لم أكن لأقرأ تلك الرواية، رغم أن العديد من أصدقائي تحدثوا عنها أمامي، وقرأها منهم الكثير أيضًا، ولكنها لم تجذبني. ليأتي أمس ويقدم الراويةَ لي أحد الأشخاص الرائعين، وبدأت بتصفحها لعدة دقائق، بعد ذلك عُدت للصفحة الأولى وصرتُ أسيرًا بها صفحةً تلو الأخرى، ولم أتمكن بعدها من إفلات الكتاب، وبدأت تتقلَّبُ صفحاته من تلقاء ذاتها، وكأن شيئًا ما بداخله يجذبني، أو كأنني أطاردُ شيئًا أريد الوصول إليه الآن، أو لأنني أشعر بشيء ما غريب عند قراءتي للكتاب، حيث إني بدأت بقراءته في الثامنة صباحًا لأنتهي منه في اليوم ذاته في الرابعة عصرًا، أي ما يقارب الثماني ساعاتٍ، فقط وقرأته بكثيرٍ من التمعن والفهم، وصرت أحيكُ القصة في عقلي أيضًا كي أحصد أكبر قدرٍ من الفائدة.

جميع الإشارات التي واجهها سانتياغو هي ربانية، ولم تكن من البشر «الغجرية، والملك، والخيميائي، واللص، وصاحب المقهى الذي كان يحذره من الحرامي، والواحة، ورسم الصقور وامرأة الصحراء – حبيبيته-» ولكن لكل شخصية من هؤلاء صفات خاصة، وكل منها علَّم سانتياغو شيئًا مختلفًا وأدرك أن هناك أناسًا سيئين، وأن هناك آخرين جيدين في هذه الحياة، وإنما الحياة أصلًا مزيج من الخير والشر، ومن الإشارات أيضًا تعلَّم أن معرفة شيء واحد لا يمكن أن يجعله مُلمًّا بكلِ أمور الحياة، والسعي وراء الهدف حاجة ورغبة وضرورة يجب ألا ينزاح عنه الإنسان، مهما كانت ظروفه وأحواله.

والنقطة الأهم في سانتياغو أنه كان مؤمنًا بنفسه، وعلى ثقة كبير أنه سيحقق حلمه الذي رآه في المنام مرتين، رغم أنه كان راعيًا، ولكنه مختلف نوعًا ما عن باقي الرعاة؛ لأنه يقرأ ويحكي القصص لأغنامه، وكما أدرك أن الأشياء البسيطة هي الأكثر غرابة، وأن السفر يساعد باستمرار على اكتساب أصدقاءٍ جُدد، لسنا مضطرين للبقاء معهم دائمًا، وفي كل موقف يحدث له كان يتذكر أمرًا مختلفًا.

وبدأ رحلته بالبحث عن الكنز ليواجه الكثير من الأمور، ويخوض العديد من التجارب، وكل ذلك في سبيل تحقيق الرغبة والأحلام، كما أنه في بادئ الأمر تخلى عن كل ما يملك – قطيع الخراف- ليستطيع أن يبدأ الطريق، ويعني هذا أنه ربما نَمرُ ذات يوم ونعطي كل شيء، ولكن في الوقت ذاته يكون اليوم هو بداية الطريق الذي ما زلنا نسعى لكي نصل من خلاله إلى ما نريد.

وأما أنا عملتني الخيميائي أن أقرأ؛ لأنني قد أجد شيئًا في الكتب، حتى وإن كانت خيالية، لا يمكن أن أجده لا بالبشر ولا في هذا العالم، كما علمتني أن أبحث عن شخصي أو كما تقول الرواية «أسطورتنا الشخصية» مهما كلَّف الأمر، ومهما كان الثمن، وأنه يجب عليَّ أن أختار بين شيء تعودتُ عليه، وآخر أود بشغف الحصول عليه.

أدركت بصفحاتها الأولى أن الإنسان قد يتعلم من أشياءٍ أو كائنات كان يظن أنه بعيد عنها كثيرًا، أو لا فائدة من وجودها أصلًا، واستمريت في المسير داخل صفحاتها لأتعلم أكثر مثل أن رسم الأحلام، والتخطيط لها وحده، لا يكفي، وإنما نحتاج إلى المغامرة والجرأة والمحاربة، وتعلم التجارب من الآخرين، كي نصل.

وأيضًا أدركت أنه في هذه الحياة ذات يوم من الأيام يمكن أن ألتقي بمن يفكر تفكيري نفسه، ويمكنُ أيضًا أن نتصادف بأشخاصٍ في حياتنا لمرة واحدة، تاركينَ وراءهم الأثر الجميل طوال الحياة، وتعلمتُ أن أصغيَ إلى قلبي؛ لأن القلب لا يخطئ، ولأنه لا أحد يستطيع الهروب من قلبه، ولن نتمكن من إسكاته إطلاقًا، حتى وأن تظاهرنا بذلك، وأن العيون تُعبر عن قوة الأرواح، وأن الشيء الوحيد الذي يجعل الحلم مستحيلًا هو الخوف من الفشل.

ووصلت إلى وسط الرواية لآخذ عبرًا جديدة، مثل أن هناك أشياء في هذه الحياة تعطي الدروس، كالصحراء والبحار، لكن علينا أن نتكلم لغاتٍ متعددة؛ أي نفهم الأمور تمامًا، وندركها بالوعي الذي بداخلنا، وأنه لكلٍ منا أسلوبه في التعلًّم المختلف تمامًا عن الآخر، والناس التي تعتقد لا تستحق بلوغها الحلم، أو لا تقدر على هذا، لن تتمكن من الوصول إلى شيء أيضًا.

والنصيحة الأجمل كانت هي كي تعيش في سعادة يجب عليكَ البقاء دائمًا في الحاضر، فلا العودة للماضي مناسبة، ولا التفكير في المستقبل له فائدة.

وما تعلمته أخيرًا أن الشيء الوحيد الذي يعطي الأمل هو الحب، وهذا ما حدث مع «امرأة الصحراء» حبيبيته، وما حدث معه، والحب لا يُبعد الأشخاص عن أحلامهم، أو طموحاتهم، أو مسيرة حياتهم، ولا يغير مجرى الطريق أيضًا، بل على العكس تمامًا يُسهل من طريق العودة، والحب يزيدُ من الصبر ويقوي الإدارة، ويَمدُ بالقوة، وأن الحب يبقى في الروح ولا يرحل، لذلك اختار أن يكمل طريقه نحو الكنز ويعود أدراجه إلى حبيبته؛ كي يكملا الطريق معًا.

وفي الختام قد يكون حُلمنا قريبًا منا جدًّا، ولكن لا نصل إليه بدون سعي، وهذا ما حدث في نهاية الرواية عندما وصل إلى الأهرامات، وعَلِمَ أن كنزه في الكنسية المهجورة التي كان يرعى فيها الغنم، ولكن العبرة من ذلك أنه في مشوار بحثنا عن أحلامنا نجد الكثير من الأمور، ونصل إلى درجاتٍ عالية من المعرفة، ونتعرف على أشخاصٍ جُدد يبقى لهم الفضل في حياتنا، وأن الحُب كنز.

وأخيرًا وليس آخرًا، ما من عملٍ يعد منجزًا إلا بلوغ الهدف، وأصبحت مقتنعًا بما كَتَبَت من أعطتني الرواية على أولى صفحاتها، العبارة الأكثر تكرارًا في الرواية وهي:

«إذا رغبت في شيء فإنَّ العالم كله يطاوعك لتحقيق رغبتك»، ولكن فقط علينا أن نكونَ أكثرَ فهمًا، وأن نأخذ الدرس، ونكمل المسير، وألا نقف، إلى أن تدمع أعيننا حينما نصل، وبعد ذلك نعود ونكون أشخاصًا مختلفين تمامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد