بغض النظر عن الإنجازات الإيجابية للرئيس السابق، فقد عرفت البلاد الجزائرية أيضًا التنامي اللاّمحدود لعمليات الفساد بمختلف أشكاله وخاصّة في شقّيه المالي والإداري، حيث لم يكن للفساد مكان ولا عنوان، فقد شمل جميع القطاعات، وذلك بالرغم من استحداث هيئة لمكافحته، ولكن بتوالي جُمعات حراك الشارع والذي أزاح وأبان عن فساد مالي رهيب، متشعَّب ومتفرَّع في جميع مستويات الدولة، استطاع أن يُحرّر العدالة، لكي تُمارس مهامها المنوطة بها كاملة دون أي قيود أو ضغوط.

فقد تصدّرت المحاكمات الماراطونية لرجال الساسة والأعمال في الجزائر المشهد السياسي والإعلامي، حيث إلى غاية الآن يشهد الشعب برمّته عن أكبر الفضائح المالية، الاقتصادية والسياسية، وذلك من خلال سلسلة التوقيفات والتحقيقات التي طالت العديد من المسؤولين النافذين في الدولة ابتداءً من رؤساء سابقين للحكومة وولاة ومديرين تنفيذيين وموظفين إداريين إلى رجال أعمال، ولا تزال المتابعات القضائية مستمرّة في حقّ كلّ من ساهم من قريب أو بعيد في إلحاق الضرر باقتصاد البلد والعبث بمقدراته.

والغريب في الأمر أن هاته الشبكة من الفاسدين لم تصمد طويلا، فقد تهاوت أوراقها في أولى جلسات التحقيق القضائي، ما يعكس بذلك هشاشة هاته الحكومة خلال العقدين السابقين، والتي بُنيت على أُسس غير سليمة، فحالها كحال العنكبوت بتفرع خيوط فسادها وبيتها الواهن الضعيف الذي لا ينفع والذي يُخرب ويُتلف بسرعة، وقد شبّهنا الحكومة بهذا المثل نظرًا لضعفها في حماية نفسها حتى من أبنائها، وقد استعرنا هذا المثل من القُرآن الحكيم، فقد شبّه الله الذّين يشركون به ويتخَّذون من دونه آلهة لا تحميهم كبيت العنكبوت،حيث قال الله تعالى في محكم تنزيله «مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» 40 سورة العنكبوت.

يضاف إلى ذلك، فقد ساهمت كلّ الأحزاب السياسية التي تنشط بمختلف توجهاتها، والجمعيات والمنظّمات، والاتحّادات في مختلف المجالات والنقّابات في كلّ القطاعات، والمؤسسات الإعلامية، في انتشار هذا الفساد في عروق النظام وإضعافه، فلا رقابة ولا محاسبة ولا متابعة تُذكر، فكلّ واحد معني حسب موقعه.

إنّ استغلال المنصب العام لتحقيق مكاسب ماديَّة، والاعتداء على المال العام عن طريق منح امتيازات بالجملة لرجال الأعمال كالاستيلاء على الآلاف من الهكتارات والممتلكات وسحب الأموال من البنوك بدون ضمانات كافية، كانا ومازالا أبرز القضايا التي فُتحت ملفاتها من طرف القضاء، وما هو قادم لأعظم لكون ما زالت عدّة تساؤلات وأُمور مبهمة في الأفق تحتاج إلى إجابات.

وقد استغل في وقت سبق الكثير من المسؤولين الحكوميين لمناصبهم لتحقيق أرباح خاصة، فقد نتج عن تزاوج السلطة والمال تفشي الرشوة والمحسوبية والوساطة والمحاباة، والتي تعتبر أدوات غير أخلاقية للوصول إلى المبتغى، الأمر الذي أدّى إلى إضعاف أداء القطاعات الاقتصادية، وذلك بالتزامن مع انهيار أسعار النفط، المدخول الوحيد للبلاد، فلم تعُد الخزينة تتحمّل أعباء عجز الميزان التجاري، فانتهجت سياسة التقشف وما نتج عنها من تجميد أغلب المشاريع الكبرى، وارتفاع في الأسعار وضعف في القدرة الشرائية، واتّسعت بذلك الفجوة ما بين الأغنياء والفقراء.

ِزد إلى ذلك المشاكل الاجتماعية الأخرى التي يتخبّط فيها المواطن البسيط كالإسكان والمُرافقة الصحيّة في بعض المناطق الداخلية والجنوبية لللبلاد، وغيرها من الهموم التي لا تُعّد ولاتُحصى، و إن اختصرنا الأمر فسنوجزه بأنّ عجلة التنمية بطيئة جدا في تقدّمها، وذلك بالمقارنة بجيراننا الأشقاء وباعتبارنا دولة غنية… فيا لها من مفارقة عجيبة!

كما أنّ هاته الفترة من المحاكمات، عرفت تغيّيرات وتعيينّات جديدة في المجالس القضائية والمحاكم، الأمر الذي يعكس النيّة الحسنة للسلطة في مُواكبة الحراك وتلبية مطالبه خطوة بخطوة، فمعالم التغيّير بدأت تتجلّى وتتضَّح مع الوقت، فمعالجة هذا الكّم الهائل من القضايا والتحقيق مع الكثير وفي فترة زمنية قصيرة، ليعكس إصرار العدالة الصادق في إعادة الثقة والطمأنينة لدى المواطن، وفي انتظار إصلاح باقي الهيئات، فإن إصلاح جهاز العدالة الآن وفي هاته الفترة بالذات من إصلاح النظام بأكمله.

إنّ المطبلّين للعهدة الخامسة هم نفسهم الآن وراء القضبان، مما يعني أن إصرارهم على استمرار حكم الرئيس السابق، ليس حُبًّا في الوطن وإنما حُبًّا وضمانًا لمصالحهم ومصالح أبنائهم، فالآن حصحص الحّق وانكشفت نواياهم.

فتجمهر المواطنين أمام مختلف المحاكم والسجون لرؤية
المتهَّمين في أضعف حال والتشفَّي بتوقيفاتهم والشماتة فيهم، ليعكس ذلك الاحتقان في النفوس المقهورة والمظلومة، وفي نفس الوقت نصرة للعدالة وإيمانًا راسخًا بعُلُو دولة القانون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد