القطط هي أعلى قيمةً من الكلاب

تجتاح الهِرر والكلاب إلى مساكننا ومجالسنا القَديمة والحديثة حول أراضي العالم. فأينما استقر عامة الناس تجدهم قائمين هنا وهناك، إما أن نكون نحن المحتفين بِهم لِأجل مصاحبتنا ولهونا في حياتُنا الحاضِرة كحيوانات بهيمية نقوم بِتربيتهم تحت غطائنا وفي فائضِ مصادرنا، أو يكونوا الزائرين، كضيوفٌ غير مرحبين، وذلكَ عند غيابنا في عُتمة الليل ليتجسسوا على نفايتنا، محاولين هضم ما قررناه غير مقبول كغذاءٌ للوَاعين. تلك الكائناتُ الوَدودة طوروا علاقاتٍ معقدة مع البشر من أجل مَصالح مشتركة، وبدأوا بالتعويل علينا حين غَزونا تُربة الطبيعة واستعبدنا مخلوقاتها لأمتصاص كل مَصادره من أَجل تَعزيز غَايتُنا.

بِذلكَ الفعل النرجسي، قمنا بتطويق رزقَهم، وما خلق اللهُ لهم ولنا مِن طعامٍ وشراب وراحة، فضاقت بهم الأرضُ بعدما كانت رحبة، وكبلهُم نورُ الشمسِ بعد أن كانوا أحرارًا، ولم يجدوا مَفرًا آمنًا وغانمًا سوى التضرعُ بنا وإطاقة إساءتنا للبقاء على قيد الحياة.

اليوم مع وجود شتى الأصناف من الحيوانات الأليفةَ التَي يروضها الإنسان، الكلاب والقطط هُم الأشيع في جميع الدول والثقافات. فالبعض يفضل الكلاب على قطط والبعض الآخر يفضل العكس، سواءًا لأسباب شخصية أو عامة أو بتفاضيلٍ مشاعرية مُجردة من منطق العلل. غيرُ أنني أرى خاصية في القطط يجعلهُ متفوقًا على مُنافسهِ من الكلاب تفوقًا عقلانيًا غير موجودٍ في طَبيعتِهم وفي وراثتهِم.

الكلاب بعامة أَنواعها الأليفة تعرف بالولاء وبالمحبة للرعاة والمربين مُضاهاةً مع باقي الحيوانات. ويسجل أُولى مَنافعها في صيد الأرانب والغزلان، ومطاردةِ الذئاب والفهود المفترسة، وتعقب الفَريسة والمذنبين، ومراعاةِ المواشي، والحرس على الأراضي، وغيرها من ما شاء الناس استعمُالها للمنفعة شخصية.

وتتسم الكلاب الأليفة بنوع من ذاكرة متينة قادر على تعرف بصاحبه حتى بعد أزمان مديدة، ويتميز بحاسة شم حادة يمكنها فصل روائح لأكثر من ثلاث ملايين مادة ومن مسافات متنائية، ويقدر على الجري 40 ميلًا في الساعة الواحدة، فهو معشوق في بلاد الغرب بشكل واسع لقدرتها على تكوين صداقات بين الناس وحسن صحبتهم والتحسس بمشاعرهم. والتاريخ حافل بمواقف تثبت ولاءهم وحبهم للبشر، نذكر منها بعض الكلاب الذين تعلقوا بأصحابهم حتى بعد قضاء أجلهم وباتوا يطوفون في مقابر أسيادهم أملًا منهم أن يعودوا إلى الحياة. وهناك كلاب حاربوا وقاتلوا، ثم جرحوا وقتلوا رجاءً أن ينجي صاحبهم من شرور وحوش الشاردة وظلمات الطبيعة.

إلا أنها لا تخلو من مساوئ ومصائب ابتداءً من قذارة أجسادهم المليء بالقمل والجراثيم المضرة، إلى نجاسة كيانهم في الإسلام وتحريم أكلهم من السنة، وتحول بعضهم إلى كلاب مسعورة، والقيام على الهجوم بصاحبه وبأهله.

أما هرر الأليفة ففيها مساوئ على قدر مخيلة الواصف لها، أي أنها لا تعد ولا تحصى، بعض منها مستحقة والأخرى ظالمة لها. القطط معروفة ككائن عديم الإحساس لمشاعر مربيه وتوصف كمرعب الهيئة، تخاف منه الأطفال، وينعت عيونها بالشر والشيطنة، وسلوكياتها الخبيثة تنتظر فرصةً لتذوق لحوم البشرية. وتكون القطط دائمة العناد مع مربيهم، لا يعمل إلا ما يرغبه عقليته الأنانية وغالبًا ما تكون تلك رغبات مضادة مع إرادة المربي. نظرًا لقدرتها على مجاراة الطبيعة والقفز من أماكن العالية للوقوع على قدميه من دون ضرر، أعطى له عامة الناس سبع أرواح أو تسعة ملعونة في حياتها شيقة، تفعل بها ما تشاء من تحطيم وتخريب أماكن إلى ترهيب وقتل كائنات آخرى.

بالرغم من تلك المآثم المذكورة، فإن سألت مربي القطط في وصف هيئتها وتصرفاتها وروحها، يبدأون بالحديث عن عيونها الساحرة الخلابة، وآذانها ظريفة، وعذابة صوتها، ورشاقة جسدها ورأسها الأيروديناميكي. يملأ مجالسهم بالضحك والسرور عند وجوده بينهم، ويقدم على حركات بهلوانية ملفتة حتى للعقول الكئيبة، فيها روح مداعبة وملاطفة. زد على كل ذلك نظافة جسدها وطهارة كيانها في الدين الإسلامي.

إلا أني لا أتكلم عن تلك المحاسن المذكورة للقطط ورقيها أكثر من فوائد الكلاب. أحببت أن أقدم في هذا النص فقط صفة واحدة من صفات الكلاب والقطط، كلتاهما تأتي في المرتبة الأولى من جهة التعامل مع البشر، ألا وهو توفير الحب والوفاء لمربيهم. لكن ما هو الحب؟ وما هو الوفاء من منظور علم النفس الاجتماعي؟ وما هو الوجه العلمي الحقيقي لهما؟

الحُب يمكن أن يعرف من منظور علم النفس كامتلاك كائن حي، أيًا كان شيئًا نافعًا له، أو السيطرة على ذاك الشيء. والوفاء ما هو سوى خدعة نفسية – سلوكية يقوم به الكائن الحي من أجل البقاء والإعالة على كائن آخر، والاعتماد عليه في معيشته، أو الدفاع عنه في حالات خطرة. الوفاء يمكن أن يكون جينًا وراثيًا صادرًا عن طبيعة الكائن، أي تأتي من برمجة حامض النووي لأعصاب الدماغ، أو يكون متعلمًا من خلال تعلم الكلاسيكي المشترط، أي يتعلم ذلك الكائن البقاء مع كائن آخر عندما يرى أن معاشرته والتزام بالقرب منه يأتي بمنفعة له.

فهل يا قارئي ترى أن الكلاب يحبون ويظهرون الوفاء للبشر من عقولهم أم من طبيعتهم المبرمجة؟ الأمر كما أدركت، فالكلاب غبية وواعية قليلًا من نفسها ومن راعيها، كل الحب، والتعلق، وتلطف، والمودة، والوداد، والوفاء، والإخلاص مبني في جيناتها. نحن نشكل منفعة كبيرة للكلاب ماديًا بتوفير مصادر الغذاء والملجأ والأمان، لذلك نقشت تلك الوفاء والحب في جيناتها عبر مرور الزمن، وهي وسيلة من وسائل الحياة للبقاء على قيده.

والهرر من جهة أخرى، ليست لديها تلك الخدعة الوراثية بينه وبين الناس، فهي تعتمد على ذاتها في الطبيعة، واتكأت على نفسها دون اللجوء حتى إلى أفراد جنسها فضلًا عن كائنات أخرى. بمعنى آخر الحب والوفاء الصادر عنها باتجاه المربين، تأتي من تفكيرهم الواعي الذكي البحت. والتخطيط والتفكير نحو كيفية خداع البشر هو أمر يفعلونه طوال الوقت، فكر في قطة تحاول فرك جسدها على رجليك وتصدر أصواتًا محزنة وملامح وجهٍ مثيرة للشفقة. مربو القطط يعلمون بأن تلك الحركات هي إشارة لرغبة القطط في الأكل لا غير، بمجرد أن تشبع بطنها فهي تتركك وشأنك، بل تعتبرك مصدرًا للإزعاج أن حاولت الاقتراب منها بعد ذلك.

بمعنى بليغ: نرى أن الهرر تشبه الإنسان أكثر من الكلاب؛ لقدرتها على التفكير والتحليل، وتخطيط إبداء بتصرفات نافعة لها تجاه الناس، أما الكلاب فلا نرى شبهًا بينهم وبين البشر سوى في المشاعر البدائية التي تحفز تصرفات بسيطة. وهذا هو تفسيري لطبيعة الحب التي تظهره القطط نحو البشر، أو على أقل هذا ما أراه في قطتي دايوجينيز!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد