عانت جماعة الإخوان المسلمين من ضعف شديد ما بعد إزاحة الرئيس المصري الراحل محمد مرسي عن الحكم في مصر، ولعل دول عربية قليلة رضيت ببقاء فرع الإخوان عاملًا فيها ممارسًا لنشاطه السياسي، ومنها الأردن، إلا أنه وبحكم الوضع الجديد الذي فرضه الإقليم، فقد تعاملت الدولة بدهاء شديد بحيث عملت على قصّ جناحا الإخوان وإبعاده عن المشهد السياسي فعليًا وإن بقي شكليًا، فقد عمدت الدولة من خلال أحكامٍ قضائية على تقييد أصول الجماعة وضيقت على منابرها الإعلامية.

ولا يعني ذلك أن السياسيات الرسمية هي فقط من ساهمت في إضعاف الإخوان في الأردن، ولكن العديد من العوامل الذاتية والداخلية أدت إلى جعل شخصيات بارزة داخل الحزب تعلن انشقاقها؛ مما أبرز تيارات أخرى من رحم الإخوان مثل جمعية الإخوان المسلمين وحزب زمزم وتيارات أخرى غيرها، كل ذلك ساهم إلى حد بعيد بإضعاف تواجد الجماعة على الأرض وتواصل الإخوان مع قاعدتهم الشعبية.

لقد تواصل الحديث عن مدى تأثير الجماعة مع قرب الانتخابات النيابية؛ حيث راحت القوى السياسية تترقب موقف الإخوان، فقد رأى المراقبون أن الجماعة في طريقها نحو المقاطعة؛ وذلك عقب ردّات كبيرة أصابت جسد الجماعة من قبل الدولة وأشهرها حل مجلس نقابة المعلمين بأسابيع قليلة وهو المحسوب على الحركة الإسلامية، إلا أنه وخلافًا للمتوقع أعلن حزب جبهة العمل الإسلامي الذراع السياسي للإخوان المسلمين المشاركة ضمن تحالف الإصلاح.

وقد أدى القرار الصادم لحلفاء الإخوان، إلى وضع الجماعة هذه المرة أمام هجوم المعارضة التي تنتمي إليها، بل جعلها في خانة الدائرة التي رضيت أن تكون شماعة لإخفاء إخفاق الدولة في مواجهة المقاطعة الواسعة، وبعيدًا عن قرار ممثلي الإخوان، فقد بدأت حالة جديدة من الترقب لما ستفرزه النتائج وبقيت الجماعة تراهن على القاعدة الشعبية، وما يعصف بها وبالوطن من أزمات خاصة على الصعيد الاقتصادي.

ومع كشف اللثام عمّا احتضنته الصناديق، ظهر تراجع مقاعد تحالف الإصلاح الذي يضم جسده الأكبر أعضاء الحركة الإسلامية، وليس العدد فقط ما نقص، ولكن أسماءً مؤثرة سوف تغيب عن المجلس التاسع عشر أبرزها رئيس التحالف الدكتور عبدالله العكايلة، ولعل القارئ قد يسأل عن أسباب هذا التراجع الكبير، ليس فقط على مستوى العملية الانتخابية، ولكنه تراجع برز منذ سنوات عدة؛ مما فتح مجالًا لتساؤل أوسع، هل انتهت مغامرة إخوان الأردن السياسية؟

إن الأسباب الموجبة للحكم على فشل الإخوان من عدمه تستوجب الوقوف على عوامل خارجية وأخرى داخلية.

أما داخليًا، فعند النظر إلى حيثيات العملية الانتخابية، فالجميع يتفق على تشوه النظام الانتخابي الذي كرّس العشائرية والتجمعات الضيقة على حساب البرامج الحزبية والدائرة الوطنية الواسعة، إضافة إلى أن الوضع الوبائي الذي يعيشه الأردن ساهم في عزوف كبير عن الانتخابات، كما أثرت ظاهرة المال السياسي الأسود على إضعاف العملية الانتخابية، بالإضافة إلى غياب كبير للرقابة، وغياب الجدية في أخذ شكاوى المواطنين، وتأخر إصدار الأحكام على من ثبت قيامهم بشراء الأصوات.

والإخوان كغيرهم من التيارات والأحزاب وحتى الشخصيات المستقلة، عانوا من كل هذه العوامل مما انعكس سلبًا على عدد المقاعد التي نالوها في المجلس. ولا يعني ذلك أن العوامل فقط هي ما أضعف موقف الإخوان ودورها، ولكن الانقسامات والتشظي الذي شهده الحزب أحد أبرز العوامل التي أدت إلى هزيمة الإخوان، حيث رفض قطاع كبير من الشعب والذي كان حاضنة لجماعة الإخوان تلبية نداء الحزب، كما أن النقابات، خاصة المعلمين، رفضوا كذلك دعم الحركة الإسلامية، بالرغم من تبني كتلة الإصلاح لمطالبهم.

أما العامل الخارجي، فإن الشرخ في بنية الجماعة، نتيجة طبيعية للصدمة الكبرى التي حصلت بخسارة أكبر دولة عربية، وهو ما نجم عنه إنحياز بين قادة الإخوان للمصلحة أو الأيديولوجية التي كان كل طرف يدافع عنها، وبالتالي فإن ما حصل هو رفض تسليم للواقع خشية الاندثار إلى ما لا نهاية، وإن ما بقي من كيان الإخوان هو الشماعة التي تستخدمها الأنظمة الديكتاتورية في قمع المعارضين وتشويه صورتهم في الخارج بإلصاق وصمة «إخواني» بهم، كما أن تنوع التوجهات والاختلاف على «من يمثل الإخوان» أحد الأسباب الموجبة للضعف العام في الجماعة.

لم يزل قادة إخوان الأردن يرفضون نعي الجماعة في الأردن، فقد أكد مراد العضايلة أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي، أن أسباب التراجع _ ولم يسمها هزيمة _ تعود إلى الإقبال الضعيف على الانتخابات وتجاوزات حصلت في العملية الانتخابية، ولعل رفض التسليم بالهزيمة راجعٌ إلى أن منبر البرلمان هو آخر ما تبقى للجماعة لحفظ تواجدهم على الساحة التي ظهر رفضها لهم حتى ممّن يشتركون معهم النهج العملي أو حتى من يخالفونهم الفكر ويشتركون معهم في نصاب المعارضة للسياسية العامة للحكومات.

إن على جماعة الإخوان في الأردن وخارجها أن يعوا أن مشروعهم «الأفلاطوني» أصبح من الماضي، وإن الرهان على كل حدث سياسي باعتباره قيامة إخوانية يجب أن ينتهي؛ وأن الموضوع الحاضر على الطاولة من الأوجب أن يكون كيفية الاندماج مع القوى السياسية، وترميم الهيكل الذي انقض ولم يقم منذ سقوط محمد مرسي، ومن المهم دراسة نموذج النهضة في تونس الذي يعد منارة لكل القوى الإسلامية للتخلي عن أفكار منظريهم وعدم زج الدين في المصالح السياسية، وهو كما نرى ما إدى إلى نجاح النهضة وفشل الإخوان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد