الضربة الأمريكية نظرة على العقلية والآداة والمكان.
أولا العقلية :
لا يمكن أن تتحرك الإرادات على أرض الواقع دون دوافع في العقول والقلوب والضمائر وعلى هذا الاساس كان لابد من معرفة منشأ العقلية الامريكية التى إتخذت القرار والأداة التى عبرت بها عن ما تريد فالادوات تحمل في طياتها ثقافة العقول المستخدمة لها ,و نعلم جميعا أن القرار السياسي الأمريكي يتخذه الساسة في واشنطن و يروج له نجوم السينما في هوليود ,وقد أقر كثير من الكتاب والباحثين أن هناك عقليتان تسيطران على القرار الأمريكي على مر التاريخ.

العقلية الأولى هي عقلية القراصنة وهي عقلية مهيمنة على القرارالسياسي الأمريكي بطبيعة النشأة الأمريكية وثقافة القراصنة ثقافة متغلغلة في العمق الأمريكي لكنها أشد ما تكون وضوحا في القرارات السياسية, وقد أظهر هذه العقلية الكاتب جون بيركنز في كتابه الإغتيال الإقتصادي للأمم.

أما العقلية الثانية فهي عقلية المقامر وهي عقلية مهيمنة على الحياة الإقتصادية والإجتماعية الأمريكية وظهرت كثيرا في أفلام ومسلسلات أمريكية ولتعرف أكثرعن هذه العقلية المقامرة يمكنك مشاهدة فيلم Maverick تم إنتاجه عام (1994 ) كما تظهر في حجم الحيز التى تأخذه ثقافة اليناصيب وألعاب القمار وعمليات المقامرة في الحياة الأمريكية.
وعليه فقد إجتمع في الضربة الأمريكية الاخيرة على سوريا العقل المقامر (يناصيب ترامب) كرئيس وعقل القراصنة المهيمن على المؤسسة السياسية الامريكية.

و مع الاخذ في الإعتبار أن الاختلافات بين الولايات المتحدة وروسيا الإتحادية لا تندرج تحت بند سوء التفاهم حول القضايا السياسية والإقتصادية والعسكرية على المستوى العالمي والذي يمكن أن تعالجه مواقف وإجراءات تكتيكية، وإنما هي اختلافات جذرية وأساسية في العقائد والمصالح والنوايا مما سيجعل هذ الصراع بين النظامين مستمراً وحادا وتحت هذه المظلة تأتي الضربة الامريكية في سوريا وتحريك قطع عسكرية بإتجاه كوريا الشمالية لتكشفان العقلية المقامرة في البيت الابيض فبجهد قليل وضربة معلم كما نقولها في مصر استطاع أن يحقق كثيرا من النتائج لامجال لذكرها هنا فالصراع بين الدولتي هو صراع الأنوف الصلبة وتأتي الأداة المستخدمة لتظهر جانب آخر من العلاقات الأمريكية الروسيىة.

ثانيا الأداة :
القوة العسكرية المباشرة كأداة تحاور وتحقيق الأهداف في العلاقات بين القوتين العالميتين.
منذ أن أسس ريتشارد نيكسون خط الوفاق الأمريكي السوفييتي ـ الذي قرر وبوضوح أنه لا يمكن أن يقوم السلام بين الولايات المتحدة و روسيا (الاتحاد السوفييتي سابقا ) على أساس الصداقة المتبادلة لأن قيم وأهداف القوتين العظميين تختلف كلية عن بعضهما البعض، ولكن العلاقة يمكن أن تقوم فقط على أسس منها.
1- الاحترام المتبادل لقوة كل منهما ومصالحهما الشرعية
2- منع نشوب حرب نووية بين القوتين .
3- دخول كلا الدولتين في تفاهمات حول إدارة التنافس بينهما وسيتركز في المقام الأول على دول العالم الثالث التى تضم سوريا و كوريا الشمالية.
و لتحقيق هذه الاسس والحفاظ على إستمراريتها وترسيخها إستخدمت الولايات المتحدة عدة إستراتيجيات منها الردع والتفاوض والتنافس على كافة المستويات الإقتصادية والعسكرية.
لكن منذ سقوط صدام حسين ثم القذافي بتدخل عسكري أمريكي مباشر وشعرت روسيا القادمة من سرادب الإنهيار السوفيتي بأن أمريكا تلتهم حلفاء الروس واحدا تلو الآخر فكان تعاملها مع بشار الاسد إستجابة لهذا الشعور ولتحقيق اهدافها المذكورة سابقا,وأصبحت الأداة العسكرية طريقة حوار غير مباشر بين القوتين .
خلاصة ماسبق نحن في مرحلة جديدة من العلاقات الأمريكية الروسية سواء كانت الضربة الأمريكية متفق عليها مع الروس أو غير متفق عليها فإن النتائج التي حققتها الولايات المتحدة لن تختلف,
لكن ما سيختلف هو الرد الروسي ففي حالة أن الضربة العسكرية غير متفق وتم إخراجها بالشكل الذي تم تداوله في تصريحات الخارجية الأمريكية, فإن أبسط قواعد العلاقات الدولية تقول بحتمية الرد الروسي بنفس الاداة وبنفس القدر وفي مكان مشابه أي ان الرد الروسي سيكون بأداة عسكرية في منطقة نفوذ امريكى وصمت روسي.
أما في حالة أن الضربة العسكرية متفق عليها فسيكون الرد الروسي هو إستمرار نفس النهج العسكري في سوريا مع تجنب السلاح الكميائي.

ثالثا المكان :
ما أود ان أنوه عليه طبيعة سوريا والكوريتين الشمالية والجنوبية في العلاقات الروسية الأمريكية وطبيعة استخدام القوة العسكرية المباشرة كأداة تحاور وتحقيق الأهداف في العلاقة بين القوتين العالميتين.
ومن خلال تسليط الضوء على هذه النقاط ستتكشف لك نقاط غامضة في العلاقات الأمريكية الروسية
ولماذا سوريا ولماذا الكوريتين؟

أ- الحالة السورية في العلاقات الروسية الأمريكية.
سوريا هي منطقة نفوذ تاريخي روسي وصمت أمريكي غربي لكن بعد ثورات الربيع العربي وما حدث من مآساة أخذت الجغرافيا السورية في اتجاه أن تكون منطقة سيطرة روسية حالية حيث أصبح لروسيا قواعد عسكرية دائمة لها في سوريا ودخولها في الصراع بشكل مباشر .
وصاحب ذلك تصاعد النفوذ الأمريكي متمثلا التحالف مع الأكراد والتراخي في التعامل مع التواجد الجهادي بشكل عام و تنظيم الدولة الاسلامية بشكل خاص .
كما أن سوريا تحقق لروسيا رغبتين هامتين جدا أولهما انها موطيء قدم راسخ في المياة الدافئة بعيدا عن الحصار الأطلسي لها فروسيا تعتبر دولة شبه حبيسة ليس لها ممر للمياه الدافئة إلا عبر ثلاث منافذ بحرية المنفذ الأول عبر البحر الأسود الذي يمر بمضيق البوسفور، وهو ممر مائي ضيق تسيطر عليه تركيا العضو في حلف الناتو ويمكنها بسهولة أن تغلقه بوجه روسيا، المنفذ الثاني هو سانت بطرسبرغ، حيث يمكن للسفن أن تبحر في المياه الدنماركية العضو في حلف الناتو، وهذا المعبر أيضًا يمكن أن يُغلق بسهولة أمام روسيا، والمنفذ الثالث هو الطريق الطويل من المحيط المتجمد الشمالي، الذي يبدأ من مورمانسك ويمر عبر الفجوات البحرية بين غرينلاند وأيسلندا والمملكة المتحدة العضو في حلف الناتو.
ثانيا : تعتبر سوريا الحليف الأخير لروسيا داخل الجامعة العربية التى تعتبر منطقة نفوذ أمريكي تاريخيا ثم أصبحت منطقة سيطرة أمريكية حاليا كاحد نتائج معاهدة السلام المصرية الإسرائلية وحرب تحرير الكويت وحرب إحتلال العراق . مع ما لمنطقة الشرق الأوسط من أهمية إسترتيجية في موازين القوى العالمية.

ب- الكوريتين الشمالية والجنوبية في العلاقات الأمريكية الروسية.
بإستقراء التاريخ نجد أن أسباب تقسيم الكوريتين مرجعه الى عاملين:
العامل الاول العامل السياسي الذي تمثل بقرار تقسيم كوريا وفق مقررات مؤتمر (بوتسدام) 1945م.
العامل الثاني نتائج نشوب الحرب الكورية 1950م مع تدهور الأوضاع الإقتصادية لكوريا الجنوبية ونشوب بعض الاشتباكات بين قوات الدولتين، كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية حول خط التقسيم وهو خط العرض (38) درجة الذي أصبح مسرحاً لمعارك عسكرية دائمة بين الطرفي , وإرتفاع وتيرة حوادث الشغب أقدمت بعض قوات كوريا الشمالية بزعامة (كم إل سونغ) على اجتياز خط العرض (38) درجة متجهة نحو الجنوب بهدف تحقيق الوحدة الكورية، ومن ناحية اخرى كان (إي سنغ مان) رئيس جمهورية كوريا الجنوبية لا يقل حماساً للحرب على الشماليين، والذي رفع شعار (الزحف نحو الشمال)، لإعادة توحيد البلاد بالقوة، وطلب دعماً عسكرياً من الولايات المتحدة الامريكية.
ومع انتصارات القوات العسكرية الشمالية وتقدمها نحو العاصمة سول أحالت الولايات المتحدة الامريكية الموضوع لهيئة الأمم المتحدة لمناقشة و أصدر مجلس الأمن قراراً تضمن ثلاث نقاط:
1- شجب الهجوم المسلح الذي قامت به كوريا الشمالية.
2- الدعوة الى وقف الحرب.
3- سحب قوات كوريا الشمالية الى خط عرض 38 درجة. .
لكن لتطبيق هذه القرارات نشبت حرب من أعنف حروب التاريخ الحديث دموية إنتهت بترسيخ التقسيم بين شطري شبه الجزية الكورية.

وهنا شكلت الحرب الكورية اختباراً لميزان القوى بين الدول العظمى (الصين والاتحاد السوفيتي من جهة والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى)، حيث أثبتت عجز الطرفين عن حسم الحرب لصالح أي منهما، فتكرس مبدأ توازن القوى بين الدول العظمى، وكانت النتيجة تكريس الانقسام في كوريا تبعاً لانقسام النظام الدولي آنذاك إلى قطبين، وما تزال شبه الجزيرة الكورية مقسمة حتى الآن دون أن تنجح أي من الكوريتين في فرض الوحدة على الطرف الآخر.
و منذ ذلك التاريخ وكوريا الجنوبية منطقة سيطرة وحماية أمريكية , في حين أن كوريا الشمالية منطقة نفوذ روسي وسيطرة صينية .
ومن إستقراء العقلية الأمريكية والاداة التى إستخدمتها والطبيعة السورية في العلاقات الروسية الامريكية
وحدود الصراع الأمريكي الروسي .يلاحظ ان أمريكا توقعت أن الرد الروسي سيكون في شبه الجزيرة الكورية,فكان تحريك القطع العسكرية الامريكية الى هذا المكان كخطوة إستباقية ووقائية كمعبرعن تفهم أمريكا للروسيا ولتأثير الضربة العسكرية لسوريا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد