كنت أغفر لو أنني متُّ.. ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ

خرج مع من خرجوا، لم تواتني الفرصة لتوديعه ولم تواتِه الفرصة للتفكُر بمنطِق، أحيانًا أتساءل ماذا كانت دوافعه، ما الذي شجعه على ذلك، لم تكُن له أي ميول، كان يتململ لو أدرت التلفاز على إحدى محطات الأخبار، كان دائمًا يقول إن السياسة لا طائل منها، كنت أغيظُه بأني أكبر فعقلي أكبر أيضًا،أما هو فمازال عقله صغيرًا، كان يحاجِجني بآخر أدوار الشطرنج التي أفقدني فيها الملِك بعد أن جردُه من وزيره وكل حاشيته، هل شجعته مهارته على الإقدام، هل تصور أن الواقع رقعة شطرنج تسير وفقًا لنظام، يفوز بها صاحب العقل الراجِح والذكاء الفائِق؟ هل ألومُه؟

الحق أني لا أقوى على ذلك، ولا أقوى على أن أُخرِج حُزنِي بوجه أصدقائه، لي ابن أخ مات قبلُه بعام، كان جامعيًّا مِثلُه، سرق سيارة أبِيه وذهب مع أصدقائه إلى أحد المصايِف، ثم أسرف في الشرب وقاد مخمورًا فانتهى بِه الحال جُثة بِداخِل سيارة مُهشّمة على الطرِيق، كُنّا في العزاء نتجنب الحديث عن الملابسات التي آلت إلى موتُه، ومن كان يتساءل همسًاكُنّا نزجره بـ: “هو دلوقتي بين إيدين اللي خلقه”، لم أستطع في عزائهأن أمنع نفسي من التساؤل لماذا؟ ليس لِماذا كان هو؟ بل لماذا كان يجب أن يموت؟

لماذا في سبيل ما يعتقد أنه الصواب يموت، لم يكن على خطأ، لم يكن على معصية، لم يبذِل عمره في سبيل فتاة في مشاجرة، لا أستطيع أن أدعو له بالمغفرة، أشعر بالضآلة أمام الله إن دعوت له، أنا مُقصِر، أنا أجبن مِنه، أنا لاشيء بجانِبه.
والذي اغتالني: ليس ربًّا.. ليقتلني بمشيئته

الدم سائِل، بمعنى أنك إن سكبته لا يحتاجك كي يجري، هو يجري ذاتيًّا، ودمه تفرّق بين الجميع، أذكُر أول ما دخلت غرفته بعد موته ورأيت صورته بزي الضابِط حين كان في السادِسة من عمره، كانت هدية عيد ميلادِه، وكان تقليدًا متبعًا لكل أطفال جيله، لا هو ولا أنا كُنّا ندري أنه بعد أقل من عشرين عامًا سيغتاله ضابِط حقيقي.

 

أذكُر بعد موته بأيام حين خطب الرئيس خِطابه الثاني الذي ذكر فيه الجميع بمناقبه وأفضاله على الجميع، وما تبعُه من وصلات إشادة وترحيب ودعوة للجميع بأن يصمُت حتى يُكمِل الرجل مُدته ويخرج رئيسًا سابقًا، كنت أبكِي كمدًا وهمًّا، وددت لو أقابِل هذا الرئيس وأصفعُه على تلك اللامبالاة التي يتحدث بِها.

الرجل يخبرنا أنه بلغ من العمر أرذله، ويريد أن يعيش ما تبقى له بسلام، بينما أبناؤنا لم يكونوا قد خطوا بعد حتى عاجلهُم برصاصة أردتهُم، يخبروني أن الرجل فقد اتزانه بعد وفاة حفيدُه الطِفل وأن قراراته مرفوع القلم عنها، فأضحك مرارةً مِن فِكرة أن يبرأ القاتِل لأنه مجنون.
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما، أنَّ سيفانِ سيفَكَ.. صوتانِ صوتَكَ

ظهرك يواجه الرِيح ولا يوجِهها، الخواء يُصاحِب سنين العمر المتبقية، العناكِب وجدت ضالتها في كل خِطط المستقبل التي كنت قد رسمتها معه، لكُما، أنت لم تعد كما كنت عندما رحل، ارتقى وأنت انحدرت، تراه في كل صديق يقدم لك المساعدة، تراه في اليد التي تساعِدك في عبور الشارِع المزدحم، في الشاب الذي يتنازل عن موقعه في طابور العيش لتحل مكانُه، تراه في ابتسامته عندما يقول:

“اتفضل يا والدي”،

تشعر أنك أصبحت مستحقًا للشفقة من الجميع، كأن الله أبدله بالحزن الذي يؤطِر قلبك فيضفي عليك هالة من الشفقة، يربُت على كتفك أحد أصدقائه، ويُقبِل رأسك فتشعر أن دموعك تخونك، وتشعر بيٌتم وعجز.

هي أشياء لا تشترى

الجو العام لا يشجع، صوتك يريد أن يصدح بالحق، ويغني عدلاً، فيجدهم قد سحبوا الهواء منك أو خصخصوه، دماؤه مازالت حارة في الثرى، تتلوى غيظًا، تطلب قصاصًا يأباه عليها الجميع، يطمئنك الجميع أنه في الجنة وأن الانتقام لا يجدي، يظنون أنهم أفحموك حين يذكرونك أن الرسول أطلق يوم الفتح كفار مكة الذين قتلوا حمزة وصحبه، لايعلمون أن كفار قريش لم تمسسهم الخسة مثلهم، صديقه الذي كان يُقسِم لك أنه لن يهدأ حتى يعود حقه.

السياسي الذي يُقسِم لك نفس القسم، غياب صديقه وغياب السياسي، لا تحتاج أن تسأل عن السياسي فهو مشغول بعقد صفقة هُنا أو البكاء مع أسرة شهيد آخر هناك، غياب صديقه طال، الحزن حين ترى صورته في التلفاز والمراسِم نفسها التي عٌقِدت لولدك والدموع البلاستيكية التي اُذرِفت، والسياسي عينه يجلس مع أسرته ويقسم بصوت مُتهدِج أنه لن يهدأ حتى يعود حقه، المواطِن الذي يتصل ببرنامِج ويخبره أن أهالي – القتلى- حصلوا على أموال ووظائف تكفيهم أن يصمتوا طول عمرهم فلِم يتحدثون الآن؟

لم يكن غير حِقدي الذي يتشكَّى الظمأ

الشهيد الذي قُتِل، والشهيد الذي طالب بِحق الشهِيد فقُتِل، ابتسامة الذي رقص على الدماء واعتلى العرش، الحاكِم الذي لم يكن ليحكُم دونهما لكِنه خانهما.

أصدقاؤهما الذين مازالوا يجوبون الأرض دون يأس، اليائسون من العدل الذي لم يبعثه الله بعد، القتلة ذوو النفوذ الذين عادوا إلى مقاعِدهُم، الثورة التي تهتكت واعترتها الخِيانة، الطيور التي طارت من قبل ومازالت تطير وشهدت الموت، السماء التي مازالت تفتح أبوابها للمزيد، البلد التي ارتضت الذُل، الخوف الذي يحكُم، النصرة التي طلبناها ولم تأتِ، المدد الذي انقطع، الحِلم الذي سقط صريعًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد