22 فبراير الواقع والارتدادات

بدأ الحراك يلقي بنفسه في منعرجات حاسمة، وقد نقول خطيرة أيضًا لما ستفضي إليه من تحولات جذرية في الساحة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وحتى الثقافية، تحولات سيكون وقعها كبيرًا في الظرف الراهن، من أعلى سلطة في هرم الدولة إلى أبسط مواطن سيجد نفسه أمام فوضى عارمة ستحل به وبالجماعة الاجتماعية، الفوضى هنا أقصد بها الضبابية الكبيرة لما هو آتٍ على الساحة السياسية، بما فيها «من سيكون المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية القادمة؟»، وكيف سيكون العمل للوصول إلى انتخابات يأمل كل جزائري أن تكون نزيهة وشفّافة، يقول فيها المواطن رأيه وينتخب رئيسًا لعله سيكون المخلص للوضع الراهن، الذي ظل راكدًا لسنوات عديدة، كان للجنرال السابق اليد الطولى في ذلك.

تتوالى الأيام ويريد الجنرال بمؤسسته العسكرية أن يهدئ من روع الحراك الشعبي الجارف الذي لا يختلف إثنان على منطقه، والإجماع الذي لقيه في الأوساط الشعبية، ولكن موازين القوى تغيرت بعد ذلك، وتلقف الجنرالات الفرصة وأزاحوا الخصوم بضربات ارتدادية لأعتى المنافسين، حتى من داخل المؤسسة العسكرية، فكان أن نجح في ذلك بمساعدة الحراك طبعًا، الذي أضفى على حركة الجنرالات مصداقية «حتى على الساحة العالمية الذي يظهر، وأن ما يحصل في الجزائر مشكلة فساد عظيمة، وإجراءات دستورية وأمنية رحب بها كل الجزائريون.

فأصبحت الدول الأوروبية تترقب بحذر فقط مادام الشعب يساند الوضع الراهن، فاقتنعت معظم الدول الأوروبية بأن الشأن الداخلي يجب عدم التدخل فيه، بل فرض أعلى مستوى من الترقب لما سيحدث»، الجنرالات هذه المرة أذكى من قبل بكثير، كل خطوة محسوبة بألف، تعلموا الدروس من الماضي.

فكما يقول المثل «غلطة الشاطر بألف»، فكان الجنرال بمؤسسته يزحف نحو الخصوم «كما أسماهم بالمفسدين» وفتح ملفاتهم الواحد تلو الآخر، ووضع خطة دستورية دقيقة وسار عليها وفق رؤية محددة، والخروج بالأزمة إلى الانتخابات التي تعد الحل والمخرج الوحيد للوضع الراهن الذي يفرض ذلك، «والانتخابات هي الحل الواقعي»، الجنرالات هذه المرة أقوى وأذكى تخطيطًا وممارسة، يسير ويحرر العدالة ويحيل عليها رؤوس الفساد، ورجال الأعمال، ووزراء وزنهم ثقيل جدًّا، بملفات وصفت بعض التقارير والعدالة أيضًا بأنها صفقات بالمليارات الدولارات وصفقات مشبوهة ورطتهم، كان السبيل الوحيد هو وضعهم في سجن الحراش، والبعض تحت الرقابة القضائية، واستدعاءهم من حين لآخر شاهدًا أو متهمًا.

يبقى السؤال يطرح نفسه، ماذا سيكون مآل الحراك وإلى ماذا سيفضي؟ وهل الانتخابات حقًّا هي الحل «في الوضع الراهن هي الحل الواقعي والوحيد بشرط أن تكون نزيهة وشفّافة»، من سيكون المرشح المحتمل والقريب من قصر المرادية، والذي سيحكم في ظل تغيرات جذرية على المستوى العالمي، والداخلي؟ كيف ستكون المرحلة القادمة التي ستكون حسب رأيي تاريخية ومثيرة بأحداث يتوقع الخبراء أن تكون حاسمة فى تاريخ الجزائر، إذ ربما ستكون الكلمة الفصل للمواطن الجزائري، الذي يحلم بانتخاب رئيس للجمهورية يكون شرعيًّا مُنتخبًا لأول مرة؟

أسئلة كثيرة يجب التركيز عليها وقراءتها قراءة سوسيولوجية، اجتماعية وجيوسياسية، بعيدًا عن التعصب الهوياتي ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ولا لأي انتماء عرقي إثني فضل على البقية، مادام يتوطن أرضًا واحدة، يحلم بتغيير واقعها.

خلاصة، أريد تأكيد شيء مهم جدًّا، وهو في بداية الحراك الشعبي، توحدنا فكان سقوط النظام السابق سقوطًا حرًّا ودراماتيكيًّا، ولم يستطع الصمود لجمعات متتالية ومعدودة، فلا يجب التفرق لأجل هوية يعترف بها البعيد قبل القريب، وتعد رمزًا من رموز ثورة الشعب في القرن الماضي، لا بل مصدر قوة ملهمة وبطولة أجداد ستظل مبدأ راسخًا وطريقًا جوهريًّا يجب التشبث به لصناعة الواقع بمعطيات تاريخية وأبعاد سياسية جديدة، لذا الاتحاد حول مطلب واحد «هو التغيير» السبيل للخروج بالوطن من منعرجات خطيرة، أي خطأ فيها أو هفوة ستعقد الوضع كثيرًا، ربما حتى أسوأ من العقود الماضية بكثير؛ لأن الحراك درس توعوي لأجل الوطن، وليس لمصالح شخصية فردية، تخدم أفرادًا معينين فقط، بل الدفع بعجلة التنمية «الوعي والاقتصاد هو التنمية الحقيقة في رأيي»؛ لأنه العقل الذي يفرض نفسه على مرور الحضارات والبلدان في شتى بقاع الأرض، العقل الواعي هو الحصن المتين لقيام أي حضارة، الوعي هو من يجعل الفرد في المجتمع حرًّا يعرف حدوده وحقوقه، يتمتع بحقوقه المدنية المشروعة، في المقابل يرى واجبه مقدسًا تجاه مجتمعه أولا ثم الوطن، غير هذا سنعيش في دوامة وفوضى عارمة لا يريد أي متشائم أن تحدث مرة أخرى، فما بالك من يريد مستقبلًا يرى فيه حلمًا مشروعًا وغير بعيد المنال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد