مثلت الزيارة التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للسودان، بأنها الأولى لرئيس تركي للسودان منذ استقلاله، وفي إشارة أولية للأهداف المتوخاة من هذه الزيارة، فإنه يمكن قراءتها بأنها تأتي في إطار دفع العلاقات السودانية التركية إلى مزيد من التعاون في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية، كما أنها تأتي في إطار تعزيز الوجود التركي في القارة الأفريقية، من خلال تطوير العلاقات مع السودان ذات الموقع الجغرافي المتميز.

إذ يرجع الاهتمام التركي بالقارة الأفريقية إلى القرن الخامس عشر الميلادي، ومن ثم تمددها جنوبًا من أجل حماية الممالك الإسلامية من العدوان البرتغالي، ما سمح لقواتها البحرية من التواجد في الجزء الشرقي من القارة، وهذا الاهتمام أيضًا تواصل حتى بعد انهيار الدولة العثمانية، وبعد إعلان الجمهورية في العام 1923 قل اهتمام الأتراك بالقارة، ولكن بعد الأزمة القبرصية التي دعمت فيها كثيرًا من الدول الأفريقية الموقف اليوناني، دفعت تركيا إلى إعادة اهتمامها بدول القارة من باب كسب دعمها السياسي، ففي العام 1998 أعلنت تركيا عن وثيقة سياسية تحت عنوان (سياسة الانفتاح على أفريقيا)، وذلك كسياسة مقابلة لدول الاتحاد الأوروبي، التي رفضت تسجيل عضويتها بالاتحاد في 1997.

مع وصول حزب العدالة والتنمية لسدة الحكم في تركيا العام 2002، تبنت تركيا سياسة خارجية انفتاحية على كل دول العالم، وعلى القارة الأفريقية خصوصًا، وبذلك أعادت تركيا جزءًا من دورها التاريخي، وبالتالي فإن زيارة الرئيس أردوغان للسودان تأتي ضمن هذا المنظور الانفتاحي، وتحديدًا في المجال الاقتصادي، حيث يرى كلا الطرفين أن حجم التبادل التجاري قليل جدًا، وبعد قرار رفع العقوبات الأمريكية عن السودان، يمكن أن تسهم هذه الظروف بتحقيق هذا الهدف، وخصوصًا أن السودان يتمتع بموارد طبيعية ضخمة.

ومع أن بعض المحللين يعتبرون أن زيارة الرئيس التركي تأتي في إطار سياسات تركية مناوئة لمصر في المنطقة، والتي تسعى بدورها إلى تحجيم الدور السياسي التركي، من خلال علاقات تحالفية مع مختلف دول المنطقة، التي لا تتمتع بعلاقات جيدة مع تركيا، ولكن يمكن القول إنه ليس هناك شيء من هذا القبيل، فبالرغم من التأزم الحاصل في العلاقات السياسية المصرية–التركية، فإننا نجد التبادل التجاري بينهما في تزايد مضطرد، لذلك فإن كلا الطرفين يحاول الحفاظ على العلاقات الاقتصادية مهما تصاعدت الأزمات السياسية البينية، بل يمكن القول إن الزيارة التركية تأتي كسعي تركي للحصول على فرص استثمارية كبرى، في ظل التدافع الدولي الحاصل على السودان، بعبارة أخرى تريد تركيا حجز موقعها الاقتصادي في السودان من الآن.

بالنسبة للسودان فهذه الزيارة مهمة جدًا من أجل تعافي اقتصاده، بمعنى أنه يولي هذه الزيارة أهمية اقتصادية أكثر من كونها سياسية، فأولوية الحكومة السودانية الحالية هي تطوير العلاقات الاقتصادية، وليس أخذ مكان في التحالفات الدولية والإقليمية، لذلك علينا أيضًا أن نقرأ زيارة الرئيس البشير لروسيا الأخيرة من هذه الزاوية.

خلاصة القول: العلاقات السودانية–التركية هي علاقات ليست بالجديدة، كما أنها لم تشهد حالة من التأزم الكبير، لذلك فإن زيارة الرئيس التركي الحالية تهدف الى: تطوير العلاقات الثنائية، وإيصالها إلى رحاب أوسع وخصوصاً في المجال الإقتصادي، فهي ليست محور جديد بالضد من دول المنطقة، وهو ماصرح به الناطق بأسم وزارة الخارجية السودانية في مؤتمره الصحفي الأسبوعي في العاصمة الخرطوم، من خلال إشارته بأن السودان يقف بالضد من سياسة المحاور والأحلاف، وأنه يقف على خطوة واحدة من كل دول المنطقة، ولا يمكن أن يسعى السودان من خلال علاقاتها الدولية إلى تهديد الدول الأخرى وأمنها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد