حذر وزير الاستخبارات الايراني محمود علوي، في الأيام الماضية من تحالف أحزاب المعارضة الايرانية، المقيمة في خارج البلاد، جاء ذلك على لسان الوزير نفسه، أثناء حضوره اجتماعًا في البرلمان الإيراني، وخلال رده على سؤال أحد النواب، حول استعدادات الأمن الإيراني للتعامل مع الأحداث التي تخل بأمن البلاد، قال الوزير: إن أعداء النظام الإسلامي يسعون إلى التقارب والاصطفاف ودعم بعضهم البعض تحت حماية دول أجنبية. وأضاف: إن المعارضة الإيرانية خلال السنتين الماضيتين بكافة أطيافها أقامت أكثر من 64 ندوة سياسية في بلدان المنفى.

وقال محللون إيرانيون أن ما جاء به الوزير من حديث ليس بجديد، وقد جاء على أثر محاولات بعض التنظيمات التابعة للشعوب غير الفارسية نحو التحالف مع البعض الآخر من القوى اليسارية التي تتعاطف مع قضايا الشعوب في إيران، كما رجح البعض أن حديث الوزير كان إيحاءً بموجة قمع قادمة قد تحدث بحق النشطاء السياسيين في داخل البلاد، ومحاولات لتهديد المعارضة في الخارج.

مزيدًا على قول المحللين الإيرانين، يبدو أن ما جاء به الوزير خلال حضوره في البرلمان أيضًا قد كانت خطوة جاءات في إطار محاولة لإقناع البرلمان فيما يتعلق برفع الميزانية السنوية المخصصة للاستخبارات، بغية توسع العمل المخابراتي في داخل البلاد وخارجها، إذ ارتفعت ميزانية وزارة الاستخبارات الإيرانية مقارنة بالعام المالي الإيراني المنصرم بنسبة 31%، بعيد مقابلة الوزير نواب البرلمان.

قد يتساءل المرء، ترى في ظل التطورات الفكرية والمعرفية وتنوع المطالبات السياسية، من المطالبة بإصلاح النظام وصولًا إلى الإطاحة به، ومن المطالبة بفدرلة إيران حتى تفكيكها إلى دول على حسب تاريخ الكيانات العرقية وماضيها السياسي، قد يتساءل؛ كم نوعًا أو طيفًا أو حزبًا يعملون في إطار المعارضة ضد نظام الحكم ومن أي معارضة يتخوف الوزير الإيراني؟

من المعروف أن المعارضة الإيرانية التي خاضت المعترك السياسي والعسكري ضد النظام الحاكم في إيران، هي ليست وليدة الثورة الإيرانية في 1979 وإنما جذورها أبعد من ذلك بكثير ومعظم فصائلها كانت مساهمة في انتصار ثورة 1979، ولكن قفز الملالي على سدة الحكم واختاروا القمع بديلًا عن الحوار ومساهمة الآخرين، وحاربوا الشعوب غير الفارسية ومنعوها من التمتع بحقها في تقرير مصيرها. إلى ذلك ساهمت تلك الأحداث أي القمع المستمر بحق الأصوات الحرة، وقمع الشعوب غير الفارسية، ساهمت بخلق معارضة تعمقت جذورها في ضمير المواطن، ووقفت بوجه نظام الحكم خلال أربعة عقود وحاربته بشتى الطرق.

كما ذابت أطياف أخرى من المعارضة في أتون الإعلام الذي يقوده الكهنة في طهران، وتنازلت من معارضة النظام والمطالبة بإسقاطه واختارت أن تطلق على نفسها عنوانًا آخر وهو «المعارضة الإصلاحية». هنا لا أتكلم عن المعارضة الإصلاحية التي هي بالأساس جزء من العملية السياسية والفئة الحاكمة في إيران، وإنما أتحدث عن طيف كبير من اليسار الإيراني وكذلك طيف من القوميين الفرس.

يبدو أن معظم الأطياف التي تنازلت عن إسقاط النظام عاشوا عقودًا من الانتقال بين المفاهيم الاشتراكية والقومية، والرومانسية وأحلام العظمة ونوستالجيا الإمبراطورية الفارسية، مما تسبب في تبنيهم سلوكًا سياسيًا يوحي بالتناقض في القناعات وممارستهم السياسة. وبموازاة القمع والإرهاب، وعد نظام الملالي القوى السياسية القومية الفارسية بمجملها، بإعادة الإمبراطورية الفارسية تحت مسمى آخر وهو إقامة الإمبراطورية الشيعية بقيادة فارسية وذلك عبر «تفريس» كل منطقة الشرق الأوسط.

وأعلن عن تلك الخطة بصوت عال، أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيراني والقائد السابق لقوات حرس الثورة محسن رضائي، إبان ترشحه للإنتخابات الرئاسية في عام 2005 حيث صرح: «سنجعل من إيران قوة الشرق الأوسط وسنفرض اللغة الفارسية كلغة الشرق الأوسط». الأمر الذي ساهم بشكل مباشر في تنازل العديد من الأطياف السياسية الفارسية الهوية والهوى بما فيها أطياف واسعة من قوى اليسار، من العمل على إسقاط نظام الحكم، واستبدلوا ذلك بالتماشي مع النظام بغية إقامة الحكم الفارسي، وحدوده المنشودة من سواحل البحر المتوسط حتى تخوم الهند، ومن القوقاز شمالًا حتى الساحل الغربي للخليج العربي جنوبًا، كي يصبح الخليج ممرًا مائيًا إيرانيًا داخليًا حسب مجمل مخططات مراكز صنع القرار الإيراني . هذا ما أعلن عنه في أكثر من مناسبة وعلى لسان العديد من ساسة إيران مزيدًا على قول أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام.

وقبل ذلك أسست الحرب الإيرانية العراقية أرضية لترسيخ استراتيجية إيران آنفة الذكر. واستغلت طهران الحرب للحشد القومي والطائفي في آن واحد. وخلال فترة ثمان سنوات وبالتزامن مع إطلاق الرصاص والقصف المدفعي والقصف الجوي المتبادل، كان الإعلام القومي والطائفي الإيراني قصف وسيطر على عقول العديد من القوات المعارضة للنظام. وأصبح معارضو نظام الملالي أبواق طهران في الغرب تحت غطاء الدفاع عن أرض الوطن والتوسع القومي.

واستمرت هذه الظاهرة حتى أن استبدلت إلى واقع يعيشه اليسار الإيراني والقوى القومية الفارسية حتى اليوم، وظل معظم اليساريين والقوميين يمارسون السياسة بتناقضين كبيرين وهم يرفعون شعار البراجماتية.

غير أن كان هناك جهتان من المعارضة ظلتا تعملان على إسقاط النظام وبشتى الطرق. الجهة الأولى تتألف من كيانات الشعوب غير الفارسية بمسمياتها القومية وتوجهاتها السياسية المختلفة والجهة الأخرى هي منظمة مجاهدي خلق. كل من الجهتين فتحتا جبهتي حرب كانتا ساخنتين في العمل ضد نظام الملالي انطلاقًا من أرض العراق حيث كان كل من التشكلات آنفة الذكر أخذتا من العراق مقرات لهم للعمل ضد نظام طهران.

واستمرت كل من المعارضتين أي عدد من الجبهات والأحزاب التابعة للشعوب غير الفارسية ومجاهدي خلق بالعمل الجاد ضد النظام حتى يومنا هذا.

فيما المعارضة الفارسية القومية واليسارية ظلتا تراوحان في مضمون تغيير النظام، وبدأوا بالترويج لإسقاط النظام تدريجيًا عبر الاصلاحات التي قد تؤدي إلى تآكل النظام من الداخل حسب ما تبنوا وأعلنوا عنه عبر تحليلاتهم في الإعلام بشكل مكرر لسنوات طويلة وإن أخذ التغيير عقودًا طويلة من الزمن.

كما أعلن العديد من قيادات اليسار الإيراني وممكن ذكر أحدهم يدعى «فرخ نكهدار» أمين عام «منظمة فدائيان خلق» اليسارية حيث قال وبالحرف الواحد وعبر البث المباشر على قناة بي بي سي الفارسية، قال إنهم لا يطمحون إلى تغيير النظام وإنما يناضلون من أجل تغيير سلوك النظام في السياسات الداخلية فقط، كما كتب نكهدار وغيره من أعضاء أحزاب اليسار مئات المقالات الداعمة للسياسات الخارجية لنظام الحكم في إيران.

وهكذا العديد من القيادات القومية واليسارية تبنوا سياسات النظام الخارجية ودعموا نظام الملالي في جميع سياساته ضد الغرب وبرروا سلوكه في الشرق الأوسط، تحت ذريعة محاربة الإمبريالية. وحضر معظم أعضاء الأحزاب اليسارية في سفارات إيران في بلدان أوروبا للتصويت أثناء الانتخابات الرئاسية خلال كل أربعة سنوات. كما دعم هؤلاء نظام الملالي عبر كتابة مقالات بشكل منتظم في الإعلام الفارسي في المنفى وعبر حضورهم في الإعلام الغربي المرئي والمكتوب والمسموع.

يبدو أن تبني القوميين واليساريين الإصلاحات بديلا عن إسقاط النظام، أولًا كان للحيلولة دون إخراج الحكم من يد الشعب الفارسي، كما كان خلال القرن الأخير في تاريخ إيران السياسي. وهذا ما صرح به معظم نشطاء الطيف الملكي والقومي الإيراني جهارًا، حيث أعلنوها عدة مرات؛ أن في إيران شعبًا واحدًا وهو الشعب الإيراني ولغته الفارسية. وشدد هؤلاء أن لا مجال هناك لإعطاء أي نوع من الحقوق السياسية لغير الفرس، مما أدى بتغيير توجهات العديد من التنظيمات غير الفارسية وسلك طريق حق تقرير المصير والاستقلال تحت مسميات عديدة.

ورغم كل ما مضى يبدو أن النظام الحاكم في إيران لم يكن يلمس الخوف الحقيقي ولم يشعر برياح التغيير، كما هو الحال، حتى في أكبر أزماته، بما في ذلك جميع محاولات التنظيمات الإيرانية ذات التوجه المركزي وحراكها الداخلي مثل مظاهرات الحركة الخضراء في عام 2009 وقبل ذلك الحراك الطلابي، وحرب الثماني سنوات مع العراق وغيرها من أحداث. والدليل البسيط والواضح أنه كانت هناك وما تزال ثمة فجوة بين القوى السياسية ذات التوجه المركزي والقوى السياسية ذات التوجه اللامركزي الطامحتان لتغيير النظام.

بلغة أخرى هناك حدود للعمل المشترك على إسقاط النظام بين تنظيمات الشعوب غير الفارسية من جهة وتنظيمات الشعب الفارسي التي تطلق على نفسها تسمية القوى المركزية الشاملة، من جهة أخرى، مما يشل بحراك الشارع الإيراني والعمل ضد النظام بشكل عام.

وواضعو الحدود هما الجهتان أي التنظيمات المركزية التوجه التابعة للشعب الفارسي، والتنظيمات اللامركزية التوجه أي تنظيمات الشعوب غير الفارسية، حيث التنظيمات ذات التوجه المركزي بغض النظر عن بعض التكتلات الصغيرة، ليس لديها أي برنامج واضح وشفاف فيما يتعلق بممارسة الشعوب غير الفارسية في إدارة شؤون مناطقهم، أو حق الشعوب في تقرير مصيرها، مما يؤدي باصطدامها مع الشعوب غير الفارسية وتنظيماتها.

وفي الجهة الأخرى أي التنظيمات اللامركزية التوجه التابعة للشعوب غير الفارسية مجملها تطالب بحق تقرير المصير لأقاليمها عبر عدة مشاريع.

وجميع برامج تنظيمات الشعوب غير الفارسية أي فدرلة إيران أو ممارسة حق تقرير المصير أو المطالبة بالاستقلال لمناطق الشعوب غير الفارسية لا تروق لجميع التنظيمات الفارسية، وكل هذا جعل سدًا ومانعًا للتلاحم بين القوى المعارضة لنظام الحكم في إيران.

في نفس المضمار ومن زاوية أخرى، نرى تطور حراك الشعوب غير الفارسية وتنظيماتها يبدو أنه أفضل بكثير مما مضى في القرن الأخير، وعلى هذا الأساس، ظهرت اليوم تكتلات صغيرة من بين تنظيمات الشعب الفارسي تتقارب رويدًا رويدًا لتنظيمات الشعوب غير الفارسية وفي أحسن الحالات تحاول تنظيمات ما تسمى بالمركزية الفارسية الهوية والهوى، تحاول استيعاب خطاب تلك التنظيمات والتعامل معه باحتياط، إذا لم تحاول الالتفاف عليه أو احتواءه وإبعاده نهائيًا عن أهدافه المنشودة.

كما أن نظام طهران يشعر أن التغيير قادم نتيجة عوامل عدة منها ناتج من سياسات النظام الخارجية، وإصراره غير المبرر على استمرار برامجه النووية ذات التوجه العسكري، وتردي الاقتصاد الناتج عن الحصار، والاستبداد والقمع اللذان يمارسهما النظام بحق الناس عامة ومعارضيه خاصة في الداخل، وتورطه في ملفات إرهابية في بلدان عديدة وغيرها من شؤون. كما لا يمكن لنظام طهران كما سبق أن يراهن على بعض التنظيمات التي تنازلت عن إسقاطه قبالة استمراره بالتمدد بالشرق الأوسط ومحاولاته الأخرى ضد الولايات المتحدة تحت ذريعة محاربة الإمبريالية.

كذلك يرى نظام الملالي اليوم أن في الشعوب غير الفارسية قوة قاهرة، حيث الأرضية التي تنطلق منها الشعوب غير الفارسية وتنظيماتها مبنية على قرن من الممارسات الاحتلالية المترجمة بالظلم والاضطهاد والنفي وسلب كافة الحقوق القومية مزيدًا على احتلال الأرض وتفريس كل ما عليها من كائنات. ومن جهة أخرى هناك منظمة مجاهدي خلق التي لا تؤمن بأي عملية سياسية غير إسقاط النظام وتعمل على الإطاحة به بكل ما لديها.

إلى ذلك نرى اليوم أنه بمجرد إقامة ندوات سياسية وفكرية ومحاولات للتحالف بين تنظيمات الشعوب غير الفارسية وبعض الآخر ممن يعتقد باللامركزية من بين تنظيمات الشعب الفارسي أو تكتلات فارسية أخرى، نرى أن كيان حكم الملالي يرتبك بشكل كبير ويدفع البرلمان برفع ميزانية الاستخبارات وغيرها من شؤون، صرح عنها وزير الاستخبارات بشكل مختصر، حيث ترى طهران في حراك الشعوب غير الفارسية ومجاهدي خلق الأيقونات الحقيقية والنشطة التي إن سندت ستغير المعادلات جملة وتفصيلا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد