سأحدثكم عن أبو المسك كافور الإخشيدي، ذلك العبد الأسود الذي سيق من الحبشة إلى مصر ليباع في سوق النخاسة بثمانية عشر دينار هو وزميله الذي لا يذكر التاريخ اسمه، ليدور بينهما حوار عن أحلام كل منهما وهما مكبلين بالسلاسل ينتظران من يشتريهما. قال الأخير: أحلم أن يملكني طباخ حتى آكل كل ما يحلو لي.

كافور الإخشيدي، هذا العبد المشوه الخلقة، المخصي ناقص الرجولة، لم تعجبه إجابة رفيق العبودية، ثم لما جاء دوره في الإجابة، قال أحلم أن أصبح حرا وأملك مصر.

الأكيد أن العبد نظر إلى كافور الإخشيدي باستهجان واستخفاف، كلنا يعرف هذه النظرة سواء أكنا من أصحابها أم من الذين رمقتهم هذه النظرة، ولا عجب أن أخبركم أن دورة الزمان قد دارت وتبدلت الأحوال وأصبح كافور الإخشيدي حاكمًا لمصر والشام معا، وذلك بعد ثلاثة وعشرين سنة فقط من هذا الحوار، ليعود بعدها كافور الإخشيدي ويلتقي بزميله السابق ليجده منتفخ البطن وقد حقق كامل أمانيه من الأكل والعبودية معًا.

النباهة والاستحمار

أفرد علي شريعتي، المفكر الإيراني، كتابا أسماه النباهة والاستحمار، وخلاصته أن حكام العرب والمسلمين يستحمرون شعوبهم باسم الدين وذلك بتجهيل الشعوب ويستحمرونهم باسم العلم المزيف وذلك بشغلهم بسفاسف الأمور، وأننا بحاجة إلى نوعين من النباهة لحل هذه المعضلة، الأولى هي النباهة الإنسانية وهي أن تعرف قيمتك كإنسان والثانية هي النباهة الاجتماعية وهي أن تكون واعيًا بدورك في المجتمع، الكتاب يستحق القراءة، وأدعو الجميع لقراءته.

القابلية للاستعمار

في كتابه شروط النهضة والذي أدعوك أيضا لقراءته، المفكر مالك بن نبي يخلص إلى أن مشكلتنا هي مشكلة أفكار، وأننا كعرب ومسلمين قد اعتدنا الاستعمار وتشربنا ذله، ففي بداية الاستعمار يكون العدو مستهجنًا، نحاربه بكل ما أوتينا من قوة، لكن مع مرور الوقت، نرضخ للمستعمر، ثم نولع به وبطريقة لباسه وأكله وشربه، نقلده في كل شيء دون مرجعية دينية أو ثقافية أو أخلاقية للحكم على هذه الأفعال، ولا نترك جحر ضب يسلكه إلا سلكناه خلفه، ثم نصل لمرحلة محاربة كل من يحاول تخطي الحدود التي رسمها لنا هذا المستعمر، فكل شيء خاطئ إلا الذي يشبه هذا الاحتلال الفكري، هذه هي القابلية للاستعمار.

الاستحمار منهج حياة

وأنا أعيد صياغة ما قد جمعته بينهما وأقول إن مشكلتنا هي قابليتنا للاستحمار، وهذا بعد الأسف والتأسف على الصراحة المفرطة في عرض المشكلة، واسمح لي أيها القارئ العزيز أن أضرب لك بعض الأمثلة اليومية لعلها تقرب الصورة وتوضح لك أن الاستحمار أصبح منهج حياة للكثير.

أراد الحاكم بأمر الله أن يبني قصرًا يليق بالدولة وهيبة الدولة ومكانة الدولة، لكن المشكلة هي من الذي سيدفع ثمن القصر، أشار عليه وزيره بأن يأخذ من كل مواطن مائة دينار، وبالفعل صدر القرار، وبدأ الاستهجان من الشعب المغلوب على أمره والذي سيدفع المبلغ من قوت يومه، وبدأ الناس يتحدثون فيما بينهم عن ظلم الحاكم وجور السلطان، ثم فاجأهم الملك الرحيم بتخفيض المبلغ ليصبح عشرين دينارًا، وفجأة وبقدرة قادر أصبح الملك عادلا رحيما يثنى عليه في كل المحافل، أليس هذا استحمارًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى؟

أراد المسؤول أن يوظف ابنه في إحدى المؤسسات التي له نفوذ عليها، هذا وقد أكره القوم على توظيفه رغم عدم توفر أي شاغر وظيفي لابن المسؤول، بين قوسين، الذي ليس له مثيل ولا قرين، ورغم أن الكل يعلم أنه ليس له حق في هذا إلا أنك ستجد الغالبية العظمى ستتملق هذا الولد باعتباره ابن المسؤول الأكبر، ثم ستجدهم يتحدثون عن تواضعه وقبوله للفطور معهم والخروج معهم، ثم سيمجدونه لأنه قضى لبعضهم بعض أموره العالقة قانونيًا طبعًا على حساب أناس آخرين لا أحد يكترث لأمرهم، أليس هذا استحمارًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى؟

صاحب التجارة الرائجة والرابحة والذي تقف على أبوابه الطوابير، يعطي موظفيه الرواتب الزهيدة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، يعيشون حياة العبودية الجديدة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، هم من ضيق إلى ضيق، ثم يأتي آخر الحول ليخرج زكاة ماله ويتعطف بها على موظفيه، ثم تجد أكثر الموظفين له شاكرين، ويلقبونه بالكريم ابن الكريم، أليس هذا استحمارًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى؟

الأمثلة كثيرة، ولا يطيب ذكر الكثير منها، لكنني أحب أن لا أكون أنا ولا أنت مثل ذلك العبد الذي نسي التاريخ اسمه ولكنه حفظ شكل بطنه المنتفخ وخلد وصفه الذي هو كالأنعام بل هو أضل سبيلا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد