إذا ما افترضنا أن الزاوية الناشئة عند التقاء ضلعي الذوق العام والموضة قابلة للانفراج والاستقامة والضيق تأثرًا بعمل ضلع ثالث متوار خلف ظلال العبث، عاكسًا الاستقامة على طوله في المثلث القيمي للمجتمع العربي؛ فإنه لزامًا علينا البحث عن الماهية الحقيقية لهذا الضلع الذي اتخذ من الخفاء رداء يُمَكنهُ من أداء دوره في صمت فعال.

 

إن المتفحص للوضع المجتمعي وما شَابَهُ من تجريف للأذواق السَّمية عبر سنوات ليست بالطوال؛ يستطيع ذهنه بكل يسر استحضار لفظة «الطرف الثالث» التي طالما رددناها خلف مذيعي البرامج الحوارية وضيوفهم من حاملي الألقاب الفكرية المزيفة على شاشات التلفاز، واستخدمناها وإياهم شماعة نعلق عليها كل كارثة مجتمعية شنيعة الأثر على كافة الأصعدة، بالقياس والمقاربة فإنه بإمكاننا إنزال هذا الضلع المطمس خطه، الجاري البحث عنه بين أزقة المقال على نفس فكرة الطرف الثالث مجهول الهوية معلوم الأثر.

 

«أفيون الشعوب» إلى حد ما ارتبط هذا الاصطلاح بلعبة كرة القدم التي يلتف حولها الملايين مقتسمين متعصبين كل إلى فريقه المختار، وفي خضم الصراعات الكروية وعلو صيحات مشجعيها تمرر القوانين والسياسات وتنفذ الأحكام والناس في خوضهم يلعبون ويهللون ويتناحرون، ورغم ذلك يعد هذا النوع أفيونًا يحمل نذرًا من التقدير والحب، وتعاطيه لم يستطع أن يذهب العقل المجتمعي عن بكرة أبيه، بل تجده يستفيق ويعاود البحث فيما فاته من قرارات لم تلقَ رضاه وسياسات لم تجد إلى عقله سبل الإقناع؛ فيخرج مطالبا بحقه المسلوب، وحريته المقموعة، وكرامته المهدرة؛ ومن ثم كان لا بد من أفيون من نوع جديد، يرتكز تأثيره في التخدير على ما لا يقاوم بسهولة ألا وهي الغرائز.

 

الإنسان كائن هوائي غريزي بفطرة خلقته، يستميله كل ما يقلقل شهوته من رقادها؛ فيتحرك ناحيتها عبدًا طائعًا إلا من اتخذ من الحاكم الشرعي رادعًا ضابطًا، ولكن في المطلق تبقى فكرة الانقياد الهوائي هي الحقيقة الثابتة للنفس البشرية التي لا يمكننا تجاهلها، والتي استطاع متصدرو الحديث باسم صيحات الموضة اللعب عليها باحتراف بالغ، في ظل منظومة تخديرية كاملة متكاملة، واتحاد منقطع النظير من قبل أطرافها على إفساد الذوق العام لدى المجموع الكلي سواء كانوا شعوبًا أو قبائل أو أفرادًا.

 

طالع معي الآن هذا التكامل الأفيوني الغرائزي الذي يحاوطك من كل جانب:

-مولع أنت بمشاهدة الأفلام، لا بأس سَنُجَسِدُ لك فيها الأفيون تجسيدًا صارخًا يستحيل على عينك أن تغض طرفها عنه، وسَنُسْمِعُكَ ما يُذهب عنك كدر يومك المثقل بأعباء السعي ناحية الرزق، ونصم أذنيك عن أصوات المدافع ودوي القنابل الذي تصدح به شاشات الأخبار نهار مساء، دعكَ من هذا وذاك، استرخ فوق أريكتكَ وسنوافيكَ بمئات بل آلاف من المواد الدرامية عالية الإسفاف، والتي سيقنعونك بأنها مواد ثقافية مصنعة بدرجة فائقة الإبداع للنهوض بذائقتك الثقافية البدائية وفكرك الرجعي، استرخ وشاهد في صمت واسمع واملأ عقلك بهاته المصطلحات الجديدة؛ كيما تكون على مستوى الثقافة الحديثة في اليوم التالي مع رفقائك.

-مولع أنتَ بالقراءة أيها المثقف! لا بأس سنعيد تصنيع الأفيون من جديد على هيئة حروف تمكنكَ من صنع فيلم سينمائي ثلاثي الأبعاد وربما خماسي أنت وقدرتك على التخيل الدقيق؛ ليكون خاصتك ولك كامل الحق في أن تعري من تشاء وتلبس من تشاء، المهم أن يأخذ النص الأدبي المتحرر من الضبط والربط بناصية الأصوات الصارخة داخلك فتخمدها. ليس هذا وحسب، بل تجاوز الأفيون المخروط الأنثوي، ليتم دسه في الكثير والكثير من الكتابات، وتمرير كل ما هو خاوي الفكر سطحي المضمون من خلال أوراق ديدنها الصفرة، والتسفيه من كل ذات قيمة فكرية وعلمية وتاريخية، واجترار الحجج الواهية التي تستقطب خواة العقول؛ ليخرج علينا أحد رعاة هذه الزرائب الفكرية قائلًا: إن لم تطعن فيما يلقبونها بثوابت الدين، وتزدري من يبجلونهم ويلقبونهم القمم الشماء من أصحاب الفكر؛ فأنت لست بمثقف يواكب الموضة التحررية، وعليك الوقوف مع نفسك الرجعية وقفة أناة!

 

-شاهدتَ وقرأتَ، اخرج معي الآن إلى الشوارع كيما ترى هذه اللحوم المصورة حية تسعى أمامك في قميصها الذي نسي حائكه تخييط الأكمام، وربما فرت الأزرار منه على حين غرة، وذاك البنطال الذي تم رشه بعناية فائقة على الأرجل المخروطة في مصانع الأنوثة الساحرة، ولسان حالهم ما رأيك الآن أحرمناك من شيء؟!

تالله ما حرمناك، ولنزيدك من الإسفاف سطرًا، الموضة في العلاقات النسوية يا عزيزي هذه الأيام أن يكون بحوزتك تشكيلة متنوعة من الفتيات، فالشقراء لا تكفي، والخمرية لا تغني، والسمراء ستزهدها سريعًا في ظلمة الليل.

 

– أما أنتَ أيها الأب المنعزل عن عالم الموضة؛ فلا تنزعج بشأن ولدك الصغير؛ فالأمر معه أكثر سهولة منك، ربما لا تكون متابعًا جيدًا لأحدث الصيحات، سيخبرك هو بها، وسقول لك أن بنطاله الجديد الذي اشتريته له لا يتناسب والموضة، فلا بد من ثقبين أو ثلاث على الأقل في كل ناحية، لا تكن عديم الذوق وأنت تطالع قصة شعره الجديدة التي يقلد بها أحد المطربين اللامعين في سماء الفن الهابط، ونصيحتي لك، لا تسأله متى أسس محمد علي دولة مصر الحديثة؟ ولا هل أحداث يوليو 1952 كانت ثورة أم انقلابًا؟ ويفضل أيضا ألا تسأله هل لا زالت النظرية الدارونية تُدَرس في كتاب الأحياء خاصته أم لا؟ فهذه الأمور أضحت من الشكليات البحتة بإمكانك أن تسأله عن أي من المواويل الهابطة سيحيون بها حفل تخرجه من الصف الثالث الثانوي. لا تعجب عزيزي الأب من ولدك ولا ترمقه بعين الغرابة؛ فإن ما يحاوط جوانبنا الظاهر منها والخفي من سفاسف يتم صهرها في قالب ذي اسم جذاب «الموضة» والتي بدورها جعلت منا مسوخًا لا تميز الخبيث من الطيب، ولا الرث من الثمين، بل يزدان الخبيث بأنه اللين السهل الذي لا يُرهق، ويتزين الرث باسم العصرية ومواكبة الجديد.

 

وها قد وصل بنا الأمر نحن القابعين داخل المثلث القيمي إلى أننا بتنا عديمي القيمة منحدري الذوق، وخير دليل على ذلك انظر إلى الضلع الثالث صاحب القدرة على التحكم في درجة الزاوية، أليس منا من مجد هيافاته، ووقع في غرام نحنحاته وأجل ضحالة فكره وزلات أطروحاته؟! انظر إليه إنه يتمدد وبشدة من كلا طرفيه ملتقيا وزاويتين جديدتين في عالم الموضة بنهاية الضلعين صاحبي الزاوية الأساس والتي انفرجت عن آخرها طواعية لامتداداته كضلع متحكم فيها، وباتت القيمة معدومة في كل شيء، والذوق ما يفرضه الطرف الثالث وإن شئت قل الضلع الثالث لخدمة مصالح عليا لذاك الشعاع المترقب له بعيدًا ينتظر أي لحظة إفاقة قيمية وإدراكية كيما يقذف المثلث بأضلعه الثلاث ومن فيه بصاعقة مسفة غير مسبوقة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد