في 29 من فبراير من العام الجاري 2021م يكتمل عام على الاتفاق التاريخي (الأفغاني – الأمريكي) لوضع أوزار أطول حرب في التاريخ الحديث.

فبعد زهاء 18 عامًا من الحرب التي تصنف أنها الأطول في تاريخ الحرب الحديثة لأمريكا بين حركة طالبان الأفغانية والولايات المتحدة، بعد أن جندت أمريكا كل ترسانتها الإعلامية والاقتصادية والسياسية والعسكرية لهذه الحرب منذ أكتوبر من العام 2001م أي بعد شهر من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، التي تعد أطول حرب لها في تاريخها الحديث انتهت باتفاقية بعد فترة هدنة مؤقتة استمرت مدة أسبوع، إذ أعلن ترامب الجمعة 28 من فبراير 2020م في بيان أنه «قريبًا، وبناء على توجيهاتي، سيشهد وزير الخارجية مايك بومبيو على توقيع اتفاق مع ممثلي طالبان». والتي انتهت بالتوقيع اليوم التالي السبت الموافق 29 من شهر فبراير.

وقال ترامب إنه «سيعود، أخيرًا، إلى الأفغانيين وحدهم العمل على بناء مستقبلهم، لذلك نحن نحضهم على اغتنام الفرصة للسلام ولمستقبل جديد لبلدهم».

فهذه اللحظة التاريخية تعتبر مرحلة ذات بعد استراتيجي هام وخطوة نحو إنهاء أطول حرب أمريكية ولبدء عملية سلام ونهضة وتنمية يأمل كل أفغاني في أن تضع حدًا لصراع منهك ودموي استمر لأكثر من أربعة عقود منذ حرب الاتحاد السوفيتي.

تتركز الاتفاقية حول خمسة بنود رئيسية:

أولها: رفع العقوبات الدولية عن الحركة في 27 أغسطس من هذا العام 2020م.

ثانيًا: خروج حوالي 6 آلاف جندي أمريكي من جملة 13 ألف جندي وخروج 7 آلاف في ظروف 15 شهرًا. علمًا بأن التحالف الدولي أنهى مهمته القتالية في 2014، وما تبقى كان بهدف تدريب القوات الأفغانية. لكن الولايات المتحدة لم تتوقف عملياتها الخاصة وغاراتها الجوية بعد تلك الفترة.

ثالثًا: إخلاء الولايات المتحدة وحلفائها لخمس قواعد أمريكية والانسحاب الكامل من كافة الأراضي الأفغانية في ظل تسعة أشهر ونصف.

رابعًا: تحرير أسرى طالبان لدى الأمريكان والحكومة الأفغانية قدر العدد بــ5 آلاف أسير في مقابل أن تطلق طالبان 1000 أسير لديها، في خطوة لتعزيز الثقة بين الطرفين.

خامسًا: حث أعضاء مجلس الأمن على رفع طالبان من قائمة الإرهاب ورفع العقوبات في 29 مايو من هذا العام 2020م.

أكثر ما يميز هذه الاتفاقية أنها تمت في ظروف عكست القوة التفاوضية لحركة يعتبر أنها تفتقد للإمكانات العسكرية واللوجستية المتقدمة مقارنة بالتحالف الدولي الذي يمتلك التقدم في كل منظومة القوى الشاملة للدولة الأمريكية عمومًا وللجيش الأمريكي بكل قوته على وجه الخصوص.

كما تظهر الحالة الأفغانية أن الحركة الطالبانية استطاعت إحداث ربكة في موازين الحسابات الخارجية للجيش الأمريكي في فترة ثلاثة من الزعماء الأمريكيين بدأ من بوش الابن ثم باراك أوباما وصولًا للرئيس الحالي دونالد ترامب الذي هو يعتبر في نهاية فترته الانتخابية، فهذه الحرب الأفغانية ذات العقدين من الزمان قد مرت على ثلاث زعماء أمريكيين في ظل نظامين سياسيين كبيرين، أولهما نظام جمهوري تتشكل فلسفته حول التوسع الأفقي والرأسي وبسطت الهيمنة، وثانيهما نظام ديمقراطي تنكفي فلسفته السياسية حول الداخل مع تأمين المصالح القومية لكن كلاهما تحركه النظرية المصالحية الرأسمالية التي تخدم أمريكا وحسب، حتى ولو تم في سبيل ذلك إشعال دول بكاملها وزوال أنظمة مواليه كما تم حاليًا في أفغانستان إذ تصل أمريكا لاتفاق بعد أطول حرب في التاريخ الحديث لها مع حركة لم تتردد في إبداء نيتها الحكم الإسلامي وإزالة النظام القائم بعد خروج آخر جندي أمريكي محتل من أفغانستان، وفي نفس الوقت نرى أمريكا نفسها تخذل إن لم تتنكر للحكومة الأفغانية التي أتت بها والتي هي موالية لها!

فهل كان ما يريده الرئيس السابق ترامب هو محاولة إظهاره الاتفاقية كإنجاز سياسي خارجي له قبل الانتخابات الأخيرة تضاف لتاريخه السياسي محاولة منه للابتعاد من أي بادرة إخفاق في أحد أشيك ملفات السياسة الخارجية الأمريكية لكسب جولة انتخابية جديدة؟ وحينها يكون هذا هو ما استغلته حركة طالبان فكانت فرصة سانحة زادت بها قوتها التفاوضية؟

أم أنه فعلًا تمت هذه الاتفاقية تحت ضغط من أجهزة الأمن القومي الأمريكي له؟

الدروس المستفادة من الاتفاقية الأفغانية الأمريكية:

أولًا: أظهرت بنود الاتفاقية طبيعة القوة التفاوضية لحركة طالبان فمن أين اكتسبت تلك القوى التفاوضية؟

ثانيًا: عكست الاتفاقية الحالة الحقيقية لحركات المقاومة والممانعة في العالم، وأنها ليست مجرد حركات ينظر لها على أنها لا ترقى لمستوى الجيوش الكبيرة المنظمة؟ فكيف لحرب مع حركة تعتبر – متمردة – تفتقد لمقومات الجيوش ظلت لـ18 عامًا في حين أن جيشًا قويًا وكبيرًا كجيش العراق يهزم ويحل بكل سهولة ودولة ذات وزن كالعراق لم يستغرق احتلالها والسيطرة على مفاصل الدولة سوى ساعات وأيام!

ثالثًا: أبدت الاتفاقية أن العالم – بكل أسف – لا يفهم إلا لغة القوة ولا يحترم إلا القوي الجبار، فهذا العالم يبدو كوحوش الغابة إما أن تكشر عن أنيابك فَتَفْتَرِس وتُحْترم وإما أن تقلم أظفارك فتتهاوشك السباع الضارية والجوارح الكاسره. ويظهر ذلك في بند العقوبات المفروضة وهو السعي والإلزام لرفع طالبان من قائمة الإرهاب ورفع العقوبات في 29 مايو من 2020م، في حين أن دولة كالسودان كنموذج لم تصل إلى عشر معشار الحالة الأفغانية فلم يصل لمرحلة العمل المسلح تجاه أمريكا أو مصالحها في الشرق الأوسط ولم ينقطع عن المجتمع العربي والإقليمي رغم العزلة الدبلوماسية التي مورست عليه ولم يبدي أي اعتراض في التعامل مع صندوق النقد الدولي رغم الحصار الاقتصادي المضروب مقارنة بحركة طالبان ومع ذلك ظل لسنوات منذ عهد الإنقاذ وحتى الحكومة الانتقالية الحالية يناضل لأجل رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان ما يعكس أن النظام العالمي يقوم على قانون القوة، لا قوة القانون!

السؤال الذي يُطرح هل تعتبر هذه الاتفاقية التاريخية سياسة أمريكية جديدة كمحاولة لطي صفحات الماضي الدموي وفتح لصفحات التفاوض مع حركات أخرى تنتهج نفس المنهج الطالباني أو قريبة منه كحركة الشباب الصومالي مثلًا أو بوكو حرام أو تنظيم القاعدة أو حماس أو حزب الله أو غيرها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد