صراع حامي الوطيس استغله، وسعره، وأداره بحرفية شديدة طرف ثالث، كان غامضًا لقطاع كبير من المصريين إلى أن كشف عن وجهه في رابعة والنهضة. نشب النزاع بين من سماهم الغرب إسلاميين وعلمانيين. والحقيقة أنه ليس هناك فئة بيننا تسمى إسلاميون، فأغلبية المصريين مسلمون، إلا أن هؤلاء ربما تميزوا ببعض الالتزام في الشكل أو الزي أو الخلق، كما أن علمانية مدعي الانتماء إليها، لا تعدو كونها هروبًا من الالتزام بمظاهر إسلامية، أو إتيان معاص لا يريدون أن يلاموا عليها، أو فكاكًا من قيود اجتماعية ومفاهيم مغلوطة لتفسيرات شرعية دفعتهم للمبالغة في العناد والكبر.

دار الصراع المحموم بين الطرفين، فأحدهما ينعت الآخر بالكفر، والثاني ينعت الأول بالإتجار بالدين، إلى الدرجة التي دفعت الطرف العلماني لركوب دبابة الطرف الثالث ليمزق جسد الطرف الأول بجنازير دبابته، ليتخلص من إمكانية وصوله للحكم ونشر مبادئ والتزامات هرب منها في زى التحرر ولا يرغب في من يضيق عليه من خلالها.

يظن البعض أن الأبريليين هم فئة علمانية محددة في المجتمع تنحصر في حركات أو أحزاب يسارية. ما لا يدركه الناس أن شعب مصر قد سرت العلمانية في أوصاله حتى وصلت لرجل الشارع العادي، وصلت إلى من نصفهم بالمتدينين الملتزمين، بل الأسوأ إلى شيوخ أزهريين يؤمون الناس في المساجد ويفتون بالحل والحرمة.

الأبريليون ليسوا نسيجًا غريبًا عنا، فهم إخوتنا وأخواتنا وأمهاتنا وآباؤنا وأقاربنا، هم ليسوا كفارًا، بل إن كثيرين منهم يحافظون على الصلاة وقراءة القرآن ويبتغون فضلًا من الله ورضوانًا.. فماذا حدث؟

بحث أعداؤنا كثيرًا في أمرنا بعد انكساراتهم الكثيرة أمام جيوش المسلمين، شكلت هزائمهم المذلة أمام كيان الدولة العثمانية عقدة أشعلت صدورهم إلى اليوم، تلك الدولة التي تم تشويهها على مر السنين في عيون أبناء المسلمين، فصارت احتلالًا للبلاد التي سيطرت عليها، ووصف ولاتها وخليفتها بالضعف والظلم والمجون والترف ومعاشرة النساء، لا تتحدث كتب التاريخ الموجهة إلى الصغار عن انتصارات لهذه الدولة، إلا بشكل مشتت، فلا يدرك الصغير أول الأمر من آخره، ثم يأتي المضمون في النهاية أنها كانت دولة مليئة بالصراعات والفشل والجهل، إلى أن يدرسوه فترة حكم محمد علي، لتتفتح عيونه على أول حكم علماني لمصر، فيصبح ذلك بذرة الأمل التي غرست في قلبه للخروج من مستنقع التخلف الذي أقنعوه أنه ينتمي إليه؛ لأنه حفيد من عاشوا فترات التخلف التي لن يكلف نفسه عناء البحث عن صحة رواياتهم عنها عندما يكبر.

بدأ الأمر عندما ضعفت الدولة العثمانية، وظهرت عليها علامات الانهيار بعد حكم دام ستمائة عام، لا يعقل أن يكون مهترئًا من بدايته.

وجد الفرنساويون فرصة سانحة لاحتلال أغنى إقليم في الدولة العثمانية، وأفضل مواقعها الاستراتيجية، ألا وهو مصر، ولكن نظرًا لضغط حملات العثمانيين القادمة من الشام، وسوء أوضاع فرنسا الداخلية، وتدخل الإنجليز لم تستطع أن تواصل حملتها وانسحبت، ولكنها لم تخرج خالية الوفاض، فقد درست أحوال شعب مصر وسيكولوجيته، وعرفت كيف يمكن أن تحتله، وإن لم يكن احتلالًا مباشرًا.

أثناء الحملة الفرنسية أرسى نابليون في مصر أول وأكبر محفل ماسوني في الشرق واسمه «المحفل الأكبر الوطني المصري للبنائين الأحرار القدماء المقبولين»، ويعتبر هذا المحفل هو خليفة المحفل الأول بفرنسا، والذي يعتبر الأهم في الغرب، فكان الأول بذرة تدمير الغرب، والثاني بذرة انهيار الشرق.

كان محمد علي يونانيًا أوروبي المنشأ، وكما قال الدكتور علي الصلابي: لم يكن من السهل على شاب قليل الخبرة وقليل المعرفة بمصر وطبيعتها أن يصل إلى ما وصل إليه محمد علي، مهما كانت قدرته أو ذكاؤه، إلا إذا كان يستند إلى قوة تخطِّط له وتعينه على تحقيق أهدافه، وتسخره في نفس الوقت لتحقيق أهدافها، وبخاصة أنه كما ذكر عن نفسه (لا يصلح للولاية، وليس من الوزراء، ولا من الأمراء، ولا من أكابر الدولة، ويكفينا أن نعرف أن محمد علي كان أميًا، كما ذكر الدكتور سيد العفانى في موسوعته أعلام وأقزام.

كان المدخل الرئيس لعقول المصريين هو التعليم، فقد شجع محمد علي على التعليم وافتتح مدارس مدنية تسير بموازاة النظام التعليمي للأزهر وميزها عنه، وافق على إنشاء مدارس للجنسيات الأجنبية فى مصر، وحد شكل الدراسة في مصر بشكل انضباطي، كما أورد تيموثي ميتشل في كتابه استعمار مصر، حيث أصبح التلميذ محاصرًا بزي معين وطابور معين وفصل معين ومنهج معين، بشكل أشبه بالجيش منه إلى التعليم، انتشرت المؤتمرات التبشيرية في عهد أسرته كما لم يحدث من قبل في تاريخ مصر، أرسل الشباب الصغار في بعثات لنهل العلوم من بلاد أوروبا، وخاصة من فرنسا التي كانت تربطه بها علاقة حميمة، فعاد هؤلاء الشباب الحالمون من بلاد الغرب محملون بأحلام ثائرة لتغيير واقع بلادهم المتخلف، آملين أن يحولوها يومًا لقطعة من أوروبا، كما كان يخطط محمد علي، ومن هنا بدأ التغريب إلى يومنا هذا، إلا أن رقعة المغتربين فكريًا قد اتسعت في عالمنا لتشمل المنطقة العربية والإسلامية كلها، ولم تعد حكرًا على طبقة المثقفين في المجتمع، بل نالت من كل الطبقات، وعلى كل المستويات والمهن.

من هنا بدأ تغيير الهوية المصرية، ومع الوقت أنتجت تلك الأجيال جيلًا شابًا رائعًا، بائسًا، ضعيفًا، متوحدًا، صادقًا، ثائرًا، لا مباليًا أحيانًا، مختلفًا، عنيدًا، يريد حياة كتلك التي شاهدها على شبكات الإنترنت، له براءة مسلسلات الكارتون التي قضى أمامها الساعات الطوال حين حولوا حياة والديه جحيمًا، فلم يفطنوا إلى ذلك المربي الخفي الذى يعبث بروح ابنهم، شب فتلقفته الثقافة الأجنبية من أفلام وبرامج ومعلومات ومقاطع مصورة.

تزامن مع ذلك صعود شباب منهم يتحدثون عن إمكانية تحقيق الحلم المستحيل، وارب لهم الشيطان الباب، وتركهم يجتمعون في ميدان ويصرخون مطالبين بأبسط حقوقهم: عيش_حرية_عدالة اجتماعية. هم لا يعلمون عن الثورات سوى ما قرأوه في كتب صدرتها لهم تلك الأيدى التي برمجت عقولهم، ما يعرفونه عن تاريخ بلادهم والمنطقة لا يخرج عن الخط المرسوم لهم، يشعرون بغربة، وبأنهم لا ينتمون إلى هذا العالم الثالث البغيض، يرفضون أية نظرية تخالف ما جبلوهم عليه، يدافعون عن مبادئ نظريات وضعها الغرب، ويرفضون أن يعترفوا بالتبعية له، صدقوا الأكاذيب التي نسجت حول عدو وهمي منهم كان يدافع عنهم في الميدان؛ لأن تلك الأكاذيب ما هي إلا امتداد لثقافتهم المعادية لجذورهم العقدية التي صاروا يخجلون من الحديث عنها، فعادوا من حيث أتوا ليدخلوا واقعًا يضيق عليهم كل يوم.

من أبشع ما قد يواجهه مجتمع أن يتغرب عنه أبناؤه، أن يرفضوه، أن يحاولوا مسخه ليتحول لكيان آخر لا يعرف نفسه. نجح المستعمر في أن يضع جنوده في قلوبهم، وأن يحكم متاريسه على عقولهم، وأن يصبح عينهم التي يرون بها، ولسانهم الذي يتحدثون به، ويدهم التي يبطشون بها، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

egyptian, revalotion, youth

المصادر

محمد على
الحملة الفرنسية
الماسونية
محمد على والماسونية
الدولة العثمانية
عرض التعليقات
تحميل المزيد