كان لي يوم طويل نهايته حتمت برسالة ألغت يومي بإجازة رسمية، إجازة لكنها ليست كما تبدو أنها حالة الطوارئ التي تجعل من الوزارات والمؤسسات تبدأ ببث إعلانات تعطيل الدوام وقيام حالة التأهب والاستنفار.

لقد بدأ العدوان! سينتهي، سمعت عن تدخل مصري ولكنها ما زالت مستمرة، مستمرة في أيقاف حياتنا على هذا الحد، حد الموت والحياة.

زخم من الأخبار التي تحمل مضمونًا كافيًا ليعدم أنفاسي، أو أن أشعر بأني أتلاقطها وأجمعها من هنا وهنا، هاربين من الراوي لفهمنا لما يدور يهذا التسلسل، وهذا النسق المرتب للحكاية، هذا الإحكام الذي يجرنا للفناء، إنها كتلة المشاعر التي تسيطر علينا عندما يبدأ ناقوس الموت يدق أبوابه حولنا.

عملية اغتيال.. وطائرة «كواد كابتر»

«كواد كابتر» طائرة تتسلل لمنزل القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، وتلتقط صور مباشرة من داخل المنزل، وصولًا لغرفة نومه، حيث كانت تحمل قنابل خفيفة انفجرت بعد تصويره والتأكد من وجوده في غرفة منزله الذي لا يزوره إلا قليلًا بسبب ملاحقة الاحتلال.

بعد دخوله للمنزل بنصف ساعة، تمت عملية الاغتيال، وفارق أبو العطا الحياة، وزوجته أسماء، وأطفالهم الثلاثة في نفس المنزل، ليستيقظوا على فراق والديهم.

بدأت الضربة الأولى في حي الشجاعية، ولكن خلال لحظات، كانت غيمة السماء قد تلونت والشمس الفلسطينية نالت ما تناله من هذه الموجة من الحزن والأسى.

لم أكن أرغب بذكر كل هذه التفاصيل بما يخص عملية الاغتيال، ففي كل الوسائل هناك جريمة تنفذ، يحبها تهديد بلغة جديدة، نحن نصنع تكنولوجيا قتل الفلسطينيين، داخل منازلهم وهم بين أطفالهم.

مجازر عائلية

الحلقة الأخرى من العدوان هو القتل المزدوج، لا يسقط من العائلة الواحدة شهيد، لا بل برفقته آخر، وكان واضحًا من بداية العدوان، الذي بدأ باغتيال أبو العطا وزوجته، ومن ثم جريمة قتل ثلاثة مواطنين من عائلة عياد بينهما طفل، قتل بزعم الإرهاب، هكذا يبرر المحتل مجازره ضد الأمنين.

مجزرة عائلة أبو ملحوس

مجزرة دير البلح هي مذبحة منمقة ضحاياها أطفال، استيقظ سكان مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، على غيمة من الحزن، رائحة الدم أفزعت أرواحهم، «فقط أربعة صواريخ صنعت بمقاييس عالمية تغزو منزل عائلة بدوية مكونًا من الصفيح»، والفقيد ثمانية شهداء، خمسة منهم أطفال، ودعتهم المدينة، بكل بساطة أنت يسقط عليك خبر الجريمة الشنعاء وعليك بواجب الدفن والعزاء، وأنت لم تستيقظ بعد من هول الصدمة.

أنا لا أرى للمنطق ولا للعقل رؤية في قتل الأطفال، لماذا يستهدفهم العدو، هل هم حملة البندقية، أم أن ألعابهم الطولية أرهقت مدعي السلام وهم الأكثر انتهاكًا للمواثيق والمعاهدات.

شهداؤنا ليسوا أرقامًا

من يقتل ويدفع ثمن البقاء على الأرض ليس رقمًا، من يشيب في عمر الشباب، من يحمل على أكتافه الوطن فقط لأجل الوطن، لأجل التنشئة والتربية لأجل أن نحيا بالوطن الذي هو كل ما نملك، فلا كرامة للفلسطيني في أي بقعة غير وطنه، كما هي الآن، حيث هنا حتى الموت كرامة لأنها الشهادة التي تنزف مسكها، إنها المعجزة في وسط اليأس على فراق المرتحلين بمسك الجنان إنها الشارة الأولى على منزلة الأوفياء.

أنا أعتذر لأني أتحدث عن الحرب ولغة القتل، التي لا نجيدها، أطفالنا كانوا نائمين آمنين في منازلهم، أعتذر لكوني لم أذكر سوى القليل والعدو فعل الكثير، أعتذر لكوني لست قادرة سوى على الكتابة والدعاء، أعتذر لأني أظن أن معضلتي النفسية التي ألحقتها بي الحرب هي أكبر ما قد يصيبني، وقد أصابكم الكثير من الألم.

نحن في حالة دائمة من الصراع ومن يملك القوة الآن، ليس هو من يملك الحق، نحن أصحاب الحق وثباتنا على الأرض هوه القوة الحقيقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد