حين نتأمل التاريخ الطويل للأمازيغ نجده تاريخ نسيان وغفلة، امتدت حتى أصبحت مع مرور الأيام ذاكرة تسم الإنسان الأمازيغي وتستوطنه، كأن قدره المحتوم أن يعيش بعيدًا عن ذاته عبر لغة أخرى يعبر بها عن احتياجاته، أو قريبًا من تلك الذات انطلاقًا من أمازيغيته، اللغة شعرًا وأحلامًا وتداعيات، إنه التشظي في أبعد وأجلى صوره، لكن هذا الإنسان لم يكن دائمًا هكذا، أو لنقل إنه كانت له أمجاد بطولات وتشريعات وفكر وثقافة، تمخضت عن عصور مختلفة قبل وأثناء تواجد الوندال والفينيقيين والرومان وتلاقحه مع ثقافتهم المختلطة، وصولًا إلى بداية الفتح الإسلامي، وهو التاريخ الذي وصم فيه العربي الإنسان الأمازيغي بصورة البربري.

تحمل البربرية معاني متداخلة، لكنها معان تنتظم في خيط عقد هو الجهل والوحشية، فالبربري هو الذي لا دين له، ولا قانون ولا ملة، بل هو الكائن البعيد من حدود الآدمية والإنسانية، وهو الإنسان القوي الذي لا يرحم، إنه الإنسان البعيد عن التاريخ والحضارة. اسم لم يستعمله العرب للتعريف والقدح في أمة من الأمم كما فعلوا مع الأمازيغ، فالفرس والأتراك بقيت أسماؤهم كما هي، وإن لقبوا بالعجم كذلك، وهو ما ينطبق على مختلف الأمم التي عرفها العرب، كالروم والصين وبلاد السند، وحتى الأراضي التي جاورتهم كمصر والشام وبلاد إفريقيا كالحبشة والسودان حيث استوطنت شعوب مختلفة تنطق بالسنة مختلطة وغير متجانسة كما صورها تاريخ الإسلام.

حين تنزع من شعب أو فرد ما اسمه وتمنحه اسمًا آخر لا يليق به، وتوهمه أنه مرادف لمعناه الأصلي، كأن تقول مثلًا لشخص قادم من فرنسا أو بريطانيا اسمه كريستيان أو بيل أن اسمه يعني الذباب أو الغائط وتوهمه أن هاتين الكلمتين تحملان دلالة ايجابية في اللغة العربية توازي معناها في لغة المخاطب، أي أن تسمي الأسماء بغير مسمياتها، كل ذلك يكشف عن نزعة مريضة عند صاحبها نحو الخداع والتعالي؛ لأن احتكار التسمية أو صياغة المفردات وتوجيه اللغة نحو مقصد غير شريف هو قوة جبارة لا يحتكرها إلا الأقوياء، وهم غالبًا الغزاة والحكام والعلماء والمدونون وفي عصرنا هم الصحافيون والخبراء واللغويون والكتاب الكبار والشعوب في مواقف كثيرة، وفي التاريخ العالمي نجد المسألة مجسدة بقوة في تاريخ السود الأمريكيين، فالسواد الذي هو لونهم الطبيعي رُبط بكل أنواع البشاعة، فهو لون يدل دلاليًا ويتماثل مع الظلام والحيرة، كما يرمز للشيطان والشر والكآبة والخداع، فحين نقول قلب أسود يتبادر إلى ذهننا كل ما هو شرير وسيئ، عكس ما يحدث حين نقول قلب أبيض، فالبياض يساوي الطهارة والنقاء والصفاء، لكن النقطة المهمة هي أن القوة تمثل المربط، فالأقوياء هم البيض الذين وضعوا المعاجم وصاغوا اللغة وأنتجوا المنطق وابتكروا وسائل الحرب وآلات الاقتصاد ومن تم تطوروا إلى الحد الذي استعبدوا فيه أممًا ضعيفة لا حول لها قوة عن طريق العنف؛ لتيسير نمط حياتهم وضمان جودة الإنتاجية في حقولهم ومناجمهم، وكل ذلك بدا بالقوة عن طريق الحرب والأسر، ثم بغزو الفكر وجعل الدونية والعبودية مقام الكرامة والمساواة، حتى أن هؤلاء المستعبدين رأوا أن الحياة لا يمكن تغييرها، ولو حاولوا أن يغيروا الأمر بعدما استقر في أنفسهم أن الله أبيض (المسيح في نظرهم ابن الله) ولأنه كذلك فأبناؤه أقوياء ببركته ويعملون طبق مشيئته.

إن تاريخ الأمريكيين السود لا يعنينا في شيء، إلا من ناحية التوضيح، بالرغم من بعض العناصر المشابهة للتاريخ الأمازيغي، فالأمازيغ لم يكونوا يومًا عبيدًا عند أحد، ولم تتم مصادرة حقهم في الحرية الجسدية (بالرغم مما أسر من جواري وأطفال)، لكن أشياء كثيرة صودرت منهم، وأولها اسمهم وتاريخهم الطويل الذي حُرق وهُدم تحت مبررات عديدة أولها تُهمة الشرك وعبادة الصنم، ثم لغتهم التي توارت لصالح اللغة العربية حتى كادت أن تُباد. ورموزهم التي ضُرب عليها ظلام كثيف كالملوك والعلماء، ثم تحويل كل رصيدهم الثقافي ما بعد الإسلام لصالح العرب (كل من أبدع من الأمازيغ يسمى عربيًا)، ثم أرضهم التي تحولت إلى غنائم في يد الفاتحين، تمامًا كما فعل المستعمرون فيما بعد بالأراضي والكُتب والآثار التي صادروها حين احتلوا هذه الأراضي.

إن مسؤولية الدول المتعاقبة على حكم المغرب كالفاتحين الأوائل والأدارسة والموحدين والمرابطين وعلماءهم المتزمتين الذين حاربوا حتى ما ألف بالعربية، وكان له نفع كأعمال ابن رشد والفلاسفة لهم يد في كل هذا، غير أن مسؤولية الأمازيغ أنفسهم تبقى ثابتة، لأن السؤال العالق هو لماذا انكفأ العارفون من هؤلاء عن الدفاع عن هويتهم مقابل هوية العرب القادمين؟ ولماذا لم يعملوا على صون تراثهم وتاريخهم عبر التدوين كما فعل العرب أنفسهم حين شعروا بخطورة اللحن في اللغة وآثار لغة الفرس ومصر على لغتهم؟ ربما يمكن أن نفسر ذلك بخوفهم من الحكام الجدد وربما كتبوا مؤلفات غير أنها صودرت في حملات تفتيش عن رموز الكفر، أو ربما صمدت تلك المؤلفات ثم حُرقت أثناء حكم دولة أخرى أو أنها ضاعت، ولأن هناك من سيشكك حتى في أنه كان للأمازيغ معرفة وثقافة نقول له فقط أن يعرف أن الكنائس التي انتشرت في تلك الحقبة أنبتت قديسين ورجال علم، كالقديس أوغسطين الأمازيغي الذي يعد أحد أكبر قديسي الكنيسة في العالم.

إن مسؤولية الأمازيغ لم تقتصر على هذا التقصير، وإنما تعدته لقبول نفس الاسم وتداوله بكثرة، باعتباره شبه مقدس، فالفقهاء الأمازيغ الذين اندمجوا بحكم تدينهم وإسلامهم مع المنظومة الإسلامية، وأصبحوا أئمة وفقهاء راحوا يروجون لهذا الاسم في كتاباتهم وخطبهم؛ حتى أصبح الاسم شائعًا بين الأمازيغ ونسوا بذلك اسمهم، فالفقهاء وهم عماد الدول المتلاحقة في التربية والتوجيه والتحليل والتحريم، صاروا هم من يحدد طبيعة الأشياء ومعناها عن طريق مرجعية أخرى لم تعترف بثقافة شعبهم واعتبرتها مجرد ضلالة تنورت بفعل فتوحاتهم، لاعبين نفس الدور الذي ينفذه الأقوياء عبر التاريخ أي طمس كل شيء مختلف ربما طمعًا وخوفًا، أو ربما بسبب انعدام الوعي، تمامًا كما فعل البيض بالسود في أمريكا أو الاستعمار في جزر الكاريبي، أو كما حاولت داعش فعله مع الساكنة في المناطق التي سيطرت عليها وغيرها.

في العصر الحديث وبعد أن دخل الاستعمار ونبش مؤرخوه وعلماؤه الطبيعيون والاجتماعيون في تاريخ المنطقة الممتدة من مصر إلى المغرب وصولًا إلى جنوب مالي وما بعدها ( سيعرفون فيما بعد بالمستشرقين)، خلصوا إلى أن هنالك فئتين من المكونات الإثنية أي الأمازيغ والعرب ( التمييز هنا ثقافي وليس عرقيًا)، واشتغل منهم قسمان الأول على تراث المنطقة الغني، قسم تناول التراث العربي، بينما تناول قسم آخر التراث الأمازيغي، وقد اشتهر القسم الأول، ودار جدال كثير حول مواقفه من التراث العربي، ومواقف المفكرين العرب الذين استفادوا منه، كطه حسين، ومن الأساتذة المستشرقين كبروكلمان وإرنست رينان، بينما هُمش القسم الثاني من العلماء والأبحاث التي اهتمت بالأمازيغية عمدًا، كأعمال رينيه باسيه وأندريه باسيه اللذين اشتغلا في المغرب، والألماني جيورج فون دير غابلينتر الذي قارن بين اللغة الأمازيغية ونظيرتها في إقليم الباسك في إسبانيا، وغيرهم من الباحثين، وهو نفس التجاهل الذي وقع إبان الفتح/الغزو وعبر تاريخ المنطقة الطويل، كما مُنع الحديث في هذه المسائل بعد استقلال الدول من الاستعمار تحت تأثير مشاعر الوطنية العربية التي كانت مدفوعة من قبل الجمهور المتأثر بمشاعر الاستقلال والمد الناصري والقومية العربية، التي ستتعرى بعد النكبة.

إن العقلية الإقصائية، سواء في الجزائر أو تونس أو ليبيا والمغرب، عقلية لا علاقة لها بالبحث العلمي والمعرفة، وهي العقلية نفسها التي تمنع هذه الدول من استيراد مناهج وآليات عمل ثقافية ومعرفية تتجاوز بها أزمتها الراهنة، سواء في التعليم أو الطب أو الإدارة أو الأمن أو التشريع؛ لأنها دول تتحالف مع الرأي العام في المسائل الضارة له، والنافعة لها، ما دام تحقيق الاستقرار هو ديدنها، متذرعة بالدين والتقاليد هربًا من مسؤولية تطوير بلدانها.

الاستفاقة الأمازيغية ستبدأ بعد أن تعرف رواد الحركة الأمازيغية الأوائل على الأبحاث المعاصرة، وحين تتلمذوا على مناهج الغرب في الدراسة، واطلعوا على نتائج بحوثهم ودراساتهم؛ ليُصدموا بواقع ثقافتهم وتاريخهم المغيب والمغتال، حينها ستبدأ رحلة الأسئلة والنقد والتمحيص؛ لأن هؤلاء الرواد لم يكونوا تنظيمًا موحدًا، بل خليطًا متفرقًا من الباحثين والمثقفين والأدباء لم تجمعهم نظرية معرفية واحدة بقدر ما جمعهم حبهم لثقافتهم، وهو الحب الذي أملى عليهم واقعها النضال الثقافي من أجل رفع الحظر عنها، ومنحها المكانة التي تستحق بعيدًا عن الفولكلور والتفاهة المنتشرة عبر المهرجانات الرسمية والبرامج التلفزيونية والنكات الشعبية، فنبشوا في الأساطير والحكم والمآثر كما نبشوا في كتب الأمم الأخرى عن أخبار الأمازيغ القدماء وطبقوا النظريات اللسانية الحديثة على لغتهم ووضعوا قواعد جديدة وحرفًا جديدًا وغيرها من الإنجازات، لكن هيهات، فالدول التي لا تعترف بتاريخ غير مدون غير تاريخها، ولا بنخب لم تصنعها، لم تكن لتسمح بتبني تلك الجهود، كما أن الفقهاء والسلفيين ومثقفي اليسار والتراث العربي من أتباع القديم اجتمعوا على كلمة واحدة في تاريخهم، ورأوا في هذه الدعوة عودة إلى الكفر والجهالة كما أقر الفقهاء، فلُعن المثقفون من على المنابر وتمت تسميتهم كفاسقين، وتمت الدعوة إلى سجنهم أو حتى إعدامهم، بينما دعا الحداثيون من الكتاب والمفكرين العرب إلى تجاوز الشوفينية وعدم الانغماس وراء مشروع التقسيم الغربي (كذا).

مجهود هذه الحركة لن يثمر إلا فيما بعد، فالصراع كان متشعبًا ومعقدًا ذا وجوه مختلفة في حرم الجامعات ومنتديات الثقافة والمؤسسات الدولية والصحافة والأدب، حيث بدأ الأمازيغ يدركون مقدار نسيانهم لأنفسهم، وبالرغم من أن الأمر بدأ مع الأبحاث الأجنبية، إلا أنه سرعان ما تحول إلى وطني بحت بعد أن تطورت قدراتهم المعرفية والجمالية، لكن موقف النخبة المتعلمة سيواجه باستنكار شعبي من لدن العامة الذين كانت تنخرهم الأمية والفقر، ولازالت، لكنه رفض بدأ يتبدد حالبا بعد أن اعترفت الدولة بهذه الثقافة كإرث وطني، وأنشأت لها معهدًا خاصًا سُمي بالمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وسمحت بنشر الكتب والدوريات والصحف والمجلات الأمازيغية بعد نضال مرير استمر لعقود لم يخل من المضايقات والسجون.

إن هذا الانتصار الناقص، يحمل حلاوة ممزوجة بمرارة؛ لأنه في جانبه الحلو قد كشف عمق الجرح الأمازيغي وثروته التي تفتت عبر العصور والتي لن تعود، كما كشف، ولو بعد ألف سنة، أن البربري هو ذلك النموذج الثقافي الذي يتملك تاريخ أمة أخرى، ويحاول جاهدًا عبر وسيلة القوة ومدخل اللغة والدين والتفوق التقني عجنه وتحنيطه كي يتناسب مع أغراضه.. إن صورة الأمازيغي وهو ينتفض ليدرك ويتمعن بحر النسيان الذي يعوم فيه، وحجم خسارته الحضارية تبدو جلية لكن في بداياتها، والبداية تتمثل هي انتزاع الحق في تسمية الذات، والافتخار باللغة الأصلية وتعلمها والتعبير بها في إطار التعايش السلمي مع كل مكونات الوطن الأخرى، وكذا التناغم معها والاستفادة منها ولكن مع إعادة الاعتبار والاحترام للذات والتاريخ الكلي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد