متى تكون النصيحة سرًا بينك وبين المنصوح؟ ومتى تكون علنًا أمام الناس؟ ومتى تكون صيحة مدوية تخرقُ بها آذان الذين لا يعقلون؟

حدث خلط كثير بين أنواع النصيحة، وهذا الخلط يكون أحيانًا بحسن نية، وأحيانًا أخرى بسوء نية وقصد متعمد، لإسكات الرأي المخالف وإرهابه، وللإبقاء على الخطأ، وللتستر على الفضائح.

ومفهوم النصيحة عظيم جدًا، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتبره هو الدين فقال: «الدين النصيحة».

والتفصيل في النصيحة متى تكون سرًا ومتى تكون علنًا أصبح ضروريًا اليوم، لأن بعضًا من أصحاب المناصب تلاعبوا بهذا المفهوم تأثيمًا وتفسيقًا لخلق الله، وخَدعوا الكثيرين من أتباعهم بلحن القول، فجعلوهم يمتنعون عن النصيحة خوفًا من الوقوع في الإثم كما أفهمهم وعاظ السُلطة والمصلحة، ليخلوا لهم الجو فيفعلوا ما يشاؤون دون حسيب أو رقيب.

ولعلك عزيزي القارئ قد سمعت من بعض هؤلاء وأشباههم أن النصيحة (يجب) أن تكون سرًا وإلا كانت (فضيحة) وليست نصيحة، وغالبًا ما يَستشهد هؤلاء بقول الإمام الشافعي رحمه الله:

تعمدني بنصحك في انفرادي … وجنبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوع … من التوبيخ لا أرضى استماعه

ولعلك سمعت منهم أيضًا أن النصيحة في العلن هي تشهير وإظهار (للأسرار) وخيانة للأمانة وهذا لا يجوز شرعًا!

وهنا أسأل بعض الأسئلة: إذا كانت النصيحة في العلن لا تجوز فبماذا تفسرون قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله» أي نصحه فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، وكلفته هذه النصيحة حياته. وبماذا تفسرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو ميزة هذه الأمة، وأغلب صوره لا تكون إلا في العلن. وبماذا تفسرون المئات من الروايات التي نُقلت لنا عن العلماء العاملين الذين نصحوا الخلفاء والأمراء جهرًا أمام الناس بل عنّفوهم على رؤوس الأشهاد، ولو كانت سرًا لما وصلت إلينا.

هذه مقدمة وإليك التفصيل:

القاعدة في النصيحة أنها تدور مع دائرة التأثير سرًا وجهرًا، وهذا أمر يقدِّره الناصح وليس فيه حدود وسدود. تمسَّك بهذه القاعدة وافهمها ولا تفرط بها، وهذا بيانها.

إذا كان الخطأ الذي تريد إصلاحه عند الآخر شخصيًا، ولا يضر إلا صاحبه، فههنا يحق لك أن تعملَ بوصية الإمام الشافعي، ولا يجوز لك أن تفضح من ستر الله عليه، انصحه سرًا وبهمسة حانية، وكما قيل «ليكن أمرك بالمعروف بمعروف، ولا يكن نهيك عن المنكر بمنكر» وهذه أسهل درجات النصيحة وأيسرها.

أما إن كان الخطأ قد صدر من مسؤول أو من شخصية عامة، ويُصر عليه أمام الملأ ولا يستحي منه، وضرره يتعدى إلى الآخرين، وقد يصل الضرر إلى الدماء والأموال، فلا مكان هنا لنصيحة السر بل صيحة مدوية تقرع بها رأس هذا الظالم. واذا سكتَّ عن هذا وأنت مستطيع فأنت شريك له.

وهذه من أصعب مسالك النصيحة وقد تُكلف الناصحَ حياته.. لذا بشره نبينا صلى الله عليه وسلم أنه سيد الشهداء لعظم مقام هذه النصيحة وخطرها. وبين اللمسة الحانية والصيحة المجلجلة صور تتعدد، تقدر كل منها بقدرها.

مثلًا من هذه الصور، عندما تكون ذا منصب مؤثر في مؤسسة حكومية أو أهلية ويتخذ مدير المؤسسة قرارًا خاطئًا يؤذي الموظفين يجب عليك أن توجه له النصيحة بإعادة النظر في قراره أمام الموظفين، أو تُعلِمهم بما قلت له، أن تعذَّرَ عليك أن تتكلم أمامهم، وإلا سيعتبرونك شريكًا له ومضيعًا لحقوقهم، لأن قراره سيؤذيهم وأنت أحد المسؤولين عنهم.

ولن يشفع لك فيما بعد أن تقول لهم لقد نصحته سرًا ولم يستجب، أعلِمْهُم في نفس الوقت أنك قلت له كذا وكذا وأنك تنتظر معهم النتيجة، وإلا لن يصدقك أحد بعد مرور الزمن، ولن يكون لنصحك جدوى ولا معنى.

واعلَمْ أنَّ أصحاب المناصب عادة ما يكرهون من يقدم لهم النصح وإن ادّعوا خلاف ذلك، لذلك يحرصون على أن يُشيعوا في مرؤوسيهم أن النصيحة الحقيقية والمؤثرة يجب أن تقال لهم حصرًا وسرًا كي يسهُلَ عليهم وأدها والتخلص من صاحبها، لأنها إن شاعت بين الناس افتُضحوا وخرج الأمر من أيديهم وسيطرتهم.

لذا كان من ديدن العلماء العاملين في هذه الأمة والذين نفخر بسيرتهم أنهم يصدعون بالحق في وجه الظالمين أصحابَ الإمرة والمسؤولية. وأذكر لك روايتين فقط، وستجد مثلهما المئات في كتب التاريخ والسير:

الرواية الأولى: وسأقدم لها بسؤال: ماذا تفعل إذا أمرك من هو أعلى منك منصبًا بأمر فيه ظلم للناس؟ اقرأ الجواب في هذا المشهد الرائع.

(لَمَّا وَلِيَ ابْنُ هبيرة حُكْمُ الْعِرَاقِ (في زمن يزيد بن عبد الملك) جمَعَ فُقَهَاءَهَا وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُ إِذَا أَمَرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالأَمْرِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ فِيهِ ظُلمًا للآخرين؟ فَألانَ لَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلَ، (أي اسمعوه طيبًا وهونوا عليه الأمر) وَأَبَى الْحَسَنُ الْبَصَرِيّ رَحِمَهُ اللهُ إِلا أَنْ يَصْدَعَ بِالْحَقِّ ويُنقذ الناس مِنْ ظُلْمِ ابْن هَبِيرةً وينقذ ابن هبيرة مِنْ عَذَابِ اللهِ إِنْ أَطَاعَ الظالم، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ حَقَّ الرَّعِيَّةِ لازِمٌ لَكَ وَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ تَحُوطَهُمْ بالنَّصِيحَة وَقَدْ قَالَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةٌ يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».

اعْلَمْ أَنَّ حَقَّ اللهِ أَلْزَمَ مِنْ حَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُطَاعَ وَلا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، يَا ابْنَ هبيرة اتَّقِ اللهَ فَإِنَّهُ يُوشُكُ أَنْ يَأْتِيَكَ رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ يُزِيلُكَ عَنْ سَرِيرِكَ وَيُخْرِجُكَ مِنْ سِعَةِ قَصْرِكَ إِلَى ضِيقِ قَبْرِكَ فَتَدَعُ سُلْطَانكَ وَدُنْيَاكَ خَلْفَ ظَهْرِكَ وَتَقْدُمُ عَلَى رَبِّكَ وَتَنْزِل عَلَى عَمَلِكَ. يَا ابْن هَبِيرةَ إِنَّ اللهَ لَيَمْنَعُكَ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلا يَمْنَعُكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ اللهِ وَإِنَّ أَمْرَ اللهِ فَوْقَ كُلِّ أَمْرٍ وَإِنِّي أُحَذّرُكَ بَأْسَهُ الَّذِي لا يُرَدُّ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.

لم يُعجب هذا الكلام ابن هبيرة، فَقَالَ لَهُ: اربع عَلَى ظلعك أَيُّهَا الشَّيْخُ، وأعرض عَنْ ذكر أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صَاحِبُ الْعِلْمِ وَصَاحِبُ الْحُكْمِ وصَاحِبُ الْفَضْلِ وَإِنَّمَا وَلاهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ لِعِلْمِهِ بِهِ وَمَا يَعْلَمُهُ مِنْ فَضْلِهِ وَنِيَّتِهِ. فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: يَا ابن هبيرة الْحِسَابُ وَرَائِكَ سَوْطٌ بِسَوْطٍ وَغَضَبٌ بِغَضَبٍ وَاللهُ بِالْمِرْصَادِ إِنَّكَ إِنْ تَلْقَى مَنْ يَنْصَحُ لَكَ فِي دِينِكِ وَيَحْمِلُكَ عَلَى أَمْرِ آخِرَتِكَ خَيْر مِنْ أَنْ تَلْقَى رَجُلًا يَغُرُكَ وَيُمَنِّيكَ. فَقَامَ ابْن هبيرة مِنَ الْمَجْلِسِ وَقَدْ اصْفَرَّ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَعَلَيْهِ الْكَآبَة). انتهى

كم من عبيد السلطة والمصلحة اليوم تسمع منهم مثل كلام ابن هبيرة: المسؤول يعرف ما لا تعرف أنت، القيادة أعلم بالمصلحة، من أنت حتى تنصح المسؤولين؟ انحراف كل مسؤول وكل قيادة في أيّ مؤسسة يأتي من بطانة السوء التي تمنع مرور النصيحة وتزين للظالم خطؤه.

لذا تجد في المؤسسات المؤدلجة والمغلقة إصرارًا عجيبًا على أن النصيحة يجب أن تكون في السر ولا يجوز أن تكون في العلن، كي تمر النصيحة ببطانة السوء وتُلقى في سلة المهملات. ورؤساء مثل هذه المؤسسات عادةً ما يفرحهم ذلك، لأنهم رضوا ببطانة السوء ولأنهم لم يبحثوا عمن يقدم لهم النصيحة وإن كانت مؤلمة. وقد اخترت لك الرواية الثانية مثالًا لهذا المعنى.

الرواية الثانية: وهذه حصلت مع الخليفة شخصيًا

حَجَّ الخليفة أَبُو جَعْفَرٍ فَدَعَا ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ فَقَالَ: نَشَدْتُكَ بِاللهِ أَلَسْتُ أَعْملُ بِالْحَقِّ؟ أَلَسْتُ تَرَانِي أَعْدِلُ؟ فقال ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: أما إذا نشدتني بالله فأقول: اللهم لا أراك تعدل وإنك لجائر وإنك لتستعمل الظلمة وتدع أهل الخير. فقال بعض من شهدوا هذا الموقف: فَظَنَنَّا أَنَّ أَبَا جَعْفَر سَيُعَاجِلَهُ بِالْعُقُوبَةِ فَجَعَلْنَا نَلفُّ إِلَيْنَا ثِيَابَنَا مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنَا مِنْ دَمهِ. فَجَزَعَ أَبُو جَعْفَرٍ وَاغْتَمَّ وَقَالَ لَهُ: قُمْ فأَخْرَجَ.

(وابن أبي ذئب تابعي من رواة الحديث قال عنه الذهبي: … وكان من أوعية العلم، ثقة، فاضلًا، قوالا بالحق، مهيبا). كان هذا ديدن العلماء العاملين، ولا زالت هذه المواقف تُروى على المنابر وفي المحافل، ونفتخر بهذه الشجاعة في قول الحق.

فلم اذًا نسمع اليوم من عبيد السلطة والمصلحة، ومن الذين يظنون أنفسهم زبيبًا وهم لم يُحصرِموا بعدُ، من يقول لك إن الكلام الصريح مع المسؤول لا يجوز، وهو (قلة أدب) أو نحن نستحي أن نقول له ذلك. وهو حياء مذموم من أهل السماء ومن أهل الأرض. ولماذا نسمع التأكيد على أن النصيحة يجب أن تكون دائمًا سرًا، كيلا تحرج المسؤول أو المدير أو أشباههم، وتثير فتنة؟

أعلَمُ أن كثيرًا من الشباب الأذكياء يبحثون ببراءة وبحسن نية عن سبل الإصلاح في المجتمع، وفي نفس الوقت يغفلون عن مثل هذه المفاهيم البسيطة في ظاهرها، الخطيرة في نتائجها. وكلامي هذا موجه لهم، تصحيحًا وتنبيهًا، وهو لا ينفع أصحاب الأهواء، ولا ينفع من وهب عقله للآخرين.

لذلك أردت أن أزيل سوء الفهم والخلط الذي حصل في مفهوم النصيحة.. الخلط بين النصيحة في القضايا الشخصية والنصيحة في القضايا العامة.

الخلاصة:

كل من يرتكب الخطأ من المسؤولين أمام الملأ ويصر عليه، ويتعدى تأثير خطئه إلى الآخرين ويضرهم في معاشهم ومعادهم.. يُنصحُ علانيةً، بل يُقرّع أمام الناس ولا كرامة.. كي لا تقوم لظالم متغطرس دولة، ويعلم كل مسؤول أنه محاسب على حركاته وسكناته.

ومن يرتكب خطأً يضر به نفسه فقط ولا يعلنه أمام الناس، ينصح سرًا وبرفق. وكلما توسعت دائرة تأثير الخطأ وعلت مسؤولية صاحبه، تتوسع معها دائرة النصيحة وعلانيتها، وهذه هي القاعدة.

الفهم هو الحل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر, مجتمع, مفاهيم
عرض التعليقات
تحميل المزيد