قال متحدث باسم الحشد الشعبي لوكالة «رويترز» للأنباء إن الأمريكيين والإسرائيليين وراء مقتل سليماني والمهندس، كما أكد مسؤولون أمريكيون للوكالة نفسها أن أمريكا نفذت ضربات ضد هدفين لهما صلة بإيران في بغداد، وتلا ذلك بيان من وزارة الدفاع الأمريكية يؤكد أن الجيش، وبناء على تعليمات الرئيس ترامب، قتل سليماني؛ وذلك كإجراء دفاعي حاسم لحماية الموظفين الأمريكيين بالخارج، ونُعي سليماني من أعلى مستوى في إيران ومن قبل الحرس الثوري، بما يؤكد أنه جرى تصفية جنرال كبير، وقائد بارز له صولات وجولات في ميدان الحرب بالوكالة في المناطق والدول الإسلامية، وكان آخرها تنقله بين سوريا والعراق يدير الحرب، وهذا ضمن خطة استراتيجية لتصدير الثورة الإيرانية إلى البلدان الإسلامية، وتكوين الجماعات والمنظمات والأحزاب التابعة أيديولوجيًّا وعسكريًّا للحرس الثوري الإيراني.

سليماني والمهمات

انضم سليماني إلى الحرس الثوري، وترقى بسرعة في حياته العملية والمهنية، وشارك في الكثير من المعارك والحروب، منها الحرب العراقية الإيرانية وترقى في الرتب وتقلد العديد من الأوسمة من قبل خامنئي، شارك في الحروب غير النظامية داخل العراق ووطدت علاقاته مع القادة فيها، والأكراد ومنظمة بدر الشيعية، وكلاهما عارضا نظام صدام حسين آنذاك، وقد تسلسل في الرتب والقيادة فتقلد قوة قدس في الحرس الثوري، ورقاه خامنئي إلى رتبة لواء في 2011، وقد دعاه بالشهيد الحي.

تسلم سليماني أيضًا قيادة فيلق القدس، الذي يعد المنفذ الوحيد الأقوى في الشرق الأوسط، والقوة الاستراتيجية العسكرية الرئيسية في محاربة النفوذ الغربي، حسب زعمهم، كما يعد الذراع الفاعلة والعقلية المدبرة لتهجير وتدمير الكثير من المدن والقرى السورية، وأشرف على الكثير من الاغتيالات للقادة المعارضين، والثوار البارزين، كما يعد مخزنًا معلوماتيًّا هائلًا للحرس الثوري منذ انطلاق الثورة الخمينية حتى اليوم.

لماذا تخلصت الولايات المتحدة من سليماني؟

قال الكاتب الصحافي أنشيل فايفر، في مقال تحليلي نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية: إن «الولايات المتحدة قضت للتو على الرمز الأكثر أهمية للقوة الإيرانية، وأداتها التنفيذية الأكثر فعالية في المنطقة، ألا وهو: قاسم سليماني، قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني». ويضيف رايفر فايفر قائلًا: إنه بعد عام مما بدا وأنه تردد على الجبهة الإيرانية، طلب ترامب عقد اجتماع رفيع المستوى مع روحاني، لكن طلبه قوبل بالرفض، كما أنه فشل في الرد على الهجمات التي استهدفت السفن التجارية في منطقة الخليج، وإسقاط طائرة أمريكية دون طيار، والصواريخ التي أطلِقت على منشآت النفط السعودية.

ثم بدأ انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، وهذا كان بمثابة الجائزة وفتح الباب على مصراعيه للتحرك الإيراني، وساحتهم عرضًا وطولًا، ودخول الكثير من الجنود والآليات إلى العراق في خطوة كما يُذكر لمحاربة الإرهاب في العراق التي تهدد المصالح الأمريكية، وشن غارات جوية على المليشيات التي تدعمها إيران في المنطقة والوصول إلى تصفية سليماني.

ويضيف رايفر: كان سبب الغارات الجوية هو مقتل مواطن أمريكي في هجوم شنته ميليشيات تدعمها إيران في شمال العراق، وكان مقتل سليماني جزءًا من تحرك أوسع لمنع المزيد من الهجمات على الأفراد والقواعد الأمريكية هناك. ومع ذلك، فإن قتل شخصية مثل سليماني هو خطوة استراتيجية، وليس مجرد رد فعل أمريكي على الحادث الأخير.

لقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة بترامب تعلم بكل تحركات سليماني خلال الفترة الماضية، وتعلم بدقة تفاصيل العمليات الإرهابية التي يقوم بها في سوريا والعراق، لكنها لم تحرك ساكنًا أو حاولت القضاء على قائد كبير كسليماني، لإنها كانت ستؤدي إلى ردة فعل كبيرة ستؤثر ربما في المصالح بين الدولتين، كما كان سليماني رجلًا متعاونًا بشكل غير مباشر مع أمريكا خلال عدة مراحل على مدى العقدين الماضيين، على أمل أن يؤدي ذلك إلى استقرار العراق والمساعدة في محاربة التنظيمات الإرهابية.

كما أن ترامب قد واجه هزة قوية، وسخطًا من المعارضين له من خلال الكونجرس ومحاولة إنزاله من الحكم، وكما فعل أوباما بتعزيز فرص جديدة أمامه لخوض الانتخابات انتهج ترامب الأسلوب نفسه، محاولةً لتعزيز فرص دخوله الانتخابات والفوز فيها خلال العام الحالي، من خلال حملته ضد إيران.

الرد الإيراني على مقتل سليماني

يتوقع هنري روم وكليف كوبشان المحللان في مجموعة أوراسيا للاستشارات السياسية أن رد طهران «لن يرقى إلى مستوى ما قد نعده حربًا»، وأضافا أن «فرصة اندلاع حرب لا تتجاوز 40%»، حسبما نقله موقع «سي إن بي سي». صحيحٌ أن «هناك عدة ردود إيرانية محتملة» لاغتيال سليماني، لكن أحدها هو: «عدم القيام بأي شيء في الوقت الحالي؛ حتى يكون بإمكانها إنكار أي فعلٍ تريد القيام به في المستقبل. هذا ما فعلوه من قبل»، ووفقًا لفيليب سميث، زميل سوريف في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذي أعرب عن تأييده الشديد للتوقعات القائلة إن «الإيرانيين سيردون وفقًا لجدولهم الزمني الخاص بهم»، ووصفهم بأنهم «أناس يقدرون فضيلة الصبر حق قدرها». وأضاف: «هناك دائمًا احتمال ألا يقوموا بأي شيء، والانتظار حتى يحين الوقت المناسب. فهم يدركون أن اهتمامنا – نحن الغربيون – سرعان ما يتحوَّل إلى قضية أخرى. ويفهمون أيضًا كيف نتأثر بالعوامل السياسية الداخلية، ناهيك عن احتمالية أن نشهد أزمة خليجية أخرى». وتابع سميث: «يتعلق الأمر في الواقع بما يريدون القيام به، وإلى أي مدى يعتقدون أن هذه الخطوة سوف تعود عليهم بمكاسب استراتيجية أكبر». يؤيد هذا الرأي بهنام بن طالبلو، زميل أقدم في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، الذي قال لصحيفة «واشنطن بوست»: إن إيران «أبدت تفهمًا لديناميكيات التصعيد». وفي حين أكد طالبلو وغيره أن إيران بمقدورها الرد بطريقة أخرى، ويمكن أن يسفر انتقامها عن الكثير من الضرر، وفي تقرير أعده قاسم عبد الزهرة وزينة كرم لوكالة «أسوشيتد برس» إلى أن «الهجوم قد يكون بمثابة رادع لإيران وحلفائها لتأخير أو كبح أي رد محتمل».

ولا شك أن إيران لديها خيارات كثيرة يمكنها الرد من خلالها عبر الوكلاء، والنفط، والمضايق البحرية، وخلق أزمة في منطقة الخليج، وعلى الرغم من هذه الضربة القاسية للقيادات العليا الإيرانية فإن الحرب المباشرة مستبعدة تمامًا في ظل هذه الظروف، وهذا الواقع.

كما أن إيران بارعة في لغة الاستفزازات سواء ضد الأمريكان في المنطقة من خلال الضغط وتهديد الحلفاء الأمريكيين في منطقة الخليج، ولا يتعدى إلى الاستمرار في الحرب بالوكالة، وصعوبة الاحتمال للدخول في حرب مباشرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد