بعد الضربة الجوية التي صرح بها البنتاجون على مواقع تابعة للمليشيات العراقية الموالية لإيران، والتي أوقعت العديد من القتلى والجرحى في صفوفهم إضافة إلى تدمير مخازن مهمة، ومراكز تحكم للطائرات المسيرة التي حصلت عليها المليشيات من إيران، لم يعد من الممكن لهذه المليشيات السكوت. خصوصًا بعد أن استنكرت الحكومة العراقية وعلى لسان الناطق الإعلامي للقائد العام للقوات المسلحة اللواء يحيى رسول هذه الضربة، وعدتها انتهاكًا للسيادة العراقية.

لم يعد بإمكان تلك الفصائل أن تبقى مكتوفة الأيدي، وأصدرت قيادات بعض تلك الفصائل بيانات التنديد والتوعد بالانتقام؛ بل عدَّ بعضهم أن ما حصل سيكون شرارة الحرب الشاملة التي قررتها تلك الفصائل للرد على الضربة الأمريكية.
لكن السؤال المطروح هنا:
ما إمكانيات تلك الفصائل؟ وما الذي يمكن أن يكون مصدر تهديد حقيقي للوجود الأمريكي في العراق؟
الجواب يكمن في طبيعة ما تمتلكه تلك المليشيات من أسلحة حصلت عليها من إيران ومن الحكومة، باعتبار أن كثيرًا منها منضوٍ تحت لواء الحشد الشعبي، والدور التي تريده إيران لهذه الفصائل.

خيارات الرد تبدو محدودة جدًا أمام تلك المليشيات عسكريًّا؛ فالقوات الأمريكية لم تعد منتشرة في كل أنحاء العراق، ولا تتجول في الشوارع، ووجودها منحصر في قاعدتين أساسيتين هما قاعدة عين الأسد في الأنبار والقاعدة العسكرية في أربيل، وهذه تعد صغيرة بالنسبة لعدد الجنود الموجودين فيها بالنسبة لعدد القوات الموجودين في قاعدة عين الأسد، والتي تعرضت قبل ذلك لقصف صاروخي إيراني مباشر في 8 يناير (كانون الثاني) 2020 ردًّا على اغتيال سليماني.
كذلك يوجد أيضًا السفارة الأمريكية في بغداد والتي تستهدفها المليشيات بشكل مستمر بصواريخ الكاتيوشا دون وقوع إصابات في الأرواح أو الممتلكات.

من خلال تلك المعطيات والمستجدات على الأرض فلدى المليشيات خيارات الرد التي كانت دائمًا تلوح بها، وهي قصف السفارة والقواعد الأمريكية ولكن هل ستسكت أمريكا لو قتل جندي أمريكي في العراق؟ لا أعتقد ذلك.

ومن وجهة نظري ستعمل المليشيات على التكثيف من هجماتها على أرتال الدعم اللوجستي، وهي أرتال تحمل المعدات والمؤن للقوات الأمريكية، ودائمًا ما تتعرض للاستهداف مع أن أغلب العاملين في هذه الأرتال هم من المقاولين العراقيين والذي قتل العديد منهم في هجمات سابقة.

يبقى أمامهم خيارات أخرى إن كانوا جادين فعلًا في الحرب الشاملة كما يدعون .

الخيار الثاني هو استخدام الطائرات المسيرة والتي قصفت مناطق في أربيل قبل أيام قليلة والضربة الأمريكية الأخيرة كانت لوقف استخدام تلك المسيَّرات حسب تصريح البنتاجون وهذه المسيرات ما هي إلا ورقة جديدة تستخدمها إيران ضد أمريكا في المباحثات النووية الجارية حاليًا في فيينا .

أما الخيار الأخير أمامهم هو استخدام صواريخ أرض-أرض قصيرة المدى وهذا قد ينجح خصوصًا أن أمريكا سحبت منظومات الباتريوت العاملة في العراق قبل أيام قليلة، لكن استخدام هذا النوع من الصواريخ قد يفتح صفحة لا أعتقد أن المليشيات الولائية تريد فتحها في هذا الوقت بالذات؛ لأنها لا تمتلك القرار أصلًا؛ وإنما هي تنفذ ما تطلبه منها إيران.

إن دخول الحكومة العراقية على الخط في هذه الأزمة سيعمل على تخفيف حدة التصريحات رغم الاستنكار الصريح لهذه الضربة، وستعمل على تخفيف التوتر وهذا هو دورها الحقيقي الذي يحفظ ماء الوجه للمليشيات، وهو دور ستلعبه بأوامر من طهران.

إن وجود المليشيات المسلحة في العراق أمر بات يؤرق جميع الأطراف: الحكومة وأمريكا وإيران أيضًا.

فهي تقوض سلطة الدولة العراقية وتمثل تهديدًا حقيقيًّا للأمن في المنطقة بصورة عامة، أما بالنسبة لإيران فهذه المليشيات بدأت بالخروج عن سيطرة النظام الإيراني، وأصبح لدى البعض منها تمويل ذاتي متمثل في تهريب النفط والسيطرة على المنافذ الحدودية، وغيرها من الموارد التي باتت تسيطر عليها في العراق وهذا الخروج عن السيطرة أقرته إيران سابقًا، وتسعى إلى التخلي عنهم وتشكيل مليشيات محدودة العدد في العراق لها دور آخر غير الدور الذي تشكلت المليشيات الحالية لتنفيذه.

أما بالنسبة لأمريكا فهذه المليشيات تعرقل كثيرًا المصالح الأمريكية في العراق، وأصبحت عائقًا أمام أمريكا، يجب التخلص منه. فهل سنشهد في الأشهر القليلة القادمة بداية النهاية لتلك المليشيات؟ 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد