في الأسبوع الأول من شهر مايو (أيار) الجاري دار جدل واسع في الوسط الغزوي حول جدوى دخول القطاع بسلاح مقاومته لمساندة أهالي الشيخ جراح وأهلنا المرابطين في المسجد الأقصى بعد رسالة وجهها قائد كتائب القسام محمد الضيف لكل الفلسطينيين بأن المقاومة بسلاحها يقفان في ظهر كل فلسطيني أعزل يقاوم بيديه العاريتين في القدس بكل محاورها المفتوحة (باب العمود، الشيخ جراح، رباط الأقصى).

هذا الجدل أخذ كثير من الغزيين في حديث طويل بين معارض ومؤيد لدخول غزة على ساحة المواجهات مع الاحتلال، منهم من عارض الفكرة برمتها كون غزة تكلفة دخولها بسلاح المقاومة كبير وسيضع القطاع على شفا مأساة جديدة نفسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا نحن في غنى عنها. ومنهم من وافق توقيت المواجهة تاركًا للمقاومة قرار اختيار هذا التوقيت بالضبط، معتبرًا أن سلاح غزة سيفرض معادلة جديدة على ساحة المواجهات مع الاحتلال، وسيعمل على قلب الأوضاع في القدس.

على قدر الاختزال في كلا الرأيين، وتعدد الرؤى والمناظير وتداخلها في جملة من الدوافع والغايات، إلا أنه يمكن لاحقًا تصنيف وجهات النظر إلى المدخلين السابقين ولن يبتعد أي رأي – مهما كان – عن حيزهما، صحيح أنهما يبدوان مختزلين للغاية، إلا أن غاية كل منهما تشترك مع أي رأي كان في نهاية المطاف.. واحد سيرفض دخول المقاومة، والآخر يؤيده وتنحدر بينهما عشرات التأويلات والأدوات المختلفة لإجابات عن أسئلة مثل كيف، متى، إلى أين خاصة بالمواجهة المتوقعة.

إلى أين؟

إجابات سؤال كل من كيف ومتى تركناها كغزيين – إما بإرادتنا أو بفرض الواقع علينا – للمقاومة تقرر شكل المواجهة والتوقيت المناسب وفقًا لما تراه في ساحة المواجهة مع الاحتلال.

«إلى أين؟» هو سؤالٌ يشارك به الشعب ابتداءً مع المقاومة، فهو حاضنتها وحصنها في أي مواجهة كانت، وللحاضنة الشعبية في الحروب غير المتكافئة وخاصة للطرف الذي يعتمد على «حروب العصابات» في صراعه مع عدوه الذي يمتلك جيشًا نظاميًا وأنظمة متطورة وتكنولوجيا عسكرية دقيقة، دور كبير في استمرارية المواجهة، وربما هذه الميزة الأصيلة التي تفرق بين كل من الاحتلال والمقاومة في غزة، ففي غزة يعتبر بأس كل من الإرادة والعزيمة في التمرد واستمرار الصراع مع الاحتلال لحين التحرر منه دافعًا دؤوبًا لا يذبل، بخلاف ما تمثله الدوافع التي يحاول إبقاءها الاحتلال لنفسه ولمستوطنيه في صراعه مع الفلسطينيين، والتي لو شملناها جميعها لن تتجاوز النظرة السياسية الضيقة.

إلى أين إذًا؟ بدايةً حجم الألم الذي يعيشه الغزي جراء أي تصعيد، وخاصة التصعيد الجاري الذي كابد من خلاله وجع الشهداء والجرحى وهدم الحجر هو ألم بالضرورة يعلمه ويدركه كل شخص بالبلد، وهذا الألم أعتبره أساس الصراع الذي دار سابقًا بين الناس حول جدوى الدخول في مواجهة محتملة.

ولا يمكنني استحضار أبلغ من قول الشهيد باسل الأعرج: «القرارات الصعبة تحتاج يا عزيزي الى حزمٍ وجزم، لكن كان بإمكاني أن أدلّك على شيء يخفف عندك بعضًا من ألمك، الأمر فيه ألم بكل تأكيد، حاول أن تتذكر أن أزمتك الوجودية فعلًا ترتبط بقضية سامية أكبر من أي صراع آخر، دع هذا الأمر في رأسك سيساعدك على تخطيه، دع فلسطين أمام عيونك».

قصد الشهيد تثبيت النظرة البانورامية الواضحة لفلسطين لا النظرة الاجتزائية المختزلة للصراعات والأوضاع الاقتصادية والسياسية. الأمر لا يحتاج لمقاربات زمنية بالتأكيد بين تجربة بلد وأخرى مثل أمريكا والفيتنام! فلسطين صراع نعيشه ونتجرعه يومًا بعد يوم، وكان لا بد أن نزيد من قوة الأداة المقاومة بزيادة الوعي اتجاه قضية فلسطين نفسها وتثبيت الرؤية الوجودية للإنسان الفلسطيني.

نستطيع تخفيف هذا الألم، أو بعبارة أخرى ما يخفف ألمنا وأوجاعنا هو علمنا الأكيد بأولوية قضية فلسطين، يمكن حدوث ذلك عبر أولًا: تحييد نتاج تلك المواجهات عن الأدوات نفسها أو مستخدميها «المقاومين» عبر تتبع مسار المقاومة في فلسطين، وآليات وتكلفة هذه الأدوات في تقويض سلوك الاحتلال على الفلسطينيين، بدءًا من الهبات، الإضرابات، الانتفاضات بأركانها المختلفة. الحديث عن كل هبة وكل انتفاضة وكل إضراب أمر غير ممكن اللحظة. لكن سنذكرها بعمومها من باب العمل بقاعدة: «ما لا يدرك كله لا يترك كله».

نستطيع وضع خط البداية في صراعنا مع الاحتلال الصهيوني من أحداث ثورة يافا التي تعتبر أول مواجهة فلسطينية مع الانتداب والصهاينة ومرورًا بثورة البراق 1929 ثم ثورة 1936، ثم معارك بواكير النكبة بطبيعة الحال (جدين، باب الواد، بئر السبع، بيسان، حيفا، خربة اللحم، الدهيشة، الزرّاعة، رأس العين، شعفاط، الشيخ جراح، صفد وغيرها الكثير)، ثم حرب النكبة ذاتها – بدأت تقريبًا من 15 من مايو 1948 حتى أبريل (نيسان) عام1949 – ثم حرب 1956، وحرب النكسة 1967، ومعركة الكرامة وحرب 1982، لبنان ثم انتفاضة الحجارة 1987 وانتفاضة النفق 1996، ثم الانتفاضة الثانية 2000، وانتهاءً بانتفاضة السكاكين والهبات الشعبية في القدس ودخول غزة في تصعيدات ثلاث، ثم المرة الرابعة في اللحظة التي يكتب فيها المقال.

المرور على كل هذا والنظر لطبيعة الصراع مع الاحتلال الصهيوني الذي يأخذ شكلًا متلاحمًا لا يهدأ، والذي يثبت كلما دخل الفلسطيني المواجهة أمامه أن مكنوناته السياسية والاجتماعية والأيديولوجية تحمل العنف والخراب بالضرورة، وهو الذي يدفع تكلفتها الفلسطيني نفسه في كل مرة، وأن السنوات التي اتخذت مسارًا هادئًا نسبيًا في المواجهات والأحداث وتبعها بالضرورة هدوء نسبي للخسائر والأهوال، وخاصةً ارتقاء الشهداء، إنما هي ليست من باب «رحمة» هذا الاحتلال بقدر ما أنها سياسة أولويات، وطالما وجد أمامه الطريق مفتوحٌ للسرقة والتهويد سيكون سؤاله اللامع لماذا علينا استخدام القوة المفرطة مثلًا؟ هكذا يفكر، وهكذا نفهمه، ونفهم سلوكه الذي يتصاعد ويغير أدواته القمعية والإحلالية في كل عقد من العقود، هو موجود فقط لإبادتك مهما كلفه الأمر.

ثانيًا: إطالة النفس في المواجهة أمر ضروري كذلك بالنسبة للفلسطيني وعليه أن يدركه سريعًا، كون الاحتلال يشتغل بشكل مستمر على طرد/إبادة ما هو ليس صهيونيًا، وهذا الاستمرار في التنكيل بكافة أشكال الحياة الفلسطينية ينذر خطرًا بالوجود الفلسطيني ذاته، إن إعطاء الفرصة للمحتل عبر هذه المساحة أمر يستنزف أي محاولة لاحقة في سبيل مواجهته. لو اعتبرنا أن هذه النقطة هي فرصة لاستعادة أدبيات المواجهة والصمود، واستعادة سير الهبات والشهداء، واستعادة سلوك الاحتلال الذي نسيناه في خضم الأوضاع السيئة الذي يعيشها الفلسطيني وخاصة الغزي، لو أخذنا بالاعتبار كل هذا سيحتم علينا الإيمان أن هذه المواجهة ستكون طويلة، بحاجة لتنظيم، بحاجة لحاضنة، تكافل وسعي، استقلال وتنمية اقتصادية، وإطراد المواجهات كمًا ونوعًا. ومن الطبيعي بعد هذا كله ستلقى صدام مباشر مع الاحتلال الذي سيحاول كسرها والتنكيل بكل من يقاوم.

الاحتلال يكذب دومًا

الاحتلال بشخوصه المتحدثة باسمه، وخاصة صفحة «المنسق» المنتشرة في كل مكان تقريبًا وباستخدام إعلانات ممولة يحاول أن يزرع في عقولنا فكرة أن «حماس» تستخدمنا كدروعٍ بشرية.
على قدر سخط الناس من إدارة «حماس» للقطاع التي باتت في الآونة الأخيرة عبئًا تحاول التخلص منه، وحِملًا تحاول تَركه بديونه ومشاكله وهمومه، إلا أن المقاومة وعلى رأسها الجناح العسكري لحماس لا تجعل من الناس دروعًا بشرية تحتمي خلفها، مثلًا شنت «إسرائيل» أكثر من 1900 غارة على قطاع غزة، منها شُنت على 1447 منزل ووحدة سكنية تضرروا بالكامل، شُنت أيضًا على أبراج سكنية كانت تضم بينها 205 وحدة سكنية، و33 مركزًا إعلاميًا، وكذلك هاجمت 75 مقرًا حكوميًا، ناهيك عن عدد الغارات التي شنت بشكل مباشر للبنى التحيتة للقطاع حسب المركز الإعلامي الحكومي.

هذا يعني من زاوية أخرى أن بنك الأهداف لمدة 11 يومًا كان بنسبة 80% منها وحدات سكنية ومنازل وأبراج تضم شقق ومراكز تدريبة وإعلامية ومحلات تجارية، وال20% المتبقية بنى تحتية وأراضي زراعية ومقرات حكومية. وهذه النسبة محرجة جدًا للاحتلال الذي يحاول بشق الأنفس أن يروج لهذه الكذبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

الاحتلال يحاول زعزعة الجبهة الداخلية للمقاومة، عن طريق زراعة الشك في عقول الناس حول ما الذي يوجد داخل هذا البرج؟ ما سبب استهداف هذا البيت دون غيره؟ وهلم جرًا من التشكيكات المحتمل حدوثها، إلا أن الاجترار نحو هذا الحيز من الحديث يجعل منا حمقى بما يريد نيله الاحتلال، حرفيًا أهدافه كانت تنم عن سياسة غير واضحة المعالم، متخبطة تمامًا وخاوية من أي بنك للأهداف. أي نعم تستطيع الحكومة في غزة أن تنقل بعض مقراتها الأمنية والخدماتية الموزعة في القطاع بعيدًا عن الأحياء السكنية، رغم تكلفة هذا على خدمة المواطن وتسهيل المعاملات، ورغم صعوبة توفر مكان يخلو من مناطق سكنية وقريبة من إمكانية تقديم الخدمة بأفضل صورة للناس، إلا أنه حتى لو فكرنا بهذا! معظم الاستهدافات لهذا العدوان شملت الأحياء السكنية، وليس مواقع للمقاومة! مهما فكرنا في الأمر سنجد أن سياسة الاحتلال هي القتل والإبادة، مهما استخدام «المكالمات التحذيرية» أو «تكنيك الطرق على الأسطح» للتحذير قبل القصف لتجنب قتل مدنيين، سنجد أنها ما هي إلا محاولات كاذبة يحاول أن يخلط الاحتلال الأوراق كلها في كومة واحدة حتى يتهرب ويؤلم قلوبنا. مهما بدا مهتمًا بروح الإنسان، لن تجد مبررًا إطلاقًا له حينما قتل أكثر من 230 شهيدًا بينهم أطفال ونساء، ولو أراد لارتكب إبادة جماعية تضع آلاف الشهداء دون أي ترجف له عين.

غزة بحاجة لمن يحتضنها الآن

التزم شعب غزة بصموده وأذعن دعمه للمقاومة، وهذا رأيناه في أكثر اللحظات حساسية خاصةً بعد قصف الاحتلال بيت العديدِ منهم، ورأيناهم يَصرخون بعزيمة بأنهم مع المقاومة، رأينا القهر في أعينهم مصوب نحو الاحتلال، الاحتلال وحده.
رغم هذا الالتزام إلا أن واقع غزة الاقتصادي الاجتماعي ما زال سيئًا، بل زاد سوءًا بعد هذا التصعيد بالذات، الأسبوع الأول كان كفيلًا بتعطيل عمل أسر كثيرة تعيش على المياومة، منهم سائقو التاكسي، أصحاب الحرف اليدوية، أصحاب البسطات، عمال المحلات التجارية والمصانع الصغيرة. ليس هذا فحسب، استمرار التصعيد يعني ازدياد تكلفة معاناة العديد من الناس الذين لا يملكون مدخرات تخفف أعباء استمرار هذا العدوان.

يعتمد الكثير من الشعب الفلسطيني على المعونات تحت نسبة فقر تقدر ب75% حسب وزارة التنمية الاجتماعية في غزة لعام 2019، وتمتلئ غزة بالأسر مستورة الحال التي لا تملك قوت يومها أو فقدت قدرة رب بيتها على إعالتها وإشباع حاجاتها، وهذه المعاناة المتجسدة في كثير من مناحي الحياة كلفتها عجزًا شبه دائم في محاولة النهوض مرة أخرى، تقريبًا ما يقارب 84.1% من سكان قطاع غزة تلقوا مساعدات عقب عدوان 2014 [1] في حين أن نسبة الذين تأثر دخلهم عقب هذا العدوان بالنقصان شكلوا ما نسبته 52.7% من سكان القطاع، ومن بقيّ دخلهم كما هو تقريبًا 45.1% من سكان القطاع، فيما تبقت النسبة الضئيلة لمن ازداد دخلهم عما كان قبل عدوان 2014 وتقدر ب1.9% حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني[2].

الجمعيات الخيرية مقابل العُونة الفلسطينية

في سبيل تحقيق استدامة لهذه الأسر للخروج من عنق الزجاجة ذاك، دأبت العديد من الجمعيات الخيرية المعتمدة على التمويل على توفير عدة خدمات إنسانية ومساعدات ضرورية لتلك الأسر، درست طبيعية المعاناة والمواد اللازمة لسد هذه الاحتياجات الأساسية من ثم توفيرها لعدد من الأسر حسب منهجية تختلف من جمعية خيرية لأخرى. لكن حسب «أمان» فإن نسبة استعداد تلك الجمعيات للوقوع في الفساد حسب دراسة طبقتها في عام 2013 ما يقارب 23.32% ضمن عدد جمعيات منتشرة في القطاع 846 مؤسسة خيرية، ويشكل مصروف أكبر 100 منها 80% من إجمالي مصروفات المؤسسات الأخرى مجتمعة وهذه نسبة مخيفة، أما عن حجم ما تقدمه من خدمات ما قيمته 800 مليون دولار للعام، وهو ما يعادل ضعف مصروف حكومة القطاع المتمثل ب292 مليون دولار حينها [3]. يُطرح التساؤل الجاد عن مصير النزاهة والشفافية وتجنب الاختلاس في التعامل مع هذا الحجم من الأموال؟ وما يزيده ضرورة هو بقاء حال الكثير من الأسر على نفس الشاكلة، رغم استمرار دخول الدعم للقطاع فكيف يحصل هذا؟

انتشار هذ النشاط المؤسسي كبديل عن «العونة» التي سادت أجواء ما قبل الانتفاضة الثانية، والتي ساعدت الفلسطيني على استمرار سعيه المقاوم ضد الاحتلال، يأخذنا إلى مساحة ضيقة جدًا من جمالية الاستمرار للأسف. وبالتأكيد ليس يسيرًا على أبناء غزة أن يكونوا ضمن دائرة مفرغة من المساعدات والمعونات الداعمة بعد كل عدوان، لكنها ضرورة إن كانت في سبيل استدامة الحياة والاعتماد الاقتصادي الصغير في القطاع، ولن تكون ذات فائدة تذكر إذا ما ظلت تصرف بأوجه شبه عشوائية لا تتجاوز خطتها التشغيلية أكثر من ستة أشهر.
لا بد أن تُفَعل الحكومة في قطاع غزة لجان مراقبة ومتابعة الإنفاق الدعمي لهذه المؤسسات، والتنسيق فيما بينها للوصول لأكبر عدد ممكن من الأسر المهمشة، ومحاولة تطبيق نظام عادل في التعويض والإعانة ومساندة الناس.

استدامة الحياة في غزة

بالطريقة التي طورت القدس أدوات تعاملها مع الاحتلال وترقب الأحداث التي يحاول استغلالها لصالحه، تمامًا كما حصل مع «يوم القدس» ومنع اقتحام المستوطنين، وكذلك وقوف الشباب في وجه السواتر الحديدية لساحة باب العامود، أيضًا إقفال التجار محلاتهم التجارية بباب حطة كلما سمعوا بغارة متوقعة لبلدية الاحتلال. يحق لغزة أن تطور أدوات اشتباكها مع الاحتلال بنفس الرغبة، عبر بدعم الحاضنة الشعبية بكل السبل الممكنة، حماية وإيواءً لها، وتكافلًا معها خاصةً بعد التصعيد، حتى تكون غزة مقاومة بكل أركانها ذات حركية مستديمة الطابع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد