ابتليت القضية الفلسطينية منذ نشأتها بالكثير من المصائب، التي أغرقتها، وتسببت في تأخرها، خاصة خلال الفترة الساخنة التي مر بها العالم في الخمسينيات، وحتى بداية ثمانينيات القرن العشرين. فدخلت في جوانبها الكثير من الأفكار السياسية والشعبوية والقومية، سواء المتطرفة منها أو المعتدلة، بين اليسار واليمين؛ وكانت نتيجة تلك الفترة انقسام الفلسطينيين داخل معسكرات أيديولوجية، تبحث عن داعمين ورعاة،يوفرون الملاذ والتمويل للفصائل المقاتلة، أو حتى أماكن إيواء للمطاردين، الذين كانوا نهبًا للموساد الإسرائيلي، تتخطفهم يده هو وأعوانه في المنطقة.

لكن أشد البلايا للقضية؛ كان الحكام المستبدون في منطقة الشرق الأوسط والعالم الثالث؛ فمن ابتغى منهم التقرب للاتحاد السوفيتي، في أوج قوته ومجده، أو إظهار العداء للغرب؛ رغبة في تحسين ظروفه التفاوضية معهم، كان يركب موجة الحركات التحررية وفي مقدمتها الفصائل الفلسطينية.

ومنذ أكثر من أربعين عامًا، وفي السابع والعشرين من يونيو (حزيران)1967م، كانت بداية عملية خطف طائرة الخطوط الجوية الفرنسية «إير فرانس» وقيادتها إلى مطار «عنتيبي»؛ هي أحد الأحداث ذات الدلالة الكبيرة على تأرجح القضية الفلسطينية بين مصلحة القضية، والولاءات الفكرية المختلفة، ومصالح طغاة ذلك العصر.

تقول رواية منظمة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حولالعملية، وهي الفصيل الذي تبنى الفكرة منذ البداية، وحتى نهايتها المأساوية عربيًّا والناجحة إسرائيليًّا، إن «وديع حداد» القيادي الفلسطيني كان صاحب الفكرة، وهو الذي استغل فرصة علاقته الحسنة بالرئيس الصومالي «سياد بري»، وطرح عليه فكرة خطف طائرة يهودية، وإجبار الحكومة الإسرائيلية على الإفراج عن عدد من الأسرى الفلسطينيين لديها[1].

لكن المشكلة كانت في المكان الذي ستأوي إليه الطائرة المخطوفة، حتى تمام عملية التفاوض والتبادل، وكان اقتراح «بري» له بأن يتواصل مع «عيدي أمين» الرئيس الأوغندي المناوئ للغرب والولايات المتحدة.

ولا ينفك التاريخ يؤكد دائمًا على أن الفكرة إذا انطلقت من عقالها، فغالبًا لن يستطيع صاحبها أن يسيطر عليها طويلًا، وسيأتي من يستغلها ويطورها، ويستخدمها ضد أهداف جديدة، ولخدمة مصالح لم تكن في حسبان من ابتدع الفكرة، بل قد يتحول هو ذاته إلى ضحية لها.

كان «سياد بري» يعرف العواقب الوخيمة للتورط في شيء مثل هذا، كذلك كان «القذافي» رغم كل حماقاته يعرف معنى ارتباط اسمه بخطف طائرة يهودية، فلم يحاول التورط بأي شكل، حتى عندما هبطت الطائرة في البداية في ليبيا للتزود بالوقود، ثم أقلعت ثانية باتجاه مطار «عنتيبي»، وتقدم الأرعن، كما تصفه الجبهة الشعبية[2]، «عيدي أمين» ليظهر نفسه مؤيدًا ومشاركًا وقائدًا للعملية، ويستقبل الرهائن والخاطفين في المطار، ويوفر لهم دعمًا عسكريًّا، وصالة المطار الرئيسية لتكون مقر احتجاز. ثم يُلقي الرئيس الأوغندي خطابًا حماسيًّا داعمًا للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكأنه في استعراض قوة ضد الغرب وإسرائيل.

أحس الفلسطينيون أنهم ورطوا أنفسهم مع «عيدي أمين»، لكن لم يكن هناك مجال للتراجع الآن، ونزل «وديع حداد» في مقر إقامة الرئيس الأوغندي، بالقرب من المطار ليدير العملية، لكن الإدارة والسيطرة الحقيقية كانت لـ«عيدي أمين». ويرفض الأخير اقتراح «حداد» بتوزيع الرهائن على عدة مجموعات داخل الغابات الأوغندية الكثيفة؛ حتى لايستطيع الإسرائيليون القيام بعمل عسكري لتحريرهم، لكن الغرور والعجرفة الاستبدادية تأبى ذلك، ويؤكد له «أمين» أن الوضع تحت السيطرة، وأن قواته لا تُهزم.

وبمنتهى السهولة تهبط الطائرات الإسرائيلية في أطراف مطار «عنتيبي»؛حيث رفض الأوغنديون أن يقطعوا ممراته، أو حتى يضعوا عائقًايمنع أي طائرات غريبة من الهبوط به، وينطلق الجنود اليهود ليقتلوا عشرات من الجيش الأوغندي المدجج بالسلاح، ويدمروا 11 طائرة «ميغ»،و17 كانت تربض في المطار لحمايته، ويشتبكوا مع الخاطفين الذين فوجئوا بالقوة الإسرائيلية تصل إلى أبواب مقر الاحتجاز في سيارة تشبه سيارة «عيدي أمين» وبملابس الجيش الأوغندي.

كانت الحكومة الإسرائيلية أول المتفاجئين بنتائج العملية، فلم يتوقعوا أن يكون الأمر بهذه السهولة، فرئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك «إسحق رابين» توقع أن يسقط معظم الرهائن قتلى في العملية، وأعد استقالته لتقديمها بمجرد إعلان فشل الاقتحام، وفي الفيلم الصادر حديثًا حول العملية «سبعة أيام في عنتيبي»[3] لم يستطع المخرج أن يخفي تخبط الإدارة الإسرائيلية وخوفهم من اتخاذ القرار بالهجوم، أو سذاجة الرئيس الأوغندي، وقلة حيلة الخاطفين، وتورطهم بين فكي قدر محتوم.

من بين الخاطفين شابان ألمانيان؛ أحدهما هو «ويلفريد بوس» أحد مؤسسي الخلايا الثورية اليسارية الألمانية، والثانية هي «بيرجيت كولمان» من المؤسسين أيضًا للخلايا الثورية المسلحة، ومن أشد المناوئين لإسرائيل والصهيونية في ذلك الوقت، وهما مَنْ سهلا إدخال السلاح إلى الطائرة متمتعين بجنسيتهم الأوروبية.

ولعل من النقاط الفنية الهامة في الفيلم هي الحوار الذي دار بين أحد الخاطفين الفلسطينيين وبين الشاب الألماني، فيواجهه الفلسطيني بسؤاله «ماذا تفعل هنا؟ لو كنت مكانك لظللت في منزلي الأوروبي هادئًا وسط أسرتي». ولا يفلح رد الألماني بأنه يناصر القضية الفلسطينية في إقناع الشاب الفلسطيني، فيرد عليه بأن الفلسطيني هنا لأنه يحب بلده المحتل ويدافع عنها، بينما الألماني هنا لأنه يكره بلده الغربي ويهاجمها.

كان اشتراك الألمان في تلك العملية من الأخطاء الكبيرة، التي لم يكتشفها المخططون إلا بعد التورط في العملية؛ بسبب التاريخ المرير بين الألمان واليهود، وتسبب في إلصاق تهمة النازية بالشابين الألمانيين، وبالخلايا التي يتبعونها، وتصوير اليهود بالضحايا الدائمين المستهدفين من قبل الشعب الألماني، مهما كان اتجاهه السياسي أو العقائدي؛ وتسبب ذلك في رد فعل ألماني رسمي مضاد للفلسطينيين للتخلص من تلك الوصمة، وخسرت القضية الكثير من الدعم.

وتضاف عملية «عنتيبي» إلى أفراح الإسرائيليين الكثيرة في شهر يونيو من كل عام، الذي يبدأ بالهزيمة العربية المنكرة والمسماة بالنكسة، أو كما تسميها إسرائيل حرب الأيام الستة، وصولًا إلى تحرير الرهائن، والقضاء على الخاطفين، وتمريغ أنف جيش دولة أفريقية قوية في التراب، والتي استغرقت أيضًا أسبوعًا فقط. وما زالت القضية الفلسطينية تعيش حتى اليوم واقعًا ممزقًا، يحافظ على تمزقه أصحاب المصالح من أبنائِها ومن أعدائها على حد سواء، ولا يبدو أن هذا الواقع سيتغير في المدى القريب.

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فلسطين

المصادر

[1] - غسان شربل، أسرار الصندوق الأسود، رياض الريس للكتب والنشر، الطبعة الأولى تموز (يوليو) 2008،ص102.
[3]-  7 أيام في عنتيبي (7 Days in Entebbe)، هو فيلم أمريكي من إنتاج سنة 2018 من إخراج جوزيه باديليا، وبطولة روزاموند بايك، ودانيال برول، وإيدي مارسان، وبن شنتزر، وليئور اشكنازي، ودينيس مينوشه. ويكيبيديا.
عرض التعليقات