يمضون دون هدي تسيرهم العواطف الهوجاء والفهم السطحي للأمور، يحلو لهم دومًا إصدار الأحكام دون تثبت، ويروق لهم التشبث بمنطق أحكامهم الكارثية، جيدون في التصفيق والتصفير والرقص إعجابًا وطربًا؛ لمجرد أن يغني أحد على ليلاهم، أو يعزف لهم على هواهم.

ليسوا بذلك السوء، لكنهم ليسوا جيدين أيضًا؛ لأنهم ليسوا مالكين لأنفسهم، يستعيرون آرائهم من كبرائهم، ماهرون حين يتملكهم العناد، أذكياء حين يتملصون من رؤية الحقيقة.

  لكنهم يبقون مجرد كومة من البساطة والغباء، كومة من الصخور في مقلاع الساسة، كومة من الصخور تنهال على رؤوس المتنورين وتلحق الضرر ببنيان الوعي، وتحيل قصر العقل والإيمان إلى ركام.

هذا هو القطيع يا صديقي، ليس أنا، ولست أنت، بل كلينا معًا، ومعنا كل أولئك الحمقى الذين يعيشون ويموتون دون أن يصنعوا أثرًا.

«إيش فينا؟»

سأقول لك: إنه لا شيء فينا، إلا أننا أدمنا صنع الكوارث بأنفسنا، نلقي بأنفسنا في خضم المجهول، دون أن نعي، ودون أن نفهم.

نحن في الحقيقة مكارثيون، وسأحدثك عن مكارثي، أولًا لتعرف لما نسبنا إليه، هذا المتعجرف كان سيناتورًا أمريكيًا اسمه جوزيف مكارثي، كان مهووسًا بتصنيف الناس إلى شيوعيين ووطنيين مخلصين، لم يسلم منه أحد، برز في أمريكا في ذروة الحرب الباردة، لم يوفر اتهاماته لأحد، لم يسلم منه الصحافيون ولا النواب ولا الجنرالات، ولا حتى الناس العاديون.

لقد أصبح حينئذ ظاهرة، وتبنى آلاف الأمريكيون رأيه في ضرورة تطهير أمريكا من الشيوعيين وعملاء السوفيت، وأصبح الناس البسطاء يصنفون بعضهم بعضًا بالشيوعية، والعمالة للسوفيت!

أحدث هذا الرجل ضجة كبيرة، جعلت أمريكا تعيش فوبيا كبرى من الشيوعية والجواسيس الروس الذين أصبحوا حسب رأي المكارثيين منتشرين في كل مكان. المدرس الغامض، والطبيب الكسول، والكاتب الناقد، والمغني الساخط، الزوج الذي يتأخر في الدوام، كلهم ربما يكونون شيويعيين، وربما هم من جواسيس الروس في أمريكا، حتى ألبرت أينشتاين أصبح متهمًا بالشيوعية، لم يسلم من هذه التهمة حتى شارلي شابلن، ذلك الرجل القصير الذي ملأ العالم ضحكًا وسعادة، أصبح في نظر ثلة مكارثي شيوعيًا، ومارتن لوثر كينج الرجل الذي علم الناس فن القتال من أجل الحلم.

هكذا أصبحت أمريكا في خضم الحمى المكارثية، وهكذا عرف جوزيف مكارثي بإطلاق التهم دون تثبت.

هذا عمنا جوزيف مكارثي، الذي لم يكن في النهاية إلا مدمن مخدرات مهووسًا بالتخوين، وهذا ما فعله في أمريكا، وهذا ما نفعله نحن أيامنا هذه، هذا ما يصنعه الشارع وسط مكوناته، هذا ما يحدث في الشعوب ومواطنيها، حتى البسطاء منهم أصبحوا جيدين في اتهام بعضهم البعض.

في اليمن، سيما في المناطق التي يجثم عليها طغيان الحوثي يبالغ الناس في التحرز من بعضهم، كل منهم يتهم الآخر هذا داعشي وذاك عفاشي، وفي مناطق الشرعية تبرز تهم بين الفينة والأخرى يتقن المكارثيون الجدد اختلاقها وإلصاقها ببعضهم البعض، هكذا يفعل الإماراتيون حين يملؤون تويتر بتغريدات عن قطر ومؤامرات قطر وصهيونية قطر، وهكذا يصنع المصريون حين اتهموا كل مصلح بالأخونة، واتهموا الإخوان بالإرهاب.

إن كل من نقد السيسي في القاهرة إخواني وكل من طالب براتبه في صنعاء داعشي، كل سني مسكين في بغداد مشروع داعشي، وكل من يدعو لحماس في أبو ظبي إرهابي، وكل من ينتقد الهيئة في الرياض علماني.

هكذا هي المكارثية.. وهكذا نرسخها في واقعنا المعاش

لم تكن الكارثة التي تخلقت عن المكارثية في أمريكا خطيرة مثل ما هي في الوطن العربي والشرق الأوسط، فالنتائج التي أفرزتها هذه المكارثية الجديدة خطيرة، بل كارثية بكل ما للكلمة من معنى، والسبب في ذلك يعود إلى أن هذا السلوك المكارثي، أو هذه الهيستيريا التخوينية في القطيع يقابلها في البلدان العربية، تحكم وديكتاتورية لدى النخبة، وهي ما أميل إلى تسميته مكيافيلية.

والمكيافيلية هي السلوك السياسي الذي كرسه نيقولا مكيافيلي وهو أحد المفكرين الطليان في فجر النهضة، سلوك سياسي كرسه هذا المفكر وهو في معتقل العائلة الحاكمة حينئذ، بكتاب الأمير ذائع الشهرة الذي اختزله بعبارة: الغاية تبرر الوسيلة، أي أن الغاية التي يبتغيها الحاكم أو الأمير تبرر له الوسيلة التي يستخدمها مهما كانت دنيئة وقذرة.

طبعًا كانت هذا شطحة فكرية من مكيافلي، لم يؤمن بها، كانت كشطحات المتنبي حين امتدح كافور الإخشيدي، غير أن الشاعر حين يجامل الأمير فهو لا يفعل شيء أكثر من امتداحه بصفات يعلم الجميع أنه لا يمتلكها فلا يلقون لها بالًا، أما المفكر فمجاملته قاسية فادحة سيما لمن لا يستحقها، إنها تكرس فكر وتؤسس منهج منحرف قوامه المجاملة أو الرغبة الفطرية في التقدير.

والرغبة الفطرية في التقدير هي ما جعلت مكيافلي يؤلف كتاب الأمير ليذكر فيه بلغة رصينة ما يحق للأمير أو الحاكم فعله، وقد أجاز له فعل كل شيء يحقق مصلحة الشعب التي يراها هو، حتى ولو كان الشعب يراها ليست مصلحة.

المكيافيلة على هذا الأساس هي السمة الرئيسة لكل النخب الحاكمة في الوطن العربي، من المغرب حتى العراق، ومن سوريا حتى اليمن، حتى وإن لم تكن السلطة أحيانًا مستقلة وذات سيادة، إلا أنها تتخذ مبدا الغاية تبرر الوسيلة.

فلا مشكلة أن يظل الموظفين في اليمن بلا مرتبات ما دامت النخبة الحاكمة رأت أن مصلحته هي أن يدفع هذه المرتبات من أجل حرب تدار بالنيابة عن إيران، ولا مانع أن يقتل السيسي بضعة آلاف من المصريين ما دام أنه يرى مصلحة الشعب هي في التخلص من شبح الإخوان المسلمين، ولا مانع أن يحول بشار سوريا إلى بوابة جحيم ما دام أن مصلحة السوريين هي في بقائه حاكمًا.

هذه هي المكيافلية في أنصع صورها، مكيافلية متجذرة في العقول، وطغيان في القلوب، ديكتاتورية وظلم، هذا ما تجده عند النخبة.

وما دمت تجد القطيع غارقًا في المكارثية حتى أذنيه، فهو يصنع المكيافلية، هو من يغذيها وهو من يحميها.

رأينا الجموع تخرج لتزغرد للسيسي، وجموع تصفر للحوثيين، جموع في القاهرة تحرض السيسي على إفناء نصف الشعب لأنهم إخوان، وجموع في صنعاء تحض الحوثيين على إفناء النصف الآخر من الشعب بحجة أنهم طابور خامس.

في النهاية دعني أقُلْ لك إن المكارثية هي غباء في رداء ذكاء، والمكيافلية حماقة في رداء جبروت، فالمكارثيون يعتقدون أنهم أذكياء حين يطلقون التهم على بعضهم دون تثبت، والمكيافليون يرون ذواتهم جبابرة حين يرون الشعوب تقارع بعضها بعضًا من أجلهم، إلا أنهم يسوقون أنفسهم إلى مقصلة التاريخ، إذ سيأتي اليوم الذي يصحوا فيه المكارثيون من نشوتهم، ويفسدون فيه على المكيافيليين متعتهم.

حين يأتي هذا اليوم سيرى أهل صنعاء أن السيد ليس رسول الله، وسيرى أهل القاهرة أن السيسي ليس محمد علي باشا، سيصحو مدعو الذكاء على غبائهم فينتفضون، وسيصحو مدعو الجبروت على ضعفهم فيتساقطون.

ستشعشع شمس الحكمة على صنعاء، ويهبط نور الوعي على بغداد، وسيشرق قمر الرحمة في سماء دمشق، وتلمع شمس الإيمان على القاهرة.

سيدرك صاحب صنعاء أن ابن عمه الإصلاحي ليس داعشيًا، وإنما أخًا وصهرًا، وسيدرك صاحب مأرب أن صهره في صعدة ليس حوثيًا، وإنما يمنيًا تعوزه الحكمة وينقصه الوعي وسيصحو يومًا ويعود أخًا وصهرًا.

لا صعدة ستبقى للحوثي، ولا صنعاء ستظل لصالح ولا مأرب ستبقى للإصلاح، سيبقى اليمن للجميع، يومًا ما سيحدث ذلك.

والقاهرة لن تظل تحت بيادة السيسي، «ولن يرقص أحد المصريين مرة أخرى مع حسين الجسمي وبشرى خير. ولن يغني أحد تسلم الأيادي، لن تظل صعدة تغني مع عيسى الليث، بالحرب ما نبالي: بل ستجد صنعاء وعمران وعدن ومأرب وتعز يصرخن معها».

بل نبالي بها

فقد أفنت الدور من قاطنيها

سلبت من ورود المنازل أحبتهن

نبالي بها .. أحرقت كل زرع

نبالي بها .. ايتمت الف طفل

نبالي بها .. أرملت ألف أنثى بعمر الشباب

نبالي بها .. سكبت في السطوح المآسي

نبالي بها .. وسدت في القبور الكرام

نبالي بها .. علمتنا الخيانة

نبالي بها .. زرعت في القلوب البلادة

نبالي بها .. فأوقوفها كفاكم عبث

سيحدث ذلك حين يختفي الإيمان المقرون بالجهل، ويظهر الوعي المقترن بالإيمان ، حينئذ سيتوارى المكارثيون، ويتضعضع المكيافليون، ويعود البشر كما أراد لهم الله أن يكونوا.

لكن السؤال يبقى: متى ستشرق شمس يومًا كهذا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد