ينسب البعض ما حدث للشرق الأوسط من ثورات واضطرابات هو التنفيذ الفعلي لمقولة وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد بوش الابن بادعائها الشرق الأوسط الجديد في مؤتمرها المنعقد بتل أبيب في يونيو 2006، لكن على الأرض فإن الولايات المتحدة الأمريكية ليس لها يد في إحداث الثورات لكن كان ولا يزال لها اليد الطولى في أحداثها.

تلك العبارة المائعة التي لفظتها رايس دون تفصيل أو إطناب كانت تهدف إلى الحفاظ على أمن إسرائيل في الدرجة الأولى كما يتفق الجميع.

هل ترى أن الولايات المتحدة ترحب بالشخصية الثورية بالشرق الأوسط؟

إن الولايات المتحدة تعمل على تكريس الديكتاتوريات وترسخ الاستبداد في المنطقة لأنها تعلم أن هذا هو المعيار الأول في الحفاظ على أمن إسرائيل مع الاحتفاظ بحكام معظم بلاد المنطقة كمخلصين لها لاستخدامهم في الضغط على شعوبهم، والاعتماد عليهم في الحفاظ على أمن إسرائيل من خلال أخذ المدد اللوجيستي وتقريب المسافة من منطقة النزاع المحتمل،

لكن ثمة بعض الأمور التي كانت تقلق الولايات المتحدة حيال هؤلاء الطغاة، فهناك بعض الأفعال التي يقومون بها لإثبات ندية في التعامل لا تروق لها؛ هذا ما جعل الولايات المتحدة تفكر في الإطاحة ببعض هؤلاء لكن بطريقة هادئة، والعمل على خلق طاغية جديد والسعي لتثبيته.

إن الولايات المتحدة لا تقبل بالشخصية الثورية أبدًا لأن هذه الثورية لن يستطيع أحد أن يتحكم فيها فالثورية هي سيد قرارها مما سيضر بأمن إسرائيل ويضير العمق الاستراتيجي الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط ويشعرها بعدم ارتياح في جنة النفط.

موقف الولايات المتحدة من الثورات؟

إن الثورات العربية التي برزت عام 2011 لم تكن الولايات المتحدة لتتوقعها ولم يكن أحد بالعالم ليتوقع حدوثها على الأقل في هذا التوقيت وبهذه السرعة مما دفع الولايات المتحدة إلى العمل على تهدئة الوضع بداية الأمر حتى يتسنى لها تنفيذ السيناريو الخاص بها بإحكام  لكن باءت مساعيها بالفشل.

بداية الأمر كانت الولايات المتحدة في صف مبارك مثلا

كانت الولايات المتحدة تريد بسط السيناريو الذي خططت له، لكن برزت قوى جديدة على المسرح السياسي ذات إرادة أقوى من زعيمة العالم إلا وهي قوى الشعوب؛ مما سبب في إخلال ميزان القوى، خاصة أن الولايات المتحدة تضغط على الحكومات ولا تستطيع الضغط على الشعوب مما فرض عليها الإذعان جبرًا.

الموقف الأمريكي الثوري

بدأت الولايات المتحدة في سيناريو جديد يتضح في إبراز نفسها في صف الشعوب الثائرة وأظهرت مدى تضامنها مع الشعوب فركبت على موجة الثورات ونصبت نفسها حامي الشعوب ومؤيد الحريات.

وقامت تلعب من خلف الستار تحاول لملمة الخيوط المفرطة من يدها فأظهرت المساعدة في حياة ديموقراطية وعدالة اجتماعية واجبة وعاجلة للشعوب الثائرة، لكن كان الباطن يظهر في تنفيذ تخطيطها المسبق  بسيناريو جديد يتلائم مع الملابسات الراهنة وقامت بتثبيت سيناريو متضح للبيان يتمثل في بندين.
أولًا إطالة عمر الثورات لمزيد من التخبط السياسي والانشغال بالشأن الداخلي أكثر من الالتفاف للقضايا الخارجية مثل قضية فلسطين أو تفعيل عداوة مع إسرائيل.

ثانيًا إنهاك اقتصادي وسياسي للدول الثائرة مما يتعين عليها اليأس والتخبط والإذعان طواعية للطغاة المستقبليين والسعي لإطالة عمرهم السياسي بوضع العظات والعبر الثورية وإظهارمدى سوء الأوضاع العامة في حالة الثوران مما يكرس للمستبدين الجدد الفرصة كاملة لتنفيذ الأجندة الأمريكية في المنطقة والحفاظ على أمن إسرائيل في المقام الأول والحفاظ على التوازن الإقليمي والضغط من خلالهم على شعوبهم وإحيائهم في حالة مقفرة ومفقرة والوقوف بالدول العربية في نقطة ثابتة لا مكان فيها للأصوات التقدمية أو المنافية للتبعية الأمريكية حتى وإن كان تحت انتهاك لحقوق الإنسان لكن بصور مقنعة للعالم.

الشرق الأوسط الجديد والشرق الأوسط الأمريكي

إن الشرق الأوسط الجديد الذي تقصده رايس لا مكان فيه للثورات أو الشخصيات الثورية وإنما تقصد الحفاظ على أمن إسرائيل كما ذكر سالفًا وإجهاض الحركات الثورية وتقليم أظافر الإسلاميين المناهضين لإسرائيل

(عندما زادت حدة الثورات والرفض الشعبي للسلطات عام 2011 خارج أوباما قائلا بصراحة إنه لن يسمح بالمساس بأمن اسرائيل).

إنما الشرق الأوسط المقصود هو حالة من الانكسار الفكري والاقتصادي مع إبراز للحكام المستبدين بغير تصادمهم مع الشعب، لكن لا غضاضة أن حدث تصادم طائفي لمزيد من التفتيت، أيضًا الشرق الأوسط الجديد لا مكان فيه لما يسمى بالإسلام السياسي مع إخفاء كلمة الجهاد من المعجم السياسي والديني وجعل الإسلام داخل دار العبادة فقط.

إن الشرق الأوسط الأمريكي المزعوم ليس لتفتيت الأرض بقدر تفتيت العقائد والأفكار وتدني الوضع الاقتصادي وترسيخ الوضع الأمني والسياسي للهيمنة الأمريكية مع بقاء سوق الاستيراد على مصراعيه، لكن ما يحدث الآن من نزاع فهو شرق أوسط جديد لا ترجوه الولايات المتحدة ولا تطيق له احتمالا فهو في طريق غير الذي كانت ترجوه رايس بكل المعايير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد