هل أزهر الربيع العربي وأثمر ما كان يرجوه المواطن العربي والذي من أجله قد ثار؟ كيف غدا هذا الربيع وبالًا وقحطًا على الشارع والشعب في بلدان الربيع والثورات، وكذلك في تلك البلدان التي بقيت تتأرجح بين الإصلاح وبين انفجار بركان الشعوب. لنبدأ حكاية الربيع العربي من جديد.

عندما أشعل البوعزيزي النيران لتأكل جسده، كانت قد ضاقت السبل به بأن يعيش مالكًا كرامته الإنسانية، حكم العجز عليه بأن يحرق جسده، بعد أن طفح الكيل كما يقال. إذ ثار البوعزيزي على واقع تصحر تمامًا من قدرة الإنسان في البلدان العربية عن التعبير عن عجزه في التعبير. وكان سبب آخر قد دعاه إلى الثورة ألا وهو عدم وجود مكان مناسب للإنسان المناسب، عدم وجود العدالة الاجتماعية، الجهل والفقر والتصحر الفكري، انعدام كلي لوجود وجه من أوجه الديمقراطية وحرية التعبير.

وكان هذا الحال يمثل حقيقة وواقع كل بلد عربي تحكمه سلطة استبدادية منغلقة ومنقطعة تمامًا عن متطلبات المجتمع في الحاضر والمستقبل، يسوده فن وسياسة اللامبالاة في حال شعب وشعوب بأكملها، إذ لا هم لسلطة في استخدام واستغلال الطاقة الشعبية التي تملكها خوفًا من سيطرة الأخير على الواقع المعاش أي انتقال حكم المجتمع من السلطة إلى حكم الشعب. وهذا ما يعني موت السلطة تمامًا. فهي حقيقة قائمة على حكم المجتمع بأساليب استبدادية وأمنية.

وكذلك الحال كان في ليبيا ومصر وسوريا وهو كذلك أيضًا في كل بلدي عربي، إذا يمكننا القول أن ثورات الربيع العربي كانت ضرورة مجتمعية كي تعيد حكم المجتمع إلى الشعب وتخليصه من قبضة الحاكم المستبد. أي أن المجتمع يصبح تحت قبضة الشعب الذي يدير عملية تطوره ووعيه ونضوجه ككل وكمجتمع واحد وشعب واحد في بقعة جغرافية واحدة ويجب على السلطة تيسير وتوفير كل الشروط والظروف من أجل ذلك. لا يوجد طوائف دينية مفصومة المجتمع وليس هناك قوميات ملغاة من المجتمع وليس هناك أيديولوجيات تقسم المجتمع. فالمجتمع باعتباره مفهومًا هو خلاصة إرادة العيش المشترك لجماعة إنسانية معينة. يحكمها ما تريد أن يحكمها.

هل نجحت ثورات الربيع العربي؟ أم هي فشلت حقًا؟

أولا: ماذا يعني نجاح الثورة؟ هل هو قلب سلطة فقط؟ أم كما ذكرت سابقًا هي عودة حكم المجتمع للشعب؟

حقيقة كل ثورة هي بالضرورة ناجحة أو لنقول قدرية، فكل فعل يوجد له ردة فعل أو نتيجة. إذا يمكننا الحكم على مدى نجاح الثورات من خلال نتائجها الواقعية وكذلك ما خلقته من ظروف وأجواء جديدة تمهد الطريق لمستقبل مختلف. ولهذا فإن باعتقادي أن ثورات الربيع العربي نجحت نسبيًّا حيث حققت نتائج لنقل أنها سياسية، ففي تونس هرب ابن علي هرم السلطة الاستبدادية، كذلك في ليبيا، كذلك في اليمن وأيضًا في سوريا إلا أن المجتمع الدولي رغم هزيمة وسقوط نظام الأسد أصر ودعم على بقاء رأس الهرم، ففي الحقيقة وفي الواقع لا يوجد سلطة في سوريا.

أما مجتمعيًا وفكريًا لا شك أن أثر الثورات قائم وإن كان غير ملاحظ وشفاف، وأحيانًا قد يبدو جليًا تمامًا أن الشعوب العربية ككل بدأت طريق ولو كان في أوله من التفكير والوعي بشكل عام. إلا أنه بدأ يعيد كل ما كان مخفي من قضايا إلى السطح. وصراحة هذا من شأنه أن يحمل جانبًا إيجابيًا إن ترافق مع الوعي وقد يحمل جانبًا سلبيًا إن أصبح عاملًا للتفرقة والشرخ المجتمعي. ولذلك ما برحت المأساة تفتك في الشتات العربي.

أما سبب استمرار مأساة هذه البلدان فهو باعتقادي لسببين.

أولًا: سبب خارجي، خارج إرادة الشعب ومن يمثل الشعب. وهو التدخل الدولي في هذه البلدان. إذ وجد المجتمع الدولي ضالته في استغلال وضع هذه البلدان في تحقيق غاياته وسياساته ومشاريعه واستطاع بنجاح أن يدير الأزمة التي تفجرت في وجه السلاطين الحكام وأن يحولها لمصلحته سواء الاقتصادية أو السياسية. وهذا الأمر أصبح مكشوفًا تمامًا أمام هذه الشعوب.

ثانيًا: سبب داخلي، داخل أوساط الشعب ومن يمثل الشعب، وهو الصراع العلماني الديني. وهو ما خلق الطامة الكبرى التي حلت على رؤوس الشعوب، لماذا؟

حقيقة ارتبط السبب أو المسبب الداخلي كثيرًا بالسبب الخارجي، ولولا وجود السبب الداخلي والذي يمثل جوهر الصراع، لما كان هناك فرصة أو إمكانية للتدخل الخارجي. فقد استغل المجتمع الدولي هذين الطرفين في احكام قبضته على وضع هذه البلدان ووضعها تحت رحمة الصراع الداخلي الهدَّام. هناك من يدعم المتدينين أو لنقل الأحزاب ذات الخلفية الدينية. وهناك أيضًا من يدعم التيارات اليسارية. كلا الأطراف تتفق على إبقاء هذين التيارين الواضحين في حلبة الصراع الداخلي.

وكلامي هنا يدور جله حول الجماعات السياسية وليس الجماعات العسكرية. فالجماعات العسكرية لا تمثل حقيقة الصراع أبدًا بل هي مؤقتة وهي ذرائع لتنفيذ أجندات كثيرة مرتبطة بالنظام الدولي والمجتمع الدولي.

أما الجماعات السياسية ودعوني أقول إنها تعاملت مع مطالب الشعوب في تلك البلدان بسذاجة وعدم اعتبارها أهمية وجودية مجتمعية على أهمية وجودية حزبوية أو أيديولوجية أي أنها اعتبرت أفكارها أهم من الأفكار والأهداف التي حملتها الثورات. فمنذ انطلاق الثورات، ظهرت هذه الجماعات والتي كانت موجودة سابقا ومضطهدة ومحكوم عليها بالكتم وعدم التعبير من قبل السلطات، لتتقمص دور الشعب المطالب بحقوق مجتمعية بحتة، ومطالب تهم وتخص كل مواطن، وقد كانت مطالب تؤكد على وجود الشعب كشعب والمجتمع كمجتمع.

ثم عملت على ركوب الثورات، وتقييد الثورات بمطالبها الأيديولوجية بل وتغليف الثورة بأفكارها فقط، أي أنها وجدت الثورات فرصة لا تعوض للسيطرة والعوم، فحقيقة هذه الأحزاب تبدو أنها تسعى للوصول إلى سلطة وليس إلى مجتمع تسوده العدالة والمواطنة وحكم الشعب لذاته. ولو كانت كذلك لبقيت مع الشعب ومطالبه ولم تسيس ثوراته من أجل أهدافها ولم تخلق الحجة والإمكانية للتدخلات الخارجية بل وارتبطت بالخارج بمحض إرادتها فأصبحت دمى. ورهنت نفسها وقضية شعوبها لتجاذبات وتقلبات ومشاريع سياسية دولية.

لكن أليس هذا الصراع الدائر بين العلمانية والتدينية يمثل جوهر ما تعانيه الشعوب في هذه المرحلة؟ أم أن هذا الصراع الذي دار وسيطر على الثورات وتمثيلها هو من أثقل كاهل الثورات وأحبط عملها ونتائجها؟

أعتقد أن كلا التساؤلين صحيحين، يمثل هذا الصراع صراعًا جوهريًا تعيشه المجتمعات العربية. إذ يمثل حالة الضياع العربي بين الهوية وبين الحداثة. ولست أقصد هنا الحداثة بالمعنى الإيجابي فقط فالحداثة قد تحمل جانبًا سلبيًا أيضًا إذا ما بترت الهوية الأصلية.

إذًا نحن أمام حالة من الضياع العربي نتيجة هذا الصراع الحقيقي، وليس باعتبارها نتائج للثورات العربية، فقد قلت سابقًا أن الثورات لم تحمل طابعًا إلا طابع المطالبة بحقوق مجتمعية شعبية وليست محصورة ببند أو مطلب سياسي. فإسقاط السلطة يعني كما قلت عودة المجتمع لحكم ذاته بذاته.

هل يستطيع العلمانيون العرب والمتدينون العرب الوصول إلى حالة توازن تمثل مطالب الشعب وتحقيقها؟ أعتقد ذلك ويجب فعل ذلك.

هل يمكن أن يكون هناك طابع حكم جديد أو شكل جديد للحداثة الجامعة بين الدين والثقافة والتقاليد والأعراف وتعدد القوميات والطوائف وبين العلم والاقتصاد والسياسة والعلوم بأشكالها؟

نعم يمكن ذلك وهذا ما يمثل الخلاص من هذا الضياع الذي تعيشه الشعوب. وقد يكون تجربة جديدة في الحداثة والحضارة في بقع جغرافية متمسكة بتاريخها وأعرافها وهويتها.

إذا هل ننجح بوصفنا شعوبًا من شعوب العالم الثالث في خلق وتشكيل تجربتنا في الحداثة، والجمع بين المجتمع كمجتمع تربطه أديان وأعراف وقوميات متعددة وبين الحداثة التي تحقق لكل هذه الأطراف مجتمع المواطنة والعدالة والحقوق.

هنا تكمن تجربة أعتقد ستكون جديدة على العالم. تجربة فريدة. كما في تركيا على سبيل المثال تجربة متفردة عن باقي تجارب الشعوب.

وكل تجربة هي فريدة فهي مرتبطة بطبيعة وثقافة ودين وأعراف وتقاليد كل شعب، إذ لا يمكن تطبيق تجربة قام بها شعب تحكمه معتقدات وأعراف وثقافة معينة على شعب تحكمه معتقدات وأعراف وثقافة أخرى تمامًا.

أعتقد أنه قد حان وقت التصالح العلماني الديني، لأنه في الحقيقة لا اختلاف. شرط أن يكون كلا الطرفين متصالحًا مع مصلحة شعبه ومجتمعه. وبدء خلق تجربة تخرج من صلب وثقافة مجتمعاتنا وليست مستوردة وليست متبعة بعماء.

الثورات فعلت ما عليها في تمهيد الطرق للوصول إلى حالة التوازن ويجب السير في هذا الطريق الذي إن لم تسلكه الشعوب ستبقى عالقة وسط الضياع في عالم أصبح متسارعًا جدًا في خطواته وتقلباته. هل يمكن بناء أساس جديد للوطن يجمع مختلف الأفكار التي إن استخدمت في موضعها تكون غالبًا نافعة.

هل ستكون طاولات الحوار الحقيقي مفتوحة للجلوس والبدء الحقيقي في مناقشة الضياع العربي، هل سيأتي يوما تتصالح التيارات العربية باختلاف خلفياتها واختلافاتها لتبدأ فعلا في بناء مجتمعات مترابطة ومتماسكة، هل تنجح في إخراج الشعوب من دوامة هذه الصراعات القاتلة والهادمة، أسئلة وتساؤلات نضعها على طاولة مقال لعله يكون بمثابة نصيحة أو معاينة لواقع نحن الآن بأمس الحاجة في تقييمه وتغيير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد