كنت أتوقع كالعادة المألوفة خروج آلاف الأساتذة والطلبة والإداريين للمطالبة بحقوق مسلوبة من قبل الحكومة كما فعل ذلك الأطباء المقيمون وطلبة المدارس العليا، فكانت هناك إمكانية بأن تضج ساحات الجامعات، التي فاق عددها بفضل سياسة التوسع المتخذة من قبل رئيس الجمهورية الثلاثين جامعة، بشرائح مختلفة يفترض غالبًا أنها مثقفة تمثل نخبة المجتمع كما هو الحال في الدول المتقدمة، ليخرج الصحافيون للتغطية، ثم تصبح قضية رأي عام في حال قامت قوات الأمن بواجبها المفروض قانونًا، أو تلبي الوزارة المعنية جميع المطالب، وما إلى ذلك من توقعات لثورة جامعية محتملة، لكن كل تلك الاحتمالات والفروض التي وضعتها نظرًا لتحليلي المتواضع لم يحصل أي منها سوى تأجيل الإضراب لغاية بت القضاء في شرعيته من عدمها، فهل يستحق المجتمع الجامعي تلبية المطالب المرفوعة والمطالب بها، وهل تستحق الجامعة الجزائرية وزارة تعليم عال بمثل ذلك المستوى المنحط في التسيير؟

    يجب قبل كل شيء التوقف عند نقطة خطيرة تتغافل عنها الوزارة ربما جهلًا بالتاريخ أو تناسيًا والاحتمال الثاني أقرب للصواب، وهي سير الجامعة الدائم على صفيح ساخن بداية بمظاهرات منطقة القبائل سنة 1980 بعد منع الدكتور مولود معمري من إلقاء محاضرة حول الشعر الأمازيغي ليليها التفاف شعبي معه، وما تبع ذلك من اعتقالات ومداهمات أمنية تكررت فترة العشرية السوداء أثناء دخول أعوان الأمن لحراسة الطلبة بجامعة الجزائر عديد المرات ودخول قوات الجيش لمعهد العلوم القانونية بالبليدة بعد أن تعرض لهجوم من قبل مجموعة إرهابية، وما تبع ذلك من تعاطف جامعي مع قوات الجيش أو مع بعض الميليشيات الإرهابية، فانقسم المجتمع الجامعي إلى مساندة أحد أطراف القتال، أما الاحتجاجات المتكررة للطلبة والأساتذة والتي لا تتوقف أبدًا فحدث ولا حرج عنها لتعدد المطالب وصم الوزارة في غالب الأحيان لآذان الحوار واستبيان لمجموعة أساتذة وطلبة في أصغر مركز جامعي جزائري كفيل بتبيان حالة التذمر والغضب وسط المجتمع الجامعي.

    وبالتالي فان الجامعة الجزائرية لم تكن يومًا منقطعة عن النسق العام الذي تسير فيه البلاد، فمنها تخرجت القيادات اليسارية واليمينية والإسلامية، بل حتى تلك التي قادت الجماعات الإرهابية يومًا، فهي التي أدخلت البلاد في صراع إيديولوجي، ثم مسلح فقد كانت هذه الأخيرة ولازالت دومًا بؤرة توتر، ولم تنعزل يومًا عن الواقع المعاش للبلاد والطبقة السياسية العليا في البلاد على علم بهذه الحقيقة التي لا يتناقش فيها اثنان، ولكن الإشكال المؤرق لماذا تصمت هذه الطبقة على المطالب المقدمة لها من قبل المجتمع الجامعي في هذه المرحلة الخطيرة المعاشة من مظاهرات للأطباء وغلاء فاحش للأسعار وأزمة اقتصادية وأمنية، فهل هناك ما يعد في الخفاء للبلد، انطلاقًا من الجامعة؟

    إن الآلاف التي أجلت خروجها يوم الرابع عشر جانفي الفارط كانت ستعكس حالة غضب شعبي على الواقع المعاش وعلى سياسات فاشلة أوصلت البلد إلى الحالة المأساوية لكل القطاعات والمجالات وسط تغول الطبقة البورجوازية وتدني مستويات المعيشة، خصوصًا في المدن الجنوبية والحدودية، ولعل الطبقة الجامعية تنتمي إلى المتوسطة حيث إن متوسط الدخل في الجامعات بالجهة الشمالية يبلغ ثمانية ملايين وبالجنوب أربعة عشر مليونا، وكلا الأجرين غير كافيين لتغطية كافة مصروفات الحياة اليومية، كما أن الدريهمات الممنوحة للطلبة كل ثلاثة أشهر لا تكفي لشراء قميص أو سروال جيد، فما بالك بصرفها فيما يفيد هذا الفقير المغلوب على جيبه، فإن أحد أولى المطالب الواجب مناقشتها مع الوزارة هو رفع الأجور وقيمة المنحة الجامعية قبل مناقشة مسألة التوظيف أو التخصصات المتخلى عنها أو عن توظيف خريجيها لأن تلك مسألة يسأل فيها المفتش العام للوظيف العمومي.

    ولكن بعيدًا عن احتجاجات المجتمع الجامعي ورد فعل الحكومة، فإن التبرير الأفضل لحالة التعفن التي وصلت لها الجزائر هو تعفن النسق النظامي العربي الذي تسير في فلكه؛ ما جعل البلد حتميًا مستنقعًا آسنًا، فحين تعجز الحكومة وهيئاتها الجهوية والولائية عن حل أبسط المشاكل المطروحة أمامها متمثلة في حفرة طريق أو بناء عمارة مغشوشة البناء، فلا يتوقع منها حل مشاكل مليوني فرد أو أكثر داخل الجامعة ذلك أن هذا حسب الخطاب الرسمي ممثلًا في بيانات الحكومة وتصريحات الوزراء ليس من اهتماماتها بقدر ما يهمها ترسيخ الجهوية والعرقية بطرق مختلفة وآخرها إصدار مناشير رسمية باللغة الأمازيغية وجعل هذا الموضوع مادة دسمة في كل بقعة جغرافية بالبلد للهروب من المشاكل المحورية، ليس جهلًا بالحلول لهذه الأخيرة، إنما نظرًا لحالة التخبط الملاحظة على دوائر صنع القرار وفي قرار الوزير الأول بخوصصة المؤسسات العمومية، ثم إلغاء رئيس الجمهورية لهذا القرار خير مثال.

    فحالة الفساد والتعفن التي تعيشها الجامعة الجزائرية ليست بالجديدة، بل هي واقع مرير فرض نفسه بقوة على الساحة الوطنية ولعل الفضائح الدورية التي تنشرها الصحافة الوطنية وبعض صفحات وسائل التواصل الاجتماعي حول بعض القضايا التي يكون أبطالها مدراء جامعات أو أساتذة والمتراوحة بين إنجاح أقاربهم، تزوير محاضر الدكتوراه، قبض الرشوة لأجل إنجاح فلان ومن هذه الحالات وقعت المئات، كل هذا من نخبة يفترض أنها مثقفة وتمثل عماد المجتمع نظرًا لتصديرها للكفاءات العلمية والعقول النيرة، لكن الجامعة الجزائرية مع الأسف تتقهقر في كل النواحي يومًا بعد آخر لعديد الأسباب المتعارف عليها، لكن ومع الأسف يتجنب حلها لغاية في نفس يعقوب.

    كما أن رفض الوزارة غالبًا فتح أبواب الحوار مع المجتمع الجامعي والنزول إلى الجامعة للبحث في المشاكل الحقيقية ومحاولة اقتلاعها من الجذور أيضًا يعد عاملًا رئيسًا في حالة الفساد والتعفن المعاشة، فبدلًا عن جعل الجامعة الجزائرية مثالا يحتذى به ويتفاخر به أمام الدول الأخرى بعدد البحوث العلمية وبراءات الاختراع والكتب المنشورة؛ تترك ليدخلها السوقة الذين لا علاقة لهم بطلب العلم ويسيرها أصحاب المصالح اللذين لا يهمهم رقي علمي ولا حضاري بقدر ما يهمهم ملء الجيوب.

والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد