أسباب وعلاج تغوّل العسكر

عندما أردت أن أكتب في موضوع «دور العسكر» في الجزائر والسودان باعتبارهما يجذبان اهتمام العرب من المحيط إلى الخليج نظرًا لتعطش الشعوب العربية للانعتاق من «نير» العسكر الهدّام. وعندما أردت التفصيل في الحديث عن كل دولة على حدة، وجدت – وآمل ألا أكون مخطئًا – أن ما يجري في كل من السودان والجزائر نموذجي لما يجري في كل الدول العربية. وهنا قررت التحدث عن العالم العربي كله وكأنني أكتب عن الجزائر لوحدها أو السودان بمفردها مبينًا، ما أعتقد أنه، سبب أزمة العسكر في بلادنا وطريقة علاجها. فالعسكر لم يكونوا أشرارًا بالفطرة.

ضحالة ثقافة العسكر وأهمية تثقيفهم

العسكر لا يقرأون، فمن أين تأتيهم الحكمة؟ ومن لا يقرأ لا يتطور وعيه بالحياة، وربما جل هم العسكر هو تحسين منزلتهم الاجتماعية وتأمين مستقبلهم دون الاكتراث بالآخرين مهما كانت النتيجة! ولتأمين المستقبل دون حيازة الأدوات القانونية، لا بد من دوام السيطرة على المال والقوانين التي تنظم العقوبة بغرض التملص منها وتطبيقها على الضعفاء! العسكري لا يرتد إلى ذاته ليعرف شيئًا من كنهها، وليتعلم الأسباب التي تدفعه لتعلم واجبه تجاه نفسه أولًا ثم تجاه الآخرين. وهذا الارتداد يمكّن الإنسان من دراسة نفسه والهدف من وجوده في هذه الدنيا، ويزيد من وعيه بقدراته ويعمق فكره كفرد في مجتمع. وعدم دراسته لنفسه وأهميته في المجتمع الإنساني يؤدي به في معظم الأحيان لجعل مصلحته الشخصية، أو العائلية، وفي أحيان أخرى العشائرية قبل مصلحة الوطن التي أؤتمن عليها.

هناك أمم تعلمت من تجاربها ومن دراسة التاريخ، وطبقت ما تعلمته على أفراد الجيوش لديها. ففي أمريكا يقوم كل فرع من فروع القوات العسكرية بتوظيف علماء نفس للتعامل مع رجال الجيش في الخدمة الفعلية والمتقاعدين على حد سواء. ونظرًا للتطور الكبير في الطب النفسي والاهتمام الأكبر بأهميته للعسكريين، في الغرب عمومًا وأمريكا خصوصًا، فإن هذا الاهتمام يدل على أن العسكريين ليسوا أسوياء بما فيه الكفاية وأن سلوكهم قد يكون خطيرًا فهم الذين يملكون السلاح، وهم الوحيدون القادرون على استعماله. ونتيجة لتثقيف العسكر سيكولوجيًا لم نر انقلابات عسكرية في الدول المتقدمة كأمريكا وأوروبا، على عكس ما نراه في بلادنا.

الخدمة العسكرية في الوطن العربي

أما في الدول النامية عمومًا ومن ضمنها الدول العربية، فإن الالتحاق بالجيش لخدمة الوطن الإلزامية يتم كما هو معلوم لكل شاب في سن معينة ولفترة محدودة. أما التطوع فإنه يتم ليكون المتطوعون هم الأفراد العاملون المحترفون للخدمة العسكرية ويبقون في الجيش حتى سن التقاعد. وللأهمية يجب التذكير بأن من يتقدم للتطوع ليحترفوا العسكرية هم عمومًا من الطلاب غير المتميزين، أي الذين لا يؤهلهم مستواهم التعليمي عند الانتهاء من مرحلة الدراسة الثانوية لدخول الجامعات المختلفة، مما يضطرهم لكسب لقمة العيش عن طريق التطوع للخدمة في الجيش الوطني أي احتراف العسكرية – ولكل قاعدة استثناء! وهم يعلمون أن المجتمع يحترم دارسي العلوم المختلفة في الجامعات ويفضلون خريجي الجامعات على الضباط حتى في «الزواج»!

دور المجتمع

هذا التفضيل المجتمعي للمدنيين ونفور المجتمع من العسكريين يولد الكثير المشاكل النفسية وربما العقلية لدى العسكريين المحترفين، ومن بينها الحقد وحب الانتقام الخفي من المجتمع الذي يفضّل أصحاب الشهادات الجامعية عليهم. مما يجعلهم يهملون وبشكل جدي الخطر الخارجي ويهتمون بـ«عدو» الداخل وهم أبناء وطنهم وإن بشكل غير مباشر! وعادة ما يكون المتطوعون من أبناء الطبقات الفقيرة والمهمشة نوعًا ما، مما يزيد فرص الانتقام لديهم وبقوة من المجتمع «الظالم»! وليس هذا فحسب، بل إنه أثناء التدريب يتلقى هؤلاء المحترفون أوامر غير منطقية، مثل «نفّذ ثم اعترض»، حتى وإن كان مظلومًا، مما يزيد الطين بلة للوضع النفسي والعقلي لدى العسكريين وخصوصًا الضباط!

المصالح الشخصية

أضف لذلك أن محترفي العسكرية لا يقرؤون كتبًا في مواضيع العلوم الإنسانية كالتاريخ والفلسفة وعلم النفس، مما يجعل همهم الأول والأخير هو ممارسة سلطته على من دونهم في الرتبة، أو تنفيذ أوامر من هو أعلى رتبة منهم! فلا نتوقع من هذا الانسان أن يكون ديموقراطيًا أو منصفًا. كما يرى محترفو العسكرية أنهم هم الأقدر على حماية البلد، فإذن هم الأحق بحكمه – والتحكم بخيراته فيتصرفون على هذا الأساس. ولعل أسهل طريقة لحفظ امتيازاتهم التي اكتسبوها بالقوة والاستمرار في الحكم هي الانضواء تحت راية قوة كبرى ولو سرًا لدرء الخطر الخارجي، لأن جيوشهم طغى عليها الفساد وأهملوا التدريب ولم يعودوا قادرين على الدفاع عن الوطن من الأعداء الخارجيين! وهذا ما يجري للأسف في معظم الدول العربية! إذن، فالعسكر في العالم العربي شبه أميين في ثقافة الدولة وكيفية إدارتها، ولكنهم يملكون القوة على فعل كل شيء لمصلحتهم حتى لو كانت ضد مصلحة الوطن والشعب!

فهم أفلاطون للعسكر

الفيلسوف اليوناني أفلاطون فهم نفسية وعقلية العسكر، ولذلك جرّدهم في جمهوريته من كل الامتيازات التي قد تعطيهم الفرصة للتمرد والعبث بمصير الشعب والدولة. فقد جعل سكنهم في ثكنات عسكرية توفرها لهم الدولة مع الطعام والشراب. كما منع عنهم بواعث الحسد بأن منعهم من تملك العقارات أو الأموال. إضافة لذلك حرمهم من تكوين الاسرة، فجعل الزوجات مشاع بين كل طبقة «الحراس» أي العسكر المحترفين وكذلك الأولاد. فلا يعرف أيًا منهم زوجة خاصة ولا يعرف أطفاله! وهنا ربما قضى على أي طموح أو فكرة شاذة لهؤلاء الناس. واستشهدت بفكرة هذا الفيلسوف اليوناني الشهير عن العسكر فقط لتعريف القراء بفكرته وفهمه لهذه الفئة من الناس، وليس بقصد تطبيق فكرته!

استخدام علم النفس وتحقيق العدل لتحسين الوضع

لا شك أن الناس جميعًا ينتمون لنوع واحد species حسب تصنيف دارون، إلا أنهم بلا شك يتفاوتون سيكولوجيًا بشكل كبير جدًا. فالفرق واضح بين من يدرس في الجامعات، ويختلط ببشر متنوعين، وبين من يعيش بين تنفيذ وإعطاء الأوامر أقله في العالم الثالث وعالمنا العربي! وعليه فإن طريقة تجنيد وتدريب العسكر يجب أن تُقلب رأسًا على عقب، وذلك بتوفير المدربين أصحاب الخبرة السيكولوجية لإعداد جيوش تعي قيمة الوطن وتلتزم بخدمته، وتحترم قوانينه بعد إعطائها ما تستحق من مزايا تحفظ كرامة العسكري كالمسكن اللائق، والتأمين الطبي الممتاز، والراتب المجزي. وإلا فلا أمان ممن يملك السلاح والقوة وهو غير «محترم» في بلده!

استعانة الدولة بعلماء النفس والأطباء المتخصصين لتهيئة العسكر لخدمة الوطن، وليس لامتلاكه وجعله مزرعة لهم ولأقاربهم ضرورة ملحة. فوظيفة الجيش هي حماية البلد من الطامعين الخارجيين، وردع المتسلقين الداخليين الذين تهمهم مصلحتهم ويقدمونها على مصلحة الشعب الذي ينتمون إليه. ولِمَ لا تكون فترة إعداد الضباط المحترفين أربع سنوات بدلًا من ثلاث وتخصيص سنتين منهما لتثقيف الضباط بأهمية خدمة الوطن وبالسياسة بشكل عام، وأن هناك مدنيين مؤهلين وطنيًا وثقافيًا لقيادة البلد، وان أهم خدمة يقدمها العسكريون هي أن يحموا الوطن من الأعداء الخارجيين، ويحافظوا على استقراره الداخلي في خضم التقلبات السياسية التي قد تنتج عن التنافس السلمي بين الأحزاب في الانتخابات المختلفة.

ومن أوجب الواجبات التي يجب أن يقوم بها أخصائيو الطب النفسي الذين تستعين بهم الحكومات لتثقيف العسكريين أثناء الدراسة هي إجراء التقييمات النفسية والعقلية المتتالية لتتأكد من الاستقرار النفسي والعقلي لدى هؤلاء القادة العسكريين قبل توظيفهم في هذا السلك الهام والمعقد، ولاستبعاد من يعاني من عقد النقص والاضطرابات النفسية والعقلية. ومن ثم فإن هذه التقييمات والاختبارات تنفع في توجيه هؤلاء المتطوعين إلى التخصصات المناسبة لهم، كالقوات البرية، أو الجوية، أو البحرية، أو أجهزة الأمن المختلفة!

 في الختام

رغم كل ما قلته آنفًا، فلمنع الظلم من التعميم أقول: «لكل قاعدة استثناء»! ولن ننسى المشير السوداني عبد الرحمن سوار الذهب رحمه الله! والعسكر في العالم العربي ليسوا أشرارًا بالفطرة، بل يجب تحقيق العدالة لهم قبل الالتحاق بالعسكرية، وتحقيق حاجاتهم المادية كاملة عند الالتحاق بها، إضافة إلى التثقيف المستمر! فلا يعقل أن يكون راتب الضابط العامل في الوطن العربي – إذا استثنينا الدول النفطية – لا يتجاوز بضع مئات من الدولارات لا تكفيه مصروفًا لعدة أيام، ويسكن في بيت مستأجر أو بيت لم يكتمل بناؤه، فيما يتلقى زملاؤه في الدول الأخرى آلاف الدولارات ويسكنون في بيوت مريحة! فلنصحح الخطأ، ولا نلقي بكل اللوم على العسكر!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد