حين ندد ترامب «بالهجوم الكيميائي الفظيع»، ووصف مجرم الحرب بشار الأسد بالحيوان للمرة الثانية، وتوعده بالرد؛ إذ قال في اجتماع لمجلس الوزراء:

نحن ندرس تلك الحالة عن كثب، ونلتقي مع قادة عسكريين وآخرين. وسنتخذ قرارات كبرى خلال الساعات 24 أو 48 المقبلة. نحن معنيون للغاية عندما تحدث أشياء من هذا النوع؛ لأننا نتحدث عن الإنسانية هنا. ولا يمكن أن نسمح بهذا.

ثم عاد ترامب وأكد أن قراره قد يتخذ قبل نهاية يوم الاثنين، وأوضح أن إدارته بصدد تحديد المسؤول على الهجوم «سواء أكانت روسيا أم حكومة الرئيس بشار الأسد أم إيران أم الثلاثة معًا»!

حينها جلس المهتمون أمام الشاشات، والمحللون في الاستديوهات، ينتظرون ويتكهنون، هل ستضرب أمريكا النظام حقًّا؟

هل ستكون مثل ضربة خان شيخون، أم أقوى وأعنف؟

بل وصل الأمر ببعضهم بأن خشي أن تحدث مواجهة بين الأمريكان والروس على الأرض السورية!

بعدها بدأت المناوشات الكلامية بين ترامب والروس في ساحة تويتر. بعدها بدأ سقف ترامب في الكلام يتراجع بعد أن طلب من الروس الاستعداد للصواريخ الجميلة والذكية، فقال على تويتر:

لم أحدد أبدًا في أي اجتماع موعد الضربة على سوريا، قد تكون قريبة جدًّا، وقد تكون غير قريبة!

وبعد ذلك بأيام كانت الضربة. فهل ثمة رسائل من صواريخ ترامب الذكية؟

كان نظام الأسد قبل التحضير للضربات الأمريكية وأثناءها، بسبب استخدامه السلاح الكيماوي للمرة الثامنة في ما أمكن حصره من هجمات، يستخدم النابالم والقنابل العنقودية والبراميل المتفجرة والحصار والتجويع؛ لقتل الشعب ذاته الذي يقصفه بالكيماوي.

أما عن القتل في مسالخ الأسد، فأكثر وأكبر من أن تحصى، فصور القيصر، وقبل بسنوات صور حمزة الخطيب، وحكايات المغتصبات داخل سجون الأسد، توضيح «لعميان العالم الحر عن كل فضيلة» الخيط الطويل، لجرائم يتشكك القادة الغربيون كثيرًا حول المسؤول عنها، وعمن تجب مساءلته، ثم يقررون في النهاية إبراز السبايا الأيزيديات، والتغطية على المغتصبات في سجون الأسد، وإبراز جرائم داعش، وإخفاء جرائم النظام وحلفائهم هناك، روسيا وإيران.

فالحكومات الغربية الحريصة على حقوق الإنسان في تركيا، والقلقة على الحريات في ظل حكم أردوغان، تقوم تحت قيادة أمريكا، بالضرب من أجل منع استخدام السلاح الكيماوي مرة أخرى، لكنها لا تسعى لإنهاء حكم الأسد، فالكثيرين منهم اليوم، راح يصرح بأن غياب الأسد -الذي يقصف الشعب بالكيماوي- سيعني الفوضى!

فالذي استخدم كل هذه الأسلحة، «وجميعها قذر» من أجل إخضاع وإسكات شعب يطلب بحرية القدرة على انتخاب من يقوده أو عزلة، والتحرر من قيود ليس لها أي تفسير على الكلام والطعام والنقد الاعتقاد، والتحرر من حالة العبودية – الكاملة والحقيقية – التي يعيشون فيها تحت حكم أسرة الأسد العلوية، ويطالب بالقدرة على محاسبة من يسرقون أقواتهم، ويقتلون أولادهم، ويغتصبون نساءهم في حال السلم والحرب، حملوا السلاح ضد الدولة المعتدية الظالمة أم لم يحملوا، انتقدوا النظام الفاجر أم لم ينتقدوا، والمطالبين بسيادة القانون، عند حكام أمريكا والغرب وقيادات غالب الدول الإسلامية – التي لم يخترها أحد من شعوبهم – باق ولا بد له أن يبقى!

لأن أمثاله يضخون الدم في شرايين الولايات المتحدة والغرب، والتي كان منها مليارات السعودية، وصفقة القرن، والتنازل عن تيران وصنافير المصريتين، ومناجم الذهب وحقول الغاز وهلم جرا.

وأمثاله في الغالب لا يحاسبهم «العالم الحر»، بل يؤمن له «الخروج الآمن» و «التقاعد المشرف»، ويفتح له المنتجعات الغربية ليجلس فيها إن شاء، على حساب الدم الذي أساله من أجل التنعم بتلك اللحظات، فيكتب مذكراته بعد 20 عامًا، ليلوم الضحية ويسود وجهها، ويبارك أفعال النظام الذي كان يقوده، مع بعض الانتقاد الخفيف لتجاوزات فردية، وأفعال غير مقصودة، تحدث عند محاربة الظلام والتطرف والإرهاب ومثيري الفوضى، في بلاد الفراشات الحمراء، والبعوض المتخم بدماء من قالوا «حرية».

أما عن ضربات ترامب وحلفائه، الذين هم بالمناسبة «أصدقاء الشعب السوري»، فكانت لها حسابات أخرى مثل:

 

  • إزالة الشك عن قلوب حلفائه حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في الأحداث المستقبلية، وقدرتها على تنفيذ وعودها، لكن فقط حينما تريد وترغب، والرغبة تحركها النقود.
  • إبعاد الشكوك حول تعاونه مع الروس من أجل الوصول للسلطة، فها هو يضرب حليفهم، ويناوش الروس عبر تويتر، وعبر مندوبته في الجلسات «الاستعراضية» للأمم المتحدة.
  • الإثبات للقاعدة الجماهيرية، بأن رئيسهم إذا وعد أوفى.
  • لفت الأنظار وإضعاف الضغوط التي تحاصره، بشأن التحقيقات التي تجري ضده هذه الأيام، وفضائحه التي أصبحت تتوالى، وتتصدر الصحف الكبرى.

 

فهي ضربات لم تكن أخلاقية، ولم تكن تسعى إلى إحقاق الحق أو نصرة المظلوم، لأن المظلوم كل يوم يذبحه نظام الأسد بسكين جديد، وهذا «العالم الحر» يشاهد ثم يتساءل:

من الذي يقصف المدنيين في سوريا بالطائرات؟

وهل ضرب النظام حقًّا الشعب بالكيماوي؟

وهل السكين المستخدمة في الذبح صناعة إيرانية أم روسية؟

وهل هذا الذبح يؤثر في التيارات السورية الرافضة للخضوع الدولي، أم في التيارات الخاضعة والمستعدة للخضوع؟

والناظر إلى الملاكمات الكلامية بين الروس والأمريكان بشأن الجرائم التي تحدث في سوريا داخل أروقة الأمم المتحدة، لما ينظر إلى الابتسامات والقبلات المتبادلة بين المندوب الروسي والمندوب الأمريكي، عند انتهاء الجولة، يفهم غاية الأمر.

ضربات في المليان الفارغ؟!

وفي الأخير، كانت ضربات الأمريكان الأخيرة، استعراضية، ولا جدوى من ورائها، لعدة أسباب منها:

– أن التهديدات والتصريحات والاجتماعات، أعطت مساحة كبيرة من الوقت – مقصودة- ليسحب في أثنائها النظام قواته من الأماكن التي يبدو أن روسيا – حليفة الأسد – كانت تعلم بها عن طريق ماكرون، ويفرغها من محتواها المهم تمامًا.

وأن تصريح وزير الدفاع الأمريكي بأنهم دمروا المختبرات والمعامل الخاصة بالكيماوي، وهذا يقضي على أبحاث وجهود قام بها النظام لسنوات، من أجل تطوير هذا السلاح، ليس له معنى، لأن النظام سحب بالفعل أبحاثه وباحثيه من كل المواقع التي كان من المتوقع أن تطالها القنابل الذكية الجميلة، كما سماها ترامب.

– والصور القادمة من سوريا بعد الضربات تفيد بأن الضربات كانت مؤثرة على «مشاعر النظام»، وليس على قدراته العسكرية، التي يستغلها في ضرب الشعب بالكيماوي وغير الكيماوي.

– تصريح قيادات الدول المشاركة في الضربات، بأنها انتهت، وأن المهمة قد أنجزت، وأنه لا نية لدى هذه الدول لشن هجمات اضافية في الوقت الراهن.

– تصريح قيادات الدول المشاركة في الضربات بأنهم لا يسعون إلى إزاحة الأسد من السلطة – بالرغم من كل جرائم الحرب والجرائم اللاأخلاقية- بعد أن كانت أيام الأسد في السلطة معدودة، فيما مضى من تصريحات. والذي معناه، فليستمر الأسد فيما كان يفعل هو والروس والإيرانيون من قبل، من القتل بالبراميل المتفجرة، والقنابل العنقودية، والإحراق بالنابلم، والتغيير الديموغرافي قسرًا وعمدًا، أما القتل بالكيماوي فهذه جرائم لا يستطيع قادة هذه الدول تحملها، لأنها «فظيعة» و«مرعبة» و«غير أخلاقية».

وفي النهاية، لا أدري هل يدخل ما فعله ترامب في باب قذف المحصنات، أم لا؟

فترامب قذف، والأسد ما يزال محصنًا في أحضان بوتن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد