سلام من صبا بردى أرق … ودمع لا يكفكف يا دمشق

ومعذرة اليراعة والقوافى … جلال الزرء عن وصف يدق

وذكرى عن خواطرها لقلبى … إليك تلفت أبدًا وخفق

وبى مما رمتك به الليالى … جراحات لها فى القلب عمق

أحمد شوقى.

(1)

قامت الولايات المتحدة الأمريكية بضرب قاعدة الشعيرات السورية، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن قواعد النظام السوري هي التي شنت الهجوم الكيمائي على منطقة خان شيخون السورية؛ مما تسبب في وقوع عشرات القتلى في صفوف المدنيين، بينهم أطفال ونساء، وتمت الضربة الأمريكية  انطلاقًا من مدمرتين أمريكيتين في شرق البحر المتوسط، وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية جيف ديفيس: إنه بتوجيه من الرئيس دونالد ترمب نفذت القوات الأمريكية هجومًا بصواريخ كروز، نوع توماهوك، مشيرًا إلى أن الضربة جاءت كرد على قيام النظام السوري بهجوم كيمائي في خان شيخون قتل وجرح مئات من المواطنين الأبرياء.

وبيّن ديفيس أن 59 صاروخًا استهدف طائرات وملاجئ الطائرات ومستودعات للوقود والدعم اللوجستي ومستودعات الذخائر ونظم الدفاع الجوي وأجهزة الرادار. وذلك العمل أثار تساؤلات، مثل:

  • هل التدخل الأمريكى موقف دائم؟ أم مؤقت فى الأزمة السورية؟
  • ما هي الرؤية الأمريكية للوضع في سوريا؟

(2)

أيها الساعون إلى الحرية الحقة، تذكروا أن المعرفة هى الطريق الصحيح إلى مُبتغاكم. سقراط

هل التدخل الأمريكى موقف دائم أم مؤقت؟

إن أي محاولة أمينة وصادقة ومجتهدة فى نفس الوقت للإجابة على هذا السؤال يجب أن تنظر للوضع الأمريكى بشكل عميق، فأمريكا اليوم تشبه:

عملاق كبير تساوره الشكوك في مدى قوته ومدى قدرته على استخدام تلك القوة ومدى مقدرته على الاحتفاظ والحفاظ على تلك القوة.

فالبلد الذى يراه الجميع يتسلح بكل وسائل القوة أصبح في داخله مصابًا بالوساوس، وعرضة في كثير من الأوقات لأزمات الشك في الذات. وتلك قضية مركبة فيها جوانب مرئية وفيها جوانب مخفية فيها الجانب الاقتصادي، وفيها الجانب  السياسي، وفيها الجانب الاجتماعي، وفيها الجانب الثقافي، وفيها وقبل كل شيء الجانب النفسي، وتلك معضلة حتى على أعتى خبراء علم النفس من سيجموند فرويد إلى كارل يونج، وعلى أهم خبراء علم الاجتماع من ابن خلدون وحتى إميل دوركايم)، وعلى أعظم الفلاسفة السياسيين من (أرسطو حتى مكيافيلي!

لقد دخلت الولايات المتحدة الأمريكية بعد قيادتها للحرب العالمية الثانية وانتصارها فيها مع حلفائها بريطانيا تشرشل، وفرنسا ديجول، والاتحاد السوفيتي ستالين، على محور نازية الفوهرر أدلوف هتلر في المانيا،  وفاشية الدوتشى بينتو موسوليني في إيطاليا، وعسكرية الجنرال “توجو” في اليابان.

ثم خرجت أمريكا من الحرب العالمية الثانية لتجد تحديين:

التحدى الأول– ثورات التحرر الوطني التي انطلقت فى أربعينات وخمسينات وستينات القرن الماضي في مصر عبد الناصر، ويوجسلافيا تيتو، وهند نهرو، وغيرها من البلدان في العالم الثالث على طول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

– وقد تعاملت أمريكا مع هذا التحدى باستخدام عدة سياسات في نفس الوقت مثل شرطي المنطقة، فتارة هي إسرائيل اليهودية الصهيونية، وتارة أخرى هى إيران الشاهنشاهية، بالإضافة لذلك استخدامت أسلوب الانقلابات من الداخل لإزاحة الأنظمة المشاغبة، ووصل الأمر إلى سياسة الاغتيالات المباشرة.

ولقد كان الزعيم الهندى الكبير نهرو يقول:

نحنُ محاصرون في منافسة بين قوتين أمريكيتين، واحدة (شريرة غامضة) تُستعمل للتطويع والإخضاع هي وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، والثانية (براقة وخداعة) تُستعمل للغواية والإغراء، وهي هوليوود عاصمة السينما. ومشكلتنا أنه إذا فازت المخابرات المركزية أصبحت حريتنا مهددة، وإذا فازت هوليوود تصبح ثقافتنا مهددة.

وتدخل وزير خارجية الهند وقتها كريشنا مينون يذكر نهرو:

بأنه نسى قوة ثالثة لابد أن تدخل في المعادلة وهي قوة البنتاجون، وزارة الدفاع.

ورد نهرو قائلًا لمينون:

لك الحق، ولكنى أظن أن فقدان الناس لحريتهم، وفقدانهم لثقافتهم
يمكن أن يتم بغير صخب، وحتى دون أن يشعروا، لكن السلاح عندما يتحرك يثير ضجة تُنبه الآخرين إلى أنهم معرضون لتهديد النار

نهرو

التحدى الثاني، مواجهة إمبراطورية الشر: الاتحاد السوفيتى الشيوعي، بقيادة رجلها الحديدي، جوزيف ستالين، وخلفه الكتلة الشرقية وحلف وارسو.

– وقد تعاملت أمريكا مع هذا التحدى باستخدام سياسة سباق التسلح لكى تقطع أنفاس الاتحاد السوفيتي في سباق تكاليف له أول وليس له آخر! واستطاعت أمريكا أن تكسب معركتها بكفاءة تخطيط السياسات ووفرة الموارد وانتشار الإعلام وبراقة الإعلان، وكانت نتيجة الحرب بين الشرق الشيوعى والغرب الرأسمالى قد ظهرت في نهاية عصر الرئيس ريجان”حين خرجت صرختان من إمبراطورية الشر الاتحاد السوفيتى التي أسسها لينين، وبناها ستالين وشرخها خرشوف، وربطها برجنيف، وفكها جورباتشوف، وهشمها يلتسن إلى أبد الأبدين!

  • كانت الصرخة الأولى من جورباتشوف بأنه لم يعد يستطيع تحمل المُضى إلى نهاية الطريق!
  • وكانت الصرخة الثانية من يلتسن بأنه فقد الأمل في الإصلاح، ومن ثم فعليه القفز إلى المجهول!

والشاهد أن الولايات المتحدة تحولت بعد سقوط الاتحاد السوفيتى من قوة أعظم super power إلى قوة كاسحة Hyper power ثم أصبحت القوة المفرطة.

ولكن الطرف الأمريكى هو الآخر كان لديه بدوره ما يدعوه إلى الصراخ من مواجعه وآلامه، لكنه تحمل ولم يصرخ حتى سمع صرخة خصمه قبله، وبالفعل فقد حدث في بداية التسعينات وكان الرئيس ريجان قد ترك مكانه في المكتب البيضاوى لنائبه جورج بوش الأب أن الولايات المتحدة وجدت نفسها مثقلة ومستنزفة.

  • فقد تبين لها أنها مدينة بما يزيد على مجمل إنتاجها السنوي 5 تريليون دولار.
  • وتحققت من أن اقتصادها في عمومه تأثر بالضرر، بما جعل سقوط جورج بوش الأب في انتخابات الرئاسة الثانية محققًا على أساس شعار أطلقه بيل كلينتون أنه الاقتصاد يا غبي.
  • ثم إنها اكتشفت أن نظام التعليم الأمريكى تراجع فى جدول الأسبقية العالمية من المكانة الأولى إلى المكانة السابعة عشرة.
  • وأهم من ذلك كله أن الولايات المتحدة قد استنزفت  كثيرًا  من أرصدتها السياسية وأولها المصداقية، كما استنزفت كثيرًا من مدخراتها وأهمها (احتياطى الذهب في فورت نوكس)، ثم إنها وهذا هو الأخطر قد أسرفت في استعمال الطاقة حتى أصبحت مستوردة للبترول بقرابة 80% من احتياجاتها قبل أن يظهر النفط الصخرى.
  • بالإضافة إلى عدم المساواة المتسعة في الدخل مع الحراك الاجتماعي الراكد الذى يمثل خطرًا على التوافق الاجتماعى داخل المجتمع الأمريكى.
  • إن مواجهة أمريكا للاتحاد السوفيتى قد أتاحت الفرصة لآخرين: ألمانيا، فرنسا، اليابان، الصين، الفرصة لبناء أنفسهم؛ بما يجعلهم قادرين اليوم على أن يقفوا لمنافستها دون  خوف أو رهبة!
  • ثم هي مشوهة  في صورتها العالمية من كثرة الحملات التي وجهت إلى سياساتها في العالم الثالث.
  • ثم هي أخيرًا مكشوفة في هيبتها، وبعضه من سوء صورة عدد من رؤسائها، خصوصًا  بعد فضيحة ووتر جيت، وقد ترتب عليها عزل رئيس أمريكي نيكسون، وتبعها فضيحة مونيكا جيت، وترتب عليها توجيه الكونجرس اللوم والتقريع إلى رئيس آخر: كلينتون.

وكان المطلوب: هو عملية ترميم شامل للقوة الأمريكية صلبة وناعمة

وجاء كلينتون بفورة الشباب وحيويته يحاول ترميم القوة الأمريكية مُستعملًا أسلوب الحرير، وقد نجح فى الاقتصاد، ولكنه قضى أغلبية وقته فى البيت الأبيض يحاول أن يشرح للشعب الأمريكى الفرق بين جنس كامل مارسته عشيقاته معه! جنس غير كامل مارسه هو معهن! وأمثلة عشيقاته كثيرة وجميلة فى الوقت ذاته! فهناك أسماء من عينة جنيفر فلاورز وبولاجونز، وكاثلين ويلى، ومونيكا لوينسكي، ثم تحول همه إلى أن يُدافع عن نفسه أمام زوجته هيلارى، وهى الأهم! ولكنه وسط كل مشاغله الجنسية مع عشيقاته والقانونية مع المدعى العام الأمريكى والحزبية مع الكونجرس والشخصية مع زوجته، لم ينس أن يُرسل دُفعة صواريخ إلى العراق فى عملية سُميت ثعلب الصحراء؛ ليذكر الجميع بأنه رئيس قوى وقادر على الفعل الإنسانى والسياسى معًا! فى البقعة المفتوحة لأى رئيس يريد أن يثبت رجولته وفحولته أمام شعبه وحتى أسرته.

كلينتون وهيلارى

ثم جاء الدور بعد ذلك على جورج بوش الابن، يحاول ترميم القوة الأمريكية مستعملًا أسلوب الحديد عوضًا عن الحرير فقد قرر  مع صقور إدارته أن يفرضوا على العالم سطوة القوة الأمريكية، فغزا العراق وأسقط نظامه بعد أن دمر البلد، وقبل ذلك دمر أفغانستان وأصبحت القوة الأمريكية منتشرة على امتداد الكرة الأرضية، وتعثرت محاولة بوش الابن هو الآخر في عملية الترميم الشامل للقوة الأمريكية على صخرة حماقة المبالغة فى استخدام القوة الصلبة الأمريكية (السلاح). 

بوش الابن

و من بعد ذلك جاء الدور على رئيس آخر باراك أوباما يحاول الترميم وإصلاح ما هدمه بوش الابن بسياساته الرعناء الخاطئة. جاء الرجل وقد ورث اقتصادًا أمريكيًا منحدرًا وعسكرية متسعة بشكل كبير وميراثًا مريرًا من الكراهية والحنق في الشرق الأوسط، وبدأت القوى الصاعدة الجديد التى تسمى ببلدان البركس (البرازيل والهند والصين) تتحدى التفوق الأمريكى العالمى؛ مما أدى ببعض المحللين إلى أن يتحدثوا عن عالم ما بعد أمريكا، ويرى عددًا من الخبراء أن أوباما حاول أن يُصلح الأوضاع ونجح فى عدة مناحى أهمها: إعادة بناء صورة أمريكا فى العالم من جديد بعد أن شوهتها سياسات بوش الابن، وإعادة إطلاق العلاقات مع الصين بشكل فعال، وإضعاف القاعدة الإرهابية بتصفية زعيمها أسامة بن لادن وفي النهاية ذهب أوباما تاركًا خلفه المعضلة السورية والمشكلة الإيرانية. 

أوباما

ثم أخيرًا، وليس آخرًا، جاء ترامب يُجرب حظه، ولكن الرجل منذ أول عهده يواجه مشاكل لها أول وليس لها آخر، فهو رجل تحيط شرعيته  ظلال من الشك والتشكيك؛ جراء اتهامات من قبل الإعلام ومن عدد من الأجهزة الأمنية الأمريكية بتدخل روسيا لمصلحته ضد منافسته الديموقراطية هيلارى فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

إن ترامب ومنذ اليوم الأول لتنصيبه يخوض صدمات وصراعات تتكشف بصورة جلية كل يوم في ظل ما يتنتهجه الرجل من أفكار وسياسات ربما تتعارض بشكل كبير مع التوجهات الفكرية للمؤسسات الأمريكية المختلفة، فمنذ اليوم الأول لتنصيبه والرجل يخوض مواجهات وصراعات داخلية تنطلق فى شتى الاتجاهات وتسير فى مختلف الطرق وتتفتح على كافة الاحتمالات. فهو فى صراع مع الجميع حتى داخل إدارته، فهو فى مواجهات دائمة منذ توليه مقاليد الحكم، فدخل فى صراع مع القضاء، ومع الكونجرس، ومع الإعلام،ومع عدد من الجمعيات الهامة فى أمريكا، ومع قطاع  عريض من الأقليات الذين يروه يريد القضاء عليهم، وهكذا، نقاشات ومواجهات وصراعات وصدمات  وحروب داخلية لا تنتهى حتى داخل إدارته نفسها.

ترامب

(3)

تكلم بلطف واحمل عصا غليظة. فرانكلين روزفلت

الرؤية الأمريكية للوضع فى سوريا من البداية وحتى اليوم؟

ينسى البعض أن جزء من أسباب غزو العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية هو الضغط على سوريا وإيران (محور الممانعة والمقاومة)، وذلك لأن وجود أمريكا بقواتها فى العراق كان يضع سوريا وإيران تحت حصار خانق:

  • لأنها (أى سوريا) بعد احتلال العراق، تصبح مفتوحة من الشرق بوجود أمريكي في الجوار المتصل بها إلى درجة الالتحام.
  •  ومحاصرة من الشمال بتركيا والوجود الأمريكي القائم فعلًا على أرضها، وبمناطق الأكراد شمال العراق والولايات المتحدة معهم هناك أيضًا.
  •  إلى جانب إسرائيل من الجنوب.
  •  إلى جانب أن النظام الهاشمى في الأردن ليس صديقًا مغرمًا بالنظام البعثى في دمشق.
  • بالإضافة إلى وجود بعض العناصر في التركيبة اللبنانية لا يُرضيها تحكم سوريا وحلفائها في القرار اللبناني.
  • والذى حدث أن أن القلق السوري  البعثى فى دمشق تلاقى مع مخاوف إيران وملاليها فى طهران، فاتحدوا معًا ضد وجود القوات الأمريكية فى العراق، واتفق كُلًا من البعث السوري والملالى الإيراني على أن يضعوا الأمريكيين بينهم ككسارة البندق، ويضغطوا عليها ويرفعوا تكلفة وجودها في العراق حتى تضطر للخروج مهزومة، وهذا ما حدث.
  • للمزيد من التفاصيل مراجعة الرابط.
  • وعندما قامت الأحداث فى سوريا وتزعزع موقف بشار الأسد لم تذرف أمريكا الدموع على النظام البعثى فى دمشق.
  • وعندما دخل كُل من إيران وحزب الله إلى جوار حليفها (بشار الأسد) الذى كاد أن يسقُط، لم تحزن أمريكا كثيرًا، بل على العكس  ربما تكون فرحت؛ لأنهم (أى إيران وحزب الله) بتدخلهم على أرض الدم والنار فى سوريا يستنزفزن أنفسهم فى المواجهات الدائرة هناك بدون أى تدخل أمريكى مباشر.
  • وحتى عندما انضمت روسيا بوتن إلى جوار حُلفائها، بالرغم من قلق ظاهر من ذلك التدخل، إلا أنها (أى أمريكا) تمنت أن تغرس روسيا فى الوحل السورى أكثر، وخصوصًا لو نزلت روسيا من السماء بطائرتها إلى الأرض بقواتها البرية ، لتصبح سوريا بمثابة أفغانستان جديدة لروسيا!

 سوريا وحلفاؤها

  • إن موقف أمريكا ظل يراوح مكانه طوال فترة حكم أوباما الذي عقد الصفقة النووية مع إيران حليف دمشق الوفى.
  • بالإضافة إلى أن أوباما، بالرغم من تحريض عرب الخليج وعلى رأسهم (السعودية) له على التدخل فى سوريا لم يكن يُريد أن يدخل إلى حرب جديدة فى الشرق الأوسط بعد أن خرج من العراق شبه منسحب بعد خسائره الكبيرة هناك. وإن ظل أوباما يضغط على النظام السورى سياسيًا وإعلاميًا.
  • الغريب أنه قبل أيام قليلة كان موقف إدارة ترامب تغير جذريًا، فقبل أيام قالت مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة «نيكي هيلي»:

«إن سياسة بلادها في سوريا لم تعد تركز على إزاحة الرئيس بشار الأسد».

وكذا ما قاله بعدها المتحدث باسم البيت الأبيض «شون سبايسر»:

إن هناك حقيقة سياسية واقعية علينا تقبلها بخصوص حكم رئيس النظام السوري بشار الأسد. وأضاف سبايسر إن الولايات المتحدة «فقدت فرصًا كثيرة في ظل إدارة أوباما فيما يتعلق بالأسد».

برأيي ما يهم روسيا بالدرجة الأولى هو القرم، إذا ما تم التوصل لتفاهم حولها سترون مرونة أعلى فيما يخص سوريا.

 

 

ترامب وعبدالله

  • برأيى أن دافع الضربة الأمريكية هو الفشل الداخلى.بمعنى الهرب من فشل الداخل (الأمريكى) بالضرب فى الخارج (السورى) وذلك حدث من قبل مع إدارات كلينتون وبوش الابن من أجل إثبات أن الإدارة الأمريكية الجديدة تمتلك العزم والمقدرة الكافية على الفعل،بالإضافة إلى ذلك إرضاء عدد من حلفاء أمريكا الغربيين (بريطانيا وفرنسا) الذين يُلحون على اتخاذ موقف قوى فاعل فى الأزمة السورية من أيام اوباما، ونفس الشيء ينطبق على عرب الخليج (السعودية والامارات)، ويكون ذلك مدخل لفرض أتاوات جديدة عليهم.
  • تحقيق ولو نجاح واحد فى أى شأن أو قرار تتخذه إدارة ترامب وسط سلسلة الفشل المتتالية السابقة. وخصوصًا وأن الفعل هذه المرة مضمون النجاح ومحدود العواقب فهو فى المنطقة الخالية والمفتوحة (العالم العربى) لأى رئيس أمريكى يريد ان يُثبت رجولته أمام شعبه (من كارتر وحتى ترامب) وضد بلد اعتصرته حرب ضروس منذ سنوات (سوريا).
  • إن المُدقق فى الضربة الأمريكية سيجد أنها ضربة تلفزيونية بامتياز هدفها التأثير السياسى والنفسى أكثر منها هدف عسكرى. حيث أعلن البنتاغون أن الولايات المتحدة أبلغت روسيا مسبقًا بالضربة الصاروخية الضخمة التي وجهتها فجر الجمعة إلى قاعدة جوية للنظام السوري.
  • ما قالته قناة الميادين اللبنانية في خبر عاجل لها: إن قيادة الجيش السوري أخلت القاعدة الجوية من معظم الطائرات قبل القصف الصاروخي الأمريكي الجمعة. أى أن النظام السورى كان على علم بالضربة الأمريكية مسبقاً، وذلك يشى بأن أمريكا لم تكن تريد خسائر كبيرة فى صفوف الجيش السورى.

وأخيرًا ماقال أحد المسؤولين المشاركين في التخطيط :

إن الهجوم الصاروخي كان ضربة واحدة وليس بداية لحملة متصاعدة.

الخُلاصة: إن التدخل الأمريكى هو تدخل تكتيكى مؤقت وليس استراتيجى دائم ، ولعل تلك الضربة الأمريكية أضافت للرئيس السورى بشار الأسد أكثر مما خصمت منه.

وفى النهاية فإن العالم العربي يعيش حالة استباحة كاملة لمصائره، وأصبحت الأمة فريسة مكشوفة للإهانة والعدوان من كل جانب، والأمثلة كثيرة، وإن كان عدها أمرًا موجعًا ومؤلمًا.

في أجواء مُعتمة لا يلمع فيها غير ألسنة لهب وبقع دم والكثير من الظُلم والقهر، في تلك الأجواء يقف العالم العربي  وقد أضاع بوصلته، ومزق خريطته.

ويجد العرب أنفسهم يقفون وحيدين شريدين حائرين تائهين بين أطلال مدن وبقايا قبائل وسط صحراء كبيرة، وهم لا يجدون معهم بوصلة تدلهم على ثمة اتجاه، أو خريطة ترشدهم إلى بداية طريق.

ورحم شاعر العرب الكبير الذي قال:

«لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها… ولكن أحلامُ الرجال تضيقُ»

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

محمد حسنين هيكل-الاعصار الأمريكى
عرض التعليقات