الهويّة الأمازيغية هويّة كل الجزائريين

استبشرنا خيرًا بما حققّه الحراك في الأشهر الأُولى، فمن سلسلة التوقيفات والمحاكمات الماراثونية لصنّاع القرار والتغييرات في المواقع والمناصب إلى الدعوة لحوار وطني شامل، والذي أثمر استحداث سلطة وطنية مستقلة تشرف على الانتخابات، غير أنّه بالرغم من هاته المكاسب التي فعلًا نُحسد عليها، لا زالت بعض الأبواق تنادي بالحريّة والديمقراطية، فعن أي حريّة يتحدثون؟ وإذا كانت مطالبهم تتلخص في «سلطة مدنية ماشي عسكرية»، فنسأل من كانت له لجرأة في الوقوف في وجه خاطفي البلد والعابثين بمقدراته وثرواته؟ من أمال الكفة لصالح الشعب في محنته؟

فقبل 27 عامًا، تعالت نفس الأصوات مناشدة الجيش آنذاك بالتدّخل من أجل إنقاذ الإنتخابات التشريعية من أيدي الجبهة الإسلامية للإنقاذ، فهل كانت الحكومة آنذاك عسكرية أم مدنية، فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون قولًا؟

من محاسن الحراك أنّه وحّد مختلف الأطياف والفئات في بدياته، حين كان المطلب الأساسي لا للعُهدة الخامسة، ومع توقيف شخصيات نافذة في الشأن السياسي وكذا في المجال الاقتصادي، تغيّرت نبرة الشارع وانقسمت الآراء ما بين مؤيّد ومتعاطف، فحدث الشرخ الذي كنّا نخشاه، وغابت الثقة، الأمر الذي أطال من عمر الأزمة بالرغم من الحلول التي قدمها رئيس الدولة وقائد الأركان، والتي تبدو جّد منطقية، كتنظيم الانتخابات في 12 ديسمبر (كانون الأول) بإشراف سلطة وطنية مستقلة منتخبة غير مُعيّنة، فماذا يريدون بعد هذا؟ حكومة انتقالية! إلى متى؟ وما المغزى من ذلك؟

فالمتعارف عليه في الأنظمة الديمقراطية أنّه يتم انتخاب الرئيس من طرف الشعب وعن طريق الصندوق، فلم يتخوّف البعض من هاته العملية؟ رغم كُلّ الضمانات المقترحة، فبقاء الحكومة أو انسحابها لا حدث، مادامت هناك سلطة مستقلة ضامنة بالموازاة مع ذلك تعديل قانون الانتخابات والذي كان يعتبر حجر عثرة في نظر الكثير من الأحزاب، إذًا كُلّ الأمور مواتية للانتقال الديمقراطي الصحيح وفق الدستور ومتطلبات الشعب.

في السابق كان التساؤل من يقتل من؟ ومع مرور الزمن اتضّحت الحقائق، أمّا اليوم فنطرح سؤالًا آخر: من يُحّرك من؟

والإجابة في الحقيقة جلّية، فالشعارات الانفصالية والمتعلّقة بالهويّة والرايات غير الرسمية التي تطغى على مشاهد الحراك أسبوعيًا وعلى جداريات مواقع التواصل الاجتماعي، ناهيك عن الخطابات لبعض النشطاء والمستفزّة للجيش والسلطة والقضاء، لا دليل على أنّ هناك أبعادًا أخرى وأهدافًا خفيّة يُخطّط لها، فالدستور الجزائري الحالي اعترف بالهويّة الأمازيغية، وذلك بإدراج اللغة كلغة رسمية مثلها مثل اللغة العربية، إلى جانب ذلك خُصص يوم 12 يناير (كانون الثاني) من كل سنة كعيد وطني، والذي هو بداية سنة أمازيغية جديدة، أضف إلى ذلك نحن كشعب عربي احتضنا إخواننا الأمازيغ واحتضنونا، فنحن لسنا ضدهم وهم كذلك؛ فقد اعتنقوا الإسلام وجاهدوا في سبيل الله، والدليل على ذلك هناك العديد من المشايخ والعلماء والقادة والثوار من أبناء القبائل، الذين قدّموا النفس والنفيس من أجل الدين والوطن، فمشكلتنا مع دعاة التقسيم والانفصال والمدعومين خارجيًا، حيث لا زالت فرنسا تُشكل خطرًا على الجزائر باحتضانها مثل هؤلاء، فبعد كشف مخطط التآمر على الجيش من طرف أذناب وبقايا الاستعمار، ها نحن في مواجهة ما يدعّون أنفسم بالأقليّة المضطهدة.

البعض يصف ما يحدث في الجزائر بأنّه انقلاب أبيض أو بمعنى أدق تصفية حسابات، لكن الصورة الحضارية التي رسمها الشعب في الأزقة والشوارع والميادين تؤكّد بأنّه هناك ثورة سلمية على الفساد والظلم، وهذا ما لمسناه في الواقع بالتطبيق الحرفي للمطالب الشرعية في الجُمعات الأولى للحراك، فتحرّر العدالة بممارسة مهامها دون قيود، كمحاكمة أفراد العصابة لا دليل على صدق ونيّة السلطة الحالية، الآن الكل في مفترق الطرق والقرار بيدنا، فلم التشتت؟ ونحن شعب واحد بمختلف عروقه يجمعنا دين واحد، وتاريخ واحد، وحيّز جغرافي واحد، ومصير واحد، وهوية واحدة متجانسة مع جميع الأطياف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات