلك الآلية أي عامل سببي ميتافيزيقي من أي نوع. فلم يجد الرجل أمامه إلا أن يدعي الفوضى والعشواء و”الصدفة” أصلا أصيلا في تلك “النشأة”، يلبسها لبوس النظام المطرد المستقر في العالم(1)، بمعنى أنه أراد إيجاد آلية عشوائية (أي لا تحتاج إلى  قوة خارجية لتوجيهها وحكمها وضبطها) لنشوء تلك الكائنات على سطح الأرض، بدءا من أصل الخلية الواحدة! ولك أيها العاقل الفطن أن تتأمل في الوصف الآنف للآلية بأنها عشوائية، وجعل العشواء آلية، وتنعم النظر في هذا الوصف: ففيه أصل الفساد في نظرية داروين لو تأملته!! فأين عقولهم هؤلاء إذ يصفون العشواء التي لا حاكم لها، بأنها آلية محكومة تنضبط بقوانين الطبيعة عبر بلايين السنين، وكيف يغفلون عن ذاك التناقض العجيب؟؟

هذا الأصل الكلي الذي تقوم عليه النظرية، لا يمكن لعاقل أن يقبلها من غير أن يقبله معها ضرورة. ذلك أن داروين لم يقل “بالتطور” كطريق لظهور الأنواع بعضها من بعض، إلا بعدما وضع تلك “الآلية” الجديدة لنظريته تأسيسا على هذا الأصل، وهي تتمثل في فكرتين كليتين:
–  الطفرة العشوائية (وهي ذلك الظهور العشوائي المزعوم لجينات جديدة تضيف خصائص وصفات جديدة للحوض الجيني لهذا النوع أو ذاك)
– الانتخاب الطبيعي (وهو بقاء تلك الأنواع التي يُتفق بالصدفة المحضة أن تكون قد حظيت بإضافة جينية من الطفرات العشوائية تؤهلها لأن تتكيف مع الطبيعة ولا تهلك كما هلك غيرها من الأنواع).

تأسيسا على هاتين الفكرتين، تأسس المبدأ الثالث في النظرية عند داروين، ألا وهو القول “بالأصل الموحد” لجميع الأنواع، فبإعمال مبدأ الاستمرارية أو الثابتية الطبيعية أوالوتيرة الواحدة Uniformitarianism  * (2) على القول بأن الطفرات الجينية العشوائية هذه تضيف إلى  الأنواع وتزيدها تعقيدا باطراد ولا بد (سواء بزيادة أعضاء جديدة لم تكن موجودة فيها من قبل، أو بزيادة تعقيد النظام الحيوي نفسه للنوع)، استنتج الرجل أن الأنواع كلها لا بد وأنها قد كان لها أصل واحد شديد “البساطة” في تركيبه! فوجد نفسه محمولا على تصنيف المخلوقات كلها إلى درجات وطبقات في “البساطة” العضوية Simplicity  و”التعقيد” Complexity من هنا أصبح هذا التدرج المزعوم للأنواع من “الأبسط” إلى  “الأعقد” يعرف باسم التطور أو الارتقاء.

فمن سلَّم بأن “ارتقاءً” أو “تطورًا” في الكائنات قد وقع تحقيقًا في تاريخ الحياة، فهو مضطر لا محالة للتسليم بالأصول التي قام عليها القول بذلك التطور المزعوم عند صاحبه، وبذلك التصنيف الفاسد للكائنات ما بين “بسيط” و”معقد”، واعتبار أن هذا “البسيط” بدائي ومتخلف فيما يظهر فيه من “تصميم” موهوم، بالمقارنة بما هو “أعقد” منه، فإن هذا هو معنى التطور أو الارتقاء Evolution في اصطلاح النظرية، ولا معنى لها سواه! هذه الأصول كلها مدارها حول تلك “العشوائية المنظمة” التي أشرنا إليها آنفا. وهي فاسدة بالعقل المجرد، لأنها لا يمكن أن يتعامل معها العقلاء إلا على أحد وجهين كلاهما باطل:

  • افتراض أن المقصود بالعشواء هنا أن نظاما قد وُضع من الخارج ليحكمها، بحيث يأتي منه تعريف ما هو مقبول وما ليس بمقبول من تلك الإضافات “العشوائية” حتى يبقى ويترتب عليه ما بعده من خطوات نمو تلك “الشجرة” المزعومة، مع التوقف في جواب السؤال: فمن أين جاء هذا النظام نفسه بالأساس. (دعنا نسمي هذه الفكرة بالخالق الأعمى، أو “صانع الساعات الأعمى”، إذ حقيقتها إثبات خالق ناقص عاجز).
  • افتراض أن المقصود بالعشواء هنا هو أن نظامها المتدرج هذا لم يوضع من الخارج أصلا ولم يضبطه ضابط خارجي، وإنما نشأ من تلقاء نفسه فكان حاكما على سائر الأحداث العشوائية التي جرت تحته. (ودعنا نسمي هذه الفكرة “معلومات لا سبب ولا مصدر لنظامها”، إذ حقيقتها نفي السببية والتعليل(.

فمحل التناقض في أصل نظرية داروين يكمن في حرص داروين وأتباعه على حشر العشوائية chaos في أصل ما يقولون إنه نظام محكم  non-random حتى يجعلوه بديلا “طبيعيا” للخلق والخالق! فكيف يعقل أن يقوم نظام محكم على ترتيب تراكمي لأحداث يوصف كل واحد منها بأنه فوضوي عشوائي محض؟ الحدث الفوضوي العشوائي لا ينتظم مع غيره من الأحداث العشوائية في نظام مخصوص أو على قاعدة واحدة، إلا إن وجد تخطيط مسبق لذلك النظام وتقعيد خارجي لتلك القاعدة التي تفرز تلك الأحداث الفوضوية وتستهدف بناء مخصوصا من تراكمها (بناء سابق التصميم كحيز معلوماتي مخزون في أصل النظام).

فإن سلمنا بوجود ذلك التخطيط المسبق (الذي تتعرف به العلاقة بين المخلوق والطبيعة التي تشترط عليه شروطا معينة حتى يتكيف معها ومن ثم ينتخب للبقاء فيها) لزمنا القول بوجود “مخطط خارجي” ضرورة، تأتي منه تلك الخطة وذلك النظام، بما فيه من استعمال للعامل العشوائي المزعوم هذا! ولكن يلزمنا كذلك – ومن ثم – نسبة ذلك المخطط الخارجي إلى  النقص والعجز ضرورة، إذ لو كان قادرا على إحكام الخلق كما يريد، فلا وجه إذن لوقوع الأمر منه على هذه الصورة البائسة: نظام معلول متخبط يكون الأصل فيه هلاك كل مخلوق لنقصه وتخلفه عن التكيف مع الطبيعة التي خلق فيها، إلا ما يُتفق أن يظهر فيه “بالحدث العشوائي المحض” تلك الطفرة المفيدة التي تحيله إلى  نوع قادر على البقاء والاستمرار!

ومع مزيد من التأمل، يتبين لنا أن هذا ليس “نظاما” أصلا، ولا يعقل أن يصبح نظاما، فضلا عن أن يستمر لعشرات الملايين من السنين كما يزعمون، إذ الأصل فيه العطالة والعجز والفوضى المحضة، وبقاء الأمر مرتهنا في تلك الفوضى الشاملة بمجيء حدث “عشوائي”(الطفرة أو نحوها) في كائن من الكائنات من غير أي توجيه خارجي، ليجعله قادرا على البقاء! فبأي عقل ينشأ ما يصح أن يقال له “نوع” أصلا، في ظل تلك الفوضى الشاملة؟

كيف ينشأ من مجموع المخلوقات العاجزة الناقصة ما يصح أن يوصف بأنه نوع، ثم يبقى عاجزا في انتظار تلك الطفرة المحظوظة التي لن تأتي إلا بالعشواء في كل مرة، حتى تضيف إليه ما كان ناقصا؟ وأي نظام يكون في ذلك العبث أصلا وكيف يعقل أن يصير من تلك الفوضى “نظام” أو “آلية” كما يصر الدراونة على وصفه؟ هذا محال! لهذا نقول ونكرر مرارا في جواب موجز يأبى الدارونة أن يعقلوه: إن “النظام” لا يمكن في العقل المجرد أن ينشأ على أساس من الفوضى غير المحكومة بشروط خارجية وضوابط قانونية تكون سببا مباشرا في إنشائه (وليس نشأته)! ولا يمكن للشيء (أو النظام) أن “ينشأ” من تلقاء نفسه من غير سبب فاعل خارج عن ذاته! هذه ليست مسألة “احتمالية إحصائية”، هذه قضية من قضايا البداهة العقلية والضرورة المنطقية التي يأبى الدراونة أن يروها على حقيقتها!

نحن نتكلم عن تناقض منطقي متجذر في أصل النظرية نفسها، لو تجرد القوم في تأمله لبان لهم أنه ليس ثمة “آلية” أصلا حتى تبدأ في العمل، فضلا عن أن تستمر في الأرض لملايين السنين! فالطفرة المزعومة التي تعين على البقاء هذه عند داروين لا تأتي تبعا لآلية تولدها توليدا عشوائيا، كما في المثال الذي يضربونه للمولدات العشوائية الحاسوبية، وإنما تأتي من غير آلية أصلا ومن غير نظام أو سبب نظامي، وهو سر تسميتها “بالطفرة” عندهم، وتسمية الانتخاب “بالطبيعي” (يعني انتخاب لا منتخِب له، أو فعل لا فاعل له)!

فلو زعموا أن لها آلية سابقة التصميم هي التي تتسبب في ظهور الطفرات، بمعلومات جينية مخالفة لما هو موجود مسبقا، سواء كان في تلك المعلومات فيها إضافة أو كان فيها نقص أو تغيير، فقد نقضوا أصل النظرية نفسه بذلك، وزعموا ما لا قبل لهم بإثباته، ولو أثبتوه للزمهم إثبات ما يفرون منه! ولهذا نقول إن فكرة الانتخاب الطبيعي تقتضي إثبات “الطبيعة” فاعلا مريدا له نظامه الذي به ينتقي وينتخب، وهذا يكشفه مجرد اسمها نفسه! ولكنه في نفس الوقت تصور يتناقض مع العشوائية المحضة التي يعتقدونها في الطفرات نفسها، وهو ما يستحيل معه المصير إلى ما يمكن تسميته “بالآلية”، ولهذا كان الدراونة ولا يزالون يتخبطون (فلسفيا وعقديا) بين الوجهين الذين قدمنا بذكرهما آنفا لمفهوم “العشواء المنظمة” (3)

نقطة أخرى في هذا الموضوع العقلي، وهي النظام*(4) المعقد غير القابل للاختزال irreducible complexity system  (أيًّا كان نظرة مايكل بيهي له وهو الذي نحت هذا المصطلح)، هو ذلك النظام الذي لا يمكن اختزاله (بمعنى حذف بعض أجزائه ) مع الإبقاء عليه كنظام له وظيفة معينة، وهذه القاعدة = أصلها  قاعدة فلسفية عقلية أولية A-priori لا يمكن لعاقل أن يجادل فيها، وهي أن النظام لا يعرف عندنا معاشر العقلاء على أنه نظام أصلا حتى يظهر إلى  الوجود كاملة أجزاؤه، مركبة على النحو الذي تقوم به وظيفته (التي يأتي تعريفها الكامل معه بالضرورة من أول يوم يظهر فيه على الأرض) بغض النظر عن بساطته وتركيبه، ومن ثم لا يمكن ادعاء أن نظاما حيويا ما قد اكتسب صفة “النظام” من طريق التطفر العشوائي.

ولا يمكن للدراونة ادعاء أن الطفرة العشوائية تغير تعريف النظام بأكمله حتى يصبح ذلك العضو الجديد الزائد، جزءا من النظام الجديد بعد أن لم يكن، ويكتسب في المنظومة المعلوماتية الجديدة لذلك الكائن وظيفة عضوية لم تكن له في أول ظهوره ،أما الانتقال من      نظام له تعريف وظيفي معين إلى  نظام آخر له نظام تعريفي مختلف، لا يعد صورة من صور الاختزال على النحو الذي يخدم التصور الدارويني لنشأة الحياة وارتقائها، لأنه لا يوصف بأنه “ارتقاء” أصلا، وإنما هو تعديل في التصميم لخدمة غايات جديدة عند المصمم تماما كما أن تحويل مصيدة الفئران من مصيدة إلى ثقل للورق على المكتب بنزع جزء من أجزائها، لا يعد اختزالا ولا يعد عكسه ارتقاءً أو تطفرًا عشوائيًا، وإنما هو انتقال مقصود مخطط، من تصميم (أ) بوظيفة (س) إلى تصميم (ب) بوظيفة (ص).

أي من نظام له وظيفته التي يليق بها، إلى نظام آخر له وظيفة مختلفة بالكلية، بمعنى آخر فإن النظام البيولوجي الجزئي subsystem ما كان ليصبح جزءا من نظام بيولوجي كامل System إلا إذا ظهر من أول ظهوره مرتبطا بتلك المعلومة في النظام الكامل نفسه وبذلك التعريف المسبق، ذلك أن علاقة “ الجزئية ” نفسها Being an element or a part علاقة ينبغي أن يكون تعريفها مشتملا عليه في تعريف الكل من الأساس وإلا كان حدوثها كإضافة إلى النظام القائم: تغييرا للتعريف الكلي لا محالة، وهذا ليس ارتقاء وليس مقابله اختزالا، وإنما هو إعادة تعريف للنظام نفسه وإعادة تصميم. فيكون منطوق الدعوى إذن أن النظام البيولوجي الذي يقال له “كائن حي” على  اختلاف وظائف أجزائه، لا يمكن أن يأتي إلى الوجود إلا وقد ركبت أجزاؤه فيه على النحو الذي يجعله حقيقيا بأن يوصف بأنه  “نظام بيولوجي”  بالأساس، فضلا عن أن يستمر ويبقى في الأرض كنوع بيولوجي  Species، وهذا القدر لا يمكن في العقل اختزاله على نحو ما يزعم الداروينيون في تصورهم الارتقائي!(4)

أما موضوع حفظ التوازن البيئي العام على الأرض، وحفظ سلاسل الطعام Food Chain  من الانهيار، ونحو ذلك، فإن الدراونة -بالمناسبة- يتغافلونه (جانب التوازن الكلي المحفوظ في النظام الحيوي ككل) عمدا لأن لازمه هدم الأصلين الكليين لنظريتهم تلك، إذ حقيقته القول بأنه ما من تغير يقع في الحوض الجيني إلا وفي سائر متغيرات المنظومة الكونية للحياة على الأرض ما يستوعبه, ولا يسمح بصيرورته سببا في انهيار النظام نفسه، كما يستلزمه التصور الدارويني العشوائي الذي يعتقدون – دفعا بالصدر-  أنه ظل يجري على الأرض لملايين السنين من غير أن يتعرض لحدث عشوائي واحد يمكن أن يكون سببا في انهياره كله من أوله إلى آخره!, فهم يؤمنون بغياب الضابط أو المنظم أو الحاكم. الخارجي، ومن غير هذا الأصل الكلي لديهم لا يكون “لآلية” داروين أي معنى أصلا!

بهذا التحرير يتبين لك أن الأمر يرجع في تلك النظرية إلى إحدى خصلتين: إما إثبات الخلق (التنظيم والتخطيط) المحكم (وهو ما يعني وجود نظام محكم لا متسع فيه للفوضى والعشواء أصلا، بموجب إثبات الخالق وإثبات كماله الواجب عقلا) وهو ما يترتب عليه بطلان مفهوم “التطفر العشوائي” ومفهوم “البقاء للأصلح” ومفهوم الارتقاء و”التطور” ومن ثم إسقاط نظرية داروين، وإما نفي الخلق بالكلية ومن ثم نفي النظام (أو اللا-عشوائية) بالكلية ونفي مطلق معنى “الانتخاب” نفسه، وهو ما يترتب عليه إسقاط نظرية داروين كذلك، إذ إنها تقول بإثبات نظام عام فيه تعريف للصالح وغير الصالح، تتولد فيه المعلومات العشوائية أولا ثم ينتخب منها ذلك النظام ما يصلح للبقاء ثانيا! فتحصل من ذلك أنها نظرية ساقطة مردودة من أصولها العقلية الكلية على كل وجه!! (5)

وأخيرا فما يقتضيه العقل أن هذه النظرية ساقطة فلا يلزمني أن أناقش أدلتها دليلا دليلا حتى أثبت بطلانها التجريبي لكن أيعجب الدراونة ذلك؟ كلا وربي! فهم من فرط جهلهم وغلوهم وتطرفهم في اعتقاد أن المعرفة إنما تتحصل من العلم الطبيعي وحده لا شريك له، يحلمون بأن يجدوا في المكتشفات الإمبريقية ما يحسم النزاع مع جميع من يخالفونهم البتة، حتى وإن كان سبب النزاع اتهام مخالفيهم للأصل العقلي نفسه الذي يقفون عليه بالبطلان أو التناقض المنطقي!، فمن يزعم أن الحق لا يوصل إليه والمعرفة لا تتحقق إلا من طريق العلم الطبيعي أو التجريبي وحده، هذا لا يوصف بأنه صادق في طلب المعرفة أصلا!، إنما هو جاهل جهول حتى وإن كان من أكابر العلماء الطبيعين الذين يشار إليهم بالبنان!!، ولأن الحق أصبح غير معروفا الآن, فسأتكلم بإذن الله في مقال قادم عن أدلتهم التجريبية  التي يستشهدون بها ويقولون إن العلم الطبيعي -هكذا دفعا بالصدر- قد أثبت نظرية التطور!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)- رسالة في تحذير المسلمين من فرقة التطويرين، منتدى التوحيد،لأبي الفداء بن مسعود

(2)- الوتيرة الواحدة :Uniformitarianism وهي تنص على أن الحاضر مفتاح الماضي, وهي الآن معدودة من أركان علم الجيولوجيا التي لا خلاف في صحته. ونحن لا نمانع من قبول نتائجها فيما لا يظهر لنا – بالدليل الحسي أو العقلي أو النقلي – ما يمنعه.

فنقول مثلا: بما أن الطبقة الفلانية على سطح الأرض تتكون اليوم حيث تتكون بمعدل كذا، فإن هذا يعني أن الطبقة المشابهة التي سماكتها كذا التي نجدها في موضع كذا، يكون عمرها – بالقياس(حتى القياس بالعناصر المشعة يستلزم ثبات مبدأ الاستمرارية هذا ونحن نوافق عليه مجملا ما لم يكن عندنا دليل أقوى منه في الدلالة، أيًا كان نوع هذا الدليل) – كذا وكذا.

هذا المنطق في القياس مقبول بالجملة لا نرفضه، وهو يفضي إلى استنتاج (ظني) بشأن تاريخ تلك الطبقة, ولكن إن جاءنا دليل آخر أقوى من هذا، يفيد بأن هذه الطبقة كانت أقصر عمرا مما دل عليه ذلك القياس، قدمنا الدليل الأقوى، وخرقنا مبدأ الاستمرارية هذا ولم يلزمنا اطراده!

وحتى وإن قلنا باستمرارية ما يجري من تغير في الكائنات إلى عمق التاريخ على الأرض، فأين ما عليه قلتم بالقياس إن الكائنات الحية نشأت كلها –جميع الأنواع المعروفة والمنقرضة– من أصل واحد؟ أرأيتم ولو لمرة واحدة تطورا نوعيا من نوع إلى نوع آخر؟ ليس يوجد أصلا فيما نرى الآن من أحداث بين الكائنات الحية ما يمكن أن نطرده استمرارا بإعمال هذه القاعدة القياسية، لنصل في النهاية إلى القول بقبول شجرة الارتقاء التي تبدأ عند الكائن أحادي الخلية!! ولا يفيدهم التقارب بين صور الكائنات، ولا يخدمهم ترتيب الطبقات الجيولوجية التي وجدوا فيها ما وجدوا من الحفريات، لأن تلك القرائن الظنية –مهما كثرت وتراكمت– لا ترقى لمعارضة العقل الصريح الدال على ضرورة الخلق المحكم المتقن –لا هذا الارتقاء العشوائي المخزي الذي لا يحكمه حاكم– ولا لتكذيب ما جاء به النص عندنا من خبر الخلق!

(3)-نفس المصدر السابق

(4)- وحتى لا يسفسط أحد في تعريف النظام وهو معلوم من بداهة اللغة الطبيعية أصلا, لكني سأعرفه تعريفا مبسطا للدلالة على ما أريد – ومرة أخرى أيا كان منطوقه وألفاظه فهو مفهوم بالبداهة العقلية بدون تعريف –  : “النظام هو مجموعة من العناصر مرتبطة وظيفيا ومتفاعلة فيما بينها لأجل تحقيق هدف معين، فلا يكون النظام نظاما في وجود عنصر واحد أو شىء واحد أو أمر فردي واحد، لا بد من وجود أكثر من طرف حتى يكون النظام نظاما”.

(5)- آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعين ،من صفحة 588 إلى  590 بتصرف، لأبي الفداء بن مسعود

(6)-نفس المصدر قبل السابق !

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد