حلم الوحدة الأفريقي ومشروع القارة نحو الاتحاد، بدأ مع منتصف القرن العشرين بعد أن نالت معظم الدول استقلالها من المستعمر الأوروبي. حيث تكونت فكرة ما يعرف بـ «Pan Africanism» أو الأفرقة، التي رفع شعارها صفوة من المناضلين الاشتراكيين أمثال الرئيس الغاني كوامي نكروما، والرئيس المصري جمال عبدالناصر والرئيس التنزاني جوليوس نيريري، والتي بدورها بلورت فكرة الإخاء والاتحاد بين شعوب القارة الأفريقية.

مبادرات هؤلاء القادة وضعت أفريقيا في مسار الاتحاد وكانت ثمرتها في إنشاء منظمة الاتحاد الأفريقي، ومؤسسات إقليمية أخرى في القارة كـ مجموعة دول شرق أفريقيا (EAC) والإيقاد (IGAD) والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS) والاتحاد المغاربي، ومجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية (SADC)، والتي ساهمت في حلحلة الكثير من القضايا وخفض حدة الصراع، وتعزيز قيم التعاون والتخطيط الجمعي بين دول القارة.

ومن أهم مجالات التي لم تلق اهتمامًا هي التجارة شريان الحياة وحلقة الوصل بين الشعوب، وفي ظل العولمة وعالم الحدود المفتوحة، عُقد الكثير من الاتفاقيات الدولية وأنشئت منظمات ومؤسسات دولية لتنظيم حركة البضائع والسلع والتجارة بشكل عام، لذلك كان من المهم بالنسبة للقادة الأفارقة موكب العصر ورفع قيم التبادل المشترك عبر فتح الحدود وتحرير الأسواق المحلية والإقليمية من القيود الجمركية والضريبية، مع إنشاء بنية تحتية تضمن حركة وسريان التجارة بين دول القارة.

بعد مشوار شاق من المفاوضات والاجتماعات أقر الاتحاد الأفريقي على اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA)، والتي دخلت حيز النفاذ ابتداء من شهر يناير (كانون الثاني) 2021م. حيث تم التوقيع على اتفاقية إطار التجارة الحرة القارية الأفريقية من قبل 52 دولة أفريقية عضو وتم تفعيلها مع 22 تصديقًا ضروريًا بعد ثلاث سنوات فقط من مفاوضات التجارة الحرة.

تهدف منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية إلى تخفيض الحواجز الجمركية وغير الجمركية، وتسهيل حرية تنقل الأشخاص والعمال، وحق الإقامة، وحق التأسيس، والاستثمار. ومع ذلك، فإن الضجة حول أجندة منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية يمكن أن تشهد تأثيرًا مرتدًا إذا طال أمد المفاوضات بشأن بعض البروتوكولات والملحقات. على الرغم من نشرها على نطاق واسع من قبل قيادة الاتحاد الأفريقي، يبقى الحذر عند بعض الخبراء، ومع ذلك تظل التوقعات عالية رغم وجود الكثير من التحديدات.

في خطابه ليلة رأس السنة الجديدة، تحدث رئيس جنوب أفريقيا «سيريل رامافوزا» بحماسة عن الشراكة الجديدة، «نحن على بعد ساعات قليلة فقط من ولادة منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، والتي ستغير بشكل أساسي الثروات الاقتصادية لقارتنا. إنها بداية حقبة جديدة من التجارة بين البلدان الأفريقية … عندما ستحقق [القارة] إمكاناتها الهائلة من مواردها الطبيعية والبشرية الوفيرة».

وقال وامكيلي مين، سكرتارية الكتلة التجارية، لصحيفة فاينانشيال تايمز: «نريد نقل أفريقيا بعيدًا عن هذا النموذج الاقتصادي الاستعماري المتمثل في كونها مصدرًا دائمًا للسلع الأولية لمعالجة أماكن أخرى».

وحسب المعلومات الواردة من البنك الدولي، تمثل اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية فرصة كبيرة للبلدان لتعزيز النمو، والحد من الفقر، وتوسيع الشمول الاقتصادي. من المتوقع أن تسهم الاتفاقية في انتشال 30 مليون أفريقي من الفقر المدقع وزيادة دخل ما يقرب من 68 مليون آخرين يعيشون على أقل من 5.50 دولارات في اليوم، وزيادة دخل أفريقيا بمقدار 450 مليار دولار بحلول عام 2035 (بزيادة قدرها 7 في المائة) مع إضافة 76 مليار دولار إلى دخل بقية العالم.

من جهته أشاد كبير الاقتصاديين في البنك الدولي المختص في الشأن الأفريقي ألبرت زوفاك بالاتفاقية، قائلاً: «تتمتع منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية بإمكانية زيادة فرص العمل والدخول، مما يساعد على توسيع الفرص لجميع الأفارقة. ومن المتوقع أن تنتشل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية حوالي 68 مليون شخص من الفقر المدقع وتجعل البلدان الأفريقية أكثر تنافسية. لكن هذا يتوقف على التنفيذ الناجح، بما في ذلك المراقبة الدقيقة للتأثيرات على جميع العمال – النساء والرجال، المهرة وغير المهرة – في جميع البلدان والقطاعات ، مما يضمن الاستفادة الكاملة من الاتفاقية».

في سياق متصل ثمنت كارولين فرويند المدير العالمي للتجارة والاستثمار والتنافسية في مجموعة البنك الدولي، على الاتفاقية وقالت «إن إنشاء سوق واحدة على مستوى القارة للسلع والخدمات والأعمال التجارية والاستثمار من شأنه أن يعيد تشكيل الاقتصادات الأفريقية. وسيكون تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية خطوة كبيرة إلى الأمام بالنسبة لأفريقيا، مما يثبت للعالم أنها تبرز بوصفها رائدة في التجارة العالمية وفي جدول أعمالها».

ختامًا، رغم التفاؤل أو الشكوك حول نجاح الاتفاقية، تبقى أهميتها في كونها خطوة في مسار التكامل والذي بدوره يدفع الى تعزيز قيم التشارك والتعاون من أجل نمو دول القارة الأفريقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد