لا شك أن حادث اغتيال الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، ومعه نائب رئيس الحشد الشعبي العراقي الموالي لطهران أبو مهدي المهندس، في ضربة أمريكية بطائرة من دون طيار استهدفت سيارتهما قرب مطار بغداد الدولي، فجر يوم الجمعة 3 يناير (كانون الثاني) 2019، يعد اشتباكًا حقيقيًّا على أرض الرافدين العراق، ستكون له أبعاد وتداعيات خطيرة على منطقة الخليج عمومًا، وعلى العلاقات الأمريكية العراقية، وعلى العلاقات الإيرانية العراقية خاصة.

لمــاذا؟

لأن القوتين المحتلتين لأرض العراق منذ إسقاط نظام الرئيس المعدوم صدام حسين، ظلتا في تنافس محموم من أجل السيطرة على العراق وخيراته النفطية، وهما وإن تحالفتا في بعض الأحيان في إطار تكتيكات واستراتيجيات ظرفية الحرب الإقليمية؛ سواء ضد طالبان باكستان، أو ضد حزب البعث العراقي، أو ضد داعش، فإنهما ظلتا تتبادلان التوجس بعضهما من بعض والشك والريبة في التعامل؛ لاسيما في عهد الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، وبعدما نفض في الثامن من مايو (أيار) 2018 يدي إدارته من الاتفاق النووي، والذي عد ساعتها؛ أي عند توقيعه في يوليو (تموز) 2015، بين إيران والقوى الغربية وأمريكا، بمثابة نصر دبلوماسي وسياسي لإيران التي قال عنها ترامب «إنها لم تربح أي حرب لكنها لم تخسر أي مفاوضات».

ولعل ما رفع التوتر بينهما، تكثيف الولايات المتحدة ضغوطها وحصارها على إيران ومطاردتها للسفن التي تفكر في نقل النفط الإيراني أو بيعه، مما دفع بعض حلفاء إيران مثل الصين إلى الكف عن استيراد النفط الإيراني.

لقد أحست إيران بالحصار يقترب من مياهها الإقليمية، بعدما نشرت أمريكا والحلفاء قواتهم بقرب مضيق هرمز التي لوحت إيران باستمرار بقدرتها على إغلاقه والتحكم في الملاحة الدولية التي تمر منه، لاسيما بعد احتجازها بعض السفن في المياه الإقليمية والدولية، وإسقاطها طائرة بدون طيار أمريكية، قالت إيران إنها اخترقت المياه الإقليمية الإيرانية، فيما نفت أمريكا ذلك.

وعلى الرغم من مساعي الرئيس الفرنسي ماكرون لعقد لقاء بين الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس الإيراني روحاني على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإنه فشل في هذه الجهود نظرًا لاشتراط إيران ضرورة تخفيف العقوبات الأمريكية على إيران شرطًا لبدء أي مفاوضات.

وقد كاد الهجوم المنسق على منشآت النفط التابعة لأرامكو السعودية في 14 سبتمبر (أيلول) 2019 الماضي؛ وذلك باستعمال طائرات مسيرة وصواريخ كروز، أن يتسبب في نشوب حرب بين إيران والسعودية، بعدما تعززت الشكوك والأدلة بأن إيران هي التي تقف وراء الهجوم إما بشكل مباشر أو بواسطة ذراعها في اليمن؛ جماعة الحوثي.

وقد ارتفعت درجة التوتر أيضًا بين إيران والسعودية بعدما تعرضت ناقلة نفط إيرانية، كانت تبحر في البحر الأحمر قبالة سواحل مدينة جدة السعودية، لهجوم بصاروخين في البحر الأحمر في 11 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، والتي قالت السعودية عنها إنها «تلقت رسالة إلكترونية من الناقلة تفيد بأن مقدمتها تعرضت لكسر نتج عنه تسرب نفطي، لكن السفينة واصلت سيرها وأغلقت نظام التتبع الآلي بها قبل أن يتسنى تقديم المساعدة لها».

لكن الاستفزازات بين أمريكا والموالين لإيران في العراق من أفراد الحشد الشعبي العراقي بلغت الذروة بعد الغارات الجوية التي استهدفت كتائب حزب الله، الفصيل الموالي لإيران والمنضوي ضمن الحشد الشعبي في العراق، وأسفرت عن سقوط أزيد من 19 قتيلًا، ووصفها جوناثان هوفمان، المتحدث باسم البنتاغون، في بيان بأنها «دفاعية دقيقة استهدفت خمس منشآت في سوريا والعراق، وذلك ردًّا على الهجمات المتكررة، التي تشنها الكتائب على القواعد العراقية التي تتمركز بها قوات عملية العزم الصلب، وهو التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد ما يعرف بتنظيم الدولة».

وقد حاول أفراد الحشد محاصرة السفارة الأمريكية في بغداد احتجاجًا على الغارات التي استهدفت قواعد عسكرية تابعة لكتائب حزب الله في العراق وسوريا، مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية ترسل تعزيزات عسكرية وتقوم بعمليات إنزال كبيرة في السفارة ومحيطها وتوعدت إيران بالانتقام نظرًا لضلوعها في دعم ميليشيات الحشد.

وبعد إعلان أذرع إيران في الداخل وفي العراق ولبنان قرارها بالرد واستهداف 32 موقعًا للولايات المتحدة الأمريكية، لم يتأخر تفاعل الرئيس الأمريكي ترامب، الذي غرد مهددًا باستهداف 52 موقعًا إيرانيًّا بضربة أقوى من أي ضربة واجهتها من قبل، وقال أيضًا: «سنضربها بسرعة كبيرة وبقوة كبيرة إذا هاجمت الجمهورية الإسلامية أهدافًا أو أفرادًا أمريكيين».

في تقديري ومن خلال قراءة المعطيات الأولية الحالية، فالاشتباك بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، تعدى مرحلة الحذر والتزام الخطوط الحمراء والمناوشات الخفيفة وجس النبض، إلى منعطف جديد سيتسم لا شك بالاصطدام المباشر، لاسيما أنهما يتمركزان ويعسكران في بقعة جغرافية واحدة، وهي العراق.

لكن متى يدرك زعماء إيران أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تشبه سابقاتها، وأن الرئيس ترامب منذ إعلان مغادرة الولايات المتحدة الأمريكية الاتفاق النووي، وهو عازم على تقزيم دور إيران في المنطقة العربية وفي الخليج خاصة، لاسيما بعد تجرؤها على مزاحمة القوى العظمى بلعب دور استراتيجي محوري في المنطقة الخليجية الغنية بالنفط؟

الرئيس ترامب في سنة انتخابية ويواجه ضغوطًا متزايدة من لدن الديمقراطيين، الذين يسعون لمحاكمته في قضية جو بايدن وأوكرانيا؛ لذا لن يتردد في استعمال كل القوة التي يملكها من أجل تقزيم دور إيران التي أصبحت تسعى للتحكم في أربعة بلاد عربية من خلال أذرعها المسلحة، مثل حزب الله في لبنان وسوريا والعراق، والحوثيين في اليمن.

لكن ما تداعيات الضربة القاصمة التي وجهتها الولايات المتحدة الأمريكية لإيران والحشد الشعبي في العراق؟

لا شك أن أذرع إيران في المنطقة العربية ستفكر جديًّا في رد قاس على الولايات المتحدة الأمريكية، لكن هل سيكون على الأرض نفسها التي جرى فيها اغتيال الجنرال سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي الراقي، أي العراق؟

لا أظن، لسببين، أما الأول فبسبب مطالبة النواب العراقيين بإلغاء وجود القوات الأمريكية على أرض العراق، أما الثاني فيتمثل في حرص العراق وعمل كل جهده للنأي بترابه عن حرب المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران؛ لاسيما في ظل الفوضى والاضطرابات التي تعرفها العراق بسبب الحراك الشعبي الذي أودى بحياة أزيد من 400 عراقي من المدنيين.

لكنني أفترض أن من التداعيات المستقبلية للعملية الأمريكية على أرض العراق، تزايد المطالب بمغادرة جميع القوات الأجنبية العراق بما فيها القوات الإيرانية، لا شك أن المكون السني في العراق، والذي لا يخفي امتعاضه من التدخل الإيراني، سيستغل الحادث للمطالبة بإخلاء العراق من جميع القوى الأجنبية، بما فيها الجنود الإيرانيون.

كما أن من تداعيات الاغتيال الأمريكي لسليماني، سعي إيران للتحلل من الاتفاق النووي الذي تتمسك به الدول الغربية الأوربية، وهو ما سيقلق إسرائيل بالدرجة الأولى ويجعلها في تأهب مستمر وفي تحريض مكشوف للولايات المتحدة الأمريكية من أجل شن هجوم على مفاعلات إيران النووية لمنعها من إتمام حيازتها القنبلة النووية.

أستبعد أن تلجأ إيران لمواجه مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية في العراق أو في المياه الإقليمية، اللهم إذا اقترفت أمريكا هفوات من قبيل اختراق المجالين الجوي أو البحري الإيراني، لكن أذرع إيران ستكون في تأهب كبير في العالم وليس في المناطق العربية، للانتقام من العملية الأمريكية ضد الجنرال سليماني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد