الخطاب المتذاكي والتهم الغبية

تتشدق بعض النخب السورية بالنباهة السياسية والأستاذية على العرق الكردي، ومن ثم يقومون بامتهان القومية الكردية واتهامها بأنها كانت وراء دخول القوات الأمريكية شمالي شرق سوريا، ومن بعد ذلك يقومون بالتنظير واتهام الكردي بأنه حمار الأمريكي.

تتداول هذه الأوهام قواعد شعبية عريضة، وتتصدر وسائل الإعلام ومنصات المعارضة، بل رأس النظام السوري؛ الأمر الذي يعمق الشتات السوري والتفرق والكيد البيني، فهل حقًا أرغم الكرد الأمريكيين على احتلال مناطق في سوريا؟

وهل الكردي هو بيدق أمريكي؟

وهل نشر مثل هذه التقريرات يفيد في بناء وطن واحد ونسيج متلاحم؟

وما قصة الحضور الأمريكي في الداخل السوري؟ ومتى بدأ؟ وما هي إستراتيجية أمريكا في سوريا؟

الدخول الأمريكي إلى سوريا

أولًا: الإستراتيجية 

يمكن تلخيص الإستراتيجية الأمريكية في سوريا والتدخل العسكري بالأسباب الآتية:

 المباشرة المعلنة: وتتمثل بمقاتلة «داعش» وأخواتها.

غير معلنة: الوصول إلى تسوية سياسية تفضي إلى إنهاء حكم الأسد.

مواجهة النفوذ الإيراني والحيلولة دون إقامة ممر بري يربط إيران ولبنان.

تطبيق سياسة الكل تحت السيطرة سواء أكان روسيًا، أو إيرانيًا، أو أسديًا، أو تركيًا.

دخل الأمريكيون سوريا في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015، ونشرت الولايات المتحدة أول دفعة من جنود القوات الخاصة الامريكية بواقع «50 جنديًا» من القوات الخاصة في سوريا في دور استشاري غير قتالي كأول حضور عسكري أمريكي على الأرض منذ بدء الحرب السورية وتشكيل التحالف الدولي في أغسطس (آب) 2014 بعد أحداث الموصل في العراق.

إذًا كان الدخول الأمريكي إلى سوريا وفق توافقات دولية وتحالفات، وليس بناء على رغبة ودعوة من كردي ولا عربي، بل كان بالتنسيق الأمريكي، والتركي، والروسي، والإيراني، ونظام الأسد.

بل كانت أحد وعود ترامب الانتخابية القضاء على (داعش) ومع استلام دونالد ترامب إدارة البيت الأبيض أوعز لوزارة البنتاجون في 27 ديسمبر (كانون الأول) 2016 بإعداد «خطة هجومية بقدر أكبر لمحاربة تنظيم (داعش) في سوريا وتقديمها خلال شهر، وخطة أخرى حول مناطق آمنة، في غضون ثلاثة أشهر في توافق تام مع ما سبق أن أعلنه خلال حملته الانتخابية التي أكد خلالها على امتلاكه (خطة سرية) لمواجهة (تنظيم الدولة)؛ وقدمت وزارة الدفاع خطتها للرئيس الأمريكي تضمنت (تدمير تنظيم الدولة على نطاق واسع)، وتكثيف محاربة تنظيم (داعش) ليس في سوريا والعراق فحسب، إنما في العالم بأسره تشمل حزمة من الإجراءات العسكرية والدبلوماسية والمالية مع إعطاء القادة العسكريين صلاحيات أوسع لتسريع عملية اتخاذ القرارات».

ثانيًا: لم يقتصر التعاطي والدعم العسكري الأمريكي على الكرد 

هل اقتصر التعاطي الأمريكي مع المشهد السوري على الكردي فحسب؟ لا لم يكن كذلك حيث قيل إن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) أنفقت خلال بضعة أشهر من عام 2015[1] أكثرَ من 384 مليون دولار على تدريب وتسليح 180 عنصرًا من المعارضة السورية، لكن سرعان من انقطعت العلاقة مع فصائل من الجيش الحر بعد أن قام الأخير بتسليم الدعم المالي والعسكري الأمريكي إلى جبهة النصرة عام 2015.

بعد 10 أيام فقط على التدخل العسكري الروسي أعلنت الإدارة الأمريكية في التاسع من شهر أكتوبر التحول لدعم وحدات من المعارضة العربية التي تقاتل حاليًا في سوريا. وقد دفع ذلك بعض مجموعات المعارضة، التي تأمل بالاستفادة من التطور الجديد في السياسة الأمريكية، إلى تشكيل تحالفات وطنية متخلية عن الأسماء والشعارات الدينية. إحدى تلك المجموعات كان «جيش الشام» إذ تأسس في التاسع من أكتوبر 2015 ويضم «عشرات الكتائب الصغيرة والمبعثرة في عموم الساحة»، كما قال قائد التشكيل الجديد محمد طلال بازرباشي. اتخذ جيش الشام، والذي كان مؤسسوه أعضاء بارزين في حركة أحرار الشام وجبهة النصرة، شعار «ثورة على الطغاة والغلاة» في إشارة إلى نظام الأسد والتنظيمات المتشددة، كما اتخذ من علم الثورة السورية راية له فيما يمكن أن يعتبر تحولًا هامًا يتمثل بالتخلي عن الرايات السوداء والبيضاء التي تحيل إلى السلفية الجهاديين.

كما أعلنت ثلاثة فصائل من الجيش السوري الحر عن توحدها واندماجها تحت راية «جيش النصر» وذلك في 24 من شهر أكتوبر. كما تشكلت خلال تلك الفترة قوات سوريا الديمقرطية وجيش سوريا الجديد، والتي تلقت أسلحة وذخائر من الولايات المتحدة كما أعلن المتحدث باسم التحالف الدولي ضد الدولة الإسلامية. وكذلك الحال، في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2015، قبل يوم واحد فقط على انطلاق مؤتمر في الرياض لتوحيد الفصائل المعارضة للنظام السوري، أعلنت كل من فرقة المشاة 101 ولواء فرسان الحق الاندماج وتشكيل «الفرقة الشمالية». تظهر تلك التحالفات الميل المتزايد من قبل الفصائل الصغيرة والمشتتة، والتي لا تتبنى السلفية الجهادية لتشكيل تحالفات أكبر تستفيد من السياسة الأمريكية الجديدة.

في نهاية هذا الاستعراض السريع يظهر سعي كل الفصائل السورية لكسب الدعم الأمريكي، كما لابد عن التأكيد على أن:

1. الحضور الأمريكي لم يكن حسب الطلب السوري بعربه وكرده.

2. الكل لم يتمنع عن الغزل وخطب ود الأمريكي.

3. بقاء الأمريكي ليس بقوة الكردي، وأن حضوره ليس بطلب الكردي.

4. الساحة السورية تخضع لتقاسم الدول المجاورة فالبعض تحت:

· إمرة التركي والتركي لا يعمل إلا ضمن الدور الوظيفي الأمريكي.

· البعض تحت إمرة الأمريكي مباشرة.

· البعض مع إيران وروسيا.

أي أن الجميع بيادق مأمورة وبنادق مأجورة.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد